.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::.
أهلاً وسهلاً وألف مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري تفضل بالدخول ان كنت عضواً والاعليك التسجيل لكي تملك كافة صلاحية الاعضاء وتمتلك الرخصة في اضافة مواضيع جديدة او الرد علي مواضيع وهنالك المكنون فقط للمسجلين فسارع بالانضمام الينا كي تحظي بما أخفي لك ...
الادارة...


أهلاً وسهلاً بكم في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري من أجل التواصل ، والتوادد ، والتعارف ، وتبادل الخبرات وكل ماهو مفيد وجديد ...
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلي اله وصحبه اجمعين
اعضاء وزوار منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - الف مرحباً بكم _ حللتم اهلاً ووطئتم سهلاً...
تم انشاء هذا المنتدي بحمد الله في 14/06/2009 وتم الافتتاح بتوفيق الله سبحانه وتعالي في 11/07/2009
افتتح السيد الرئيس المشيرعمر حسن أحمد البشير الكلية ضمن حفل رسمي وشعبي في يوم 16/7/2005 ، وأمر باعتبارها الكلية التقنية الأنموذج بالســــــــودان .
زهرة حلوة أيها ابتسامة الزائر الكريم ابتسامة بعد التحية والسلام نرحب بك ترحيباً حاراً ونرجو ان تنضم الي كوكبتنا بالتسجيل والدخول لكي تملك جميع رخص الاعضاء والاطلاع علي جميع المواضيع والردود عليها وكتابة مواضيع جديدة ... ولكم منا كل الود والترحاب ... زهرة حلوة

شاطر | 
 

 إيضـَاحُ الكـَلامِ فِيمَا جَرَى للعِزِّ بنِ عَبدِ السَّلامِ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: إيضـَاحُ الكـَلامِ فِيمَا جَرَى للعِزِّ بنِ عَبدِ السَّلامِ   الإثنين ديسمبر 07, 2009 7:43 pm

البسمله2
سلام



إيضـَاحُ الكـَلامِ
فِيمَا جَرَى للعِزِّ بنِ عَبدِ السَّلامِ
في مَسْألَةِ الكَلاَمِ

بقلم
الشيخ محمد بن عبد اللطيف
حكاية عن أبيه الإمام عز الدين بن عبد السلام
المتوفى سنة 661 هـ
تغمدهما الله برضوانه

طبع من نسخة
الشيخ محمد زاهد الكوثري
عفي عنه


نسخها على الحاسوب
جلال علي وفقه الله لكل خير


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإنه لما ندبني من تجب إجابته وتتحتم طاعته إلى أن أذكر له ما جرى لوالدي رحمه الله تعالى مع السلطان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل تغمده الله برحمته، في مسألة الكلام، بادرتُ مجيباً بما أعلمه في الواقعة، بالخبرة الباطنة والمباشرة، وذلك أنه لما ملك الملك الأشرف رحمه الله دمشق، واتصل به ما عليه والدي أحبه وصار يلهج بذكره ويتعرض إلى الاجتماع به، وهو يعرض عن ذلك، ويؤثر الانقطاع إلى ملك الملوك والوقوف ببابه والعكوف على جنابه.
وكان للشيخ أعداء في الدين من (حشوية) الحنابلة المبتدعين، وكانوا في تلك الدولة متقدمين، وكان الملك الأشرف رحمه الله قد صحب جماعة منهم في صغره ممن يقول بالحرف والصوت، كانوا يقولون له: هذا اعتقاد السلف واعتقاد الإمام أحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه، وحاشاهم عن ذلك، وقرروا ذلك عند السلطان، حتى اختلط اعتقاده لذلك بلحمه ودمه، وصار يعتقد فيمن خالف ذلك أنه كافر مباح الدم.
فقالت له طائفة منهم: ابن عبد السلام أشعري المذهب، غير معتقد للحرف والصوت، بل يخطئ من يعتقد الحرف والصوت ويسبه ويذمه ويقدح في دينه أتم القدح، ومن جملة اعتقاده أنه يقول بقول الأشعري، أن الخبر لا يشبع والماء لا يروي والنار لا تحرق.
فاستهول ذلك السلطان، واستعظمه، واتهمهم ولم يصدقهم، ونسبهم إلى التعصب عليه.
فكتبوا فتوى في مسألة الكلام وأحضروها إليه، وكان قد اتصل به ما ألقوه إلى السلطان في ذلك.
فقال: إن هذه الفتيا كتبت امتحاناً لي، والله لأكتبن فيها بمر الحق.
فكان من جملة ما كتب فيها بعد حمد الله وتعظيمه وتنـزيهه وتوحيده:
وأنه حي مريد سميع بصير عليم قدير متكلم بكلام أزلي، ليس بحرف ولا وصت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مداداً في الألواح والأوراق شكلاً ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته، وحق لما دل عليه وانتسب إليه أن تعتقد عظمته وترعى حرمته، وكذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعباد والعلماء صلوات الله عليهم.
أمـر على الديار ديار ليلى أقبـل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
ولذلك يقبل الحجر الأسود، ويحرم على المحدث أن يمس المصحف أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها وجلده وخريطته التي هو فيها.
فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد، أو رسم من أشكال المداد، وأحمد ابن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم، وكيف يظن بأحمد وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله تعالى قديم، وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل، وقد أخبر الله تعالى عن حدوثها في ثلاثة مواضع من كتابه الكريم:
الموضع الأول: قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)، جعل الآتي محدثاً، فمن زعم أنه قديم فقد رد على الله تعالى، وإنما هذا المحدث دليل على القديم، كما أنا إذا كتبنا اسم الله عز وجل في ورقة لم يكن الرب القديم حل في تلك الورقة، فكذلك إذا كتب الوصف القديم في شيء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة.
الموضع الثاني: قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم)، وقول الرسول صفة للرسول، ووصف الحادث حادث يدل على الكلام القديم، فمن زعم أن قول الرسول قديم فقد رد على رب العالمين.
الموضع الثالث: قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم).
والعجب ممن يقول: القرآن مركب من حرف وصوت، ثم يزعم أنه في المصحف، وليس في المصحف إلا حرف مجرد لا صوت معه؛ إذ ليس فيه حرف متكون عن صوت، فإن الحرف اللفظي ليس هو الشكل الكتابي، وكذلك يدرك الحرف اللفظي بالآذان ولا يشاهد بالعيان، ويشاهد الشكل الكتابي بالعيان ولا يسمع بالآذان.
ومن توقف في ذلك لم يعد من العقلاء، فضلاً عن العلماء، فلا كثر الله من أهل البدع والأهواء، والإضلال والإغواء.
ومن قال: إن الوصف القديم حال في المصحف لزمه إذا احترق المصحف أن يقول: إن وصف الله القديم احترق !! سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
ومن شأن القديم أن لا يلحقه تغير ولا عدم، فإن ذلك منافٍ للقدم، فإن زعموا أن القرآن مكتوب في المصحف غير حال فيه، كما يقوله الأشعري رحمه الله، فلم يلعنون الأشعري ؟!
وإن قالوا بخلاف ذلك، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكفى به إثماً مبيناً.
وأما قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) فلا خلاف بين أئمة العربية أنه لا بد من كلمة محذوفة يتعلق بها قوله (في كتاب مكنون)، ويجب القطع بأن ذلك المحذوف تقديره: (مكتوب في كتاب مكنون)، لما ذكرناه، ما دل عليه العقل الشاهد بالوحدانية وبصحة الرسالة، وهو مناط التكليف بإجماع المسلمين.
وإنما لم نستدل بالعقل على القوم وكفى به شاهداً؛ لأنهم لا يسمعون شهادته، مع أن الشرع قد عدَّل العقلَ وقبل شهادته، واستدل به في مواضع من كتابه الكريم، كالاستدلال بالإنشاء على الإعادة، وكقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتها)، وقوله تعالى: (وما كن معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)، وقوله تعالى: (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء).
فيا خيبة من رد شاهداً قبله الله تعالى، وأسقط دليلاً نصبه الله تعالى، فهم يرجعون إلى المنقول، فلذلك استدللنا بالمنقول وتركنا المعقول، كميناً إن احتجنا إليه أبرزناه، وإن لم نحتج إليه أخرناه.
وقد جاء في الحديث المشهور: (من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات، ومن قرأه ولم يعربه فله بكل حرف حسنة)، والقديم لا يكون معيباً باللحن وكاملاً بالإعراب، وقد قال تعالى: (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون)، فإذا أخبر رسوله بأنا نجزى على قراءة القرآن دل على أنه من أعمالنا، وليست أعمالنا بقديمة، وإنما أتي القوم من قبل جهلهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسان العرب وسخافة العقل وبلادة الذهن، فإن لفظ القرآن يطلق في الشرع واللسان على الوصف القديم، ويطلق على القراءة الحادثة، والعجب أنهم يذمون الأشعري رحمه الله بقوله: إن الخبز لا يشبع والماء لا يروي والنار لا تحرق، وهذا كلام أنزل الله تعالى معناه في كتابه الكريم، فإن الشبع والري والاحتراق حوادث انفرد الرب سبحانه وتعالى بخلقها، فلم يخلق الخبز الشبع، ولم يخلق الماء الري، ولم تخلق النار الاحتراق، وإن كانت أسباباً في ذلك، فالخالق هو المسبب، كما قال تعالى: (وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى)، نفى أن يكون رسوله خالقاً للرمي وإن كان سبباً فيه، وقد قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا) فاقتطع الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عن أسبابها، وأضافها إليه، فكذلك اقتطع الأشعري رحمه الله الشبع والري والاحتراق عن أسبابها وأضافها إلى خالقها؛ لقوله تعالى: (الله خالق كل شيء)، ولقوله تعالى: (هل من خالق غير الله) (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعمله ولما يأتهم تأويله) (أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أما ماذا كنتم تعملون).
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهـم السقيـم
وهذا بعض ما ذكر في الفتيا.
فلما فرغ من كتابة ما راموه، رماه إليهم وهو يضحك عليهم، فطاروا بالجواب، وهم يعتقدون أن الحصول عليه من الفرص العظيمة التي ظفروا بها، ويقطعون بهلاكه واستئصاله واستباحة دمه وماله، فأوصلوا الفتيا إلى الملك الأشرف رحمه الله، فلما وقف عليها استشاط غضباً وقال: صح عندي ما قالوه عنه، وهذا رجل كنَّا نعتقد أنه متوحد في زمانه في العلم والدين، فظهر عبد الاختبار أنه من الفجار !! لا بل من الكفار !!
وكان ذلك في رمضان عند الإفطار، وعنده على سماطه عامة الفقهاء، من جميع الأقطار، فلم يستطع أحدٌ منهم أن يرد عليه، بل قال بعض أعيانهم: السلطان أولى بالعفو والصفح، ولا سيما في مثل هذا الشهر، وموه آخرون بكلام غير موجه يوهم صحة مذهب الخصم، يظهرون أنهم قد أفتوا بموافقته، فلما انفصلوا تلك الليلة من مجلسه بالقلعة اشتغل الناس في البلد بما جرى في تلك الليلة عند السلطان، وأقام الله سبحانه وتعالى الشيخ العلامة جمال الدين أبا عمرو بن الحاجب المالكي، وكان عالم مذهبه في زمانه، وقد جمع بين العلم والعمل رحمه الله تعالى في هذه القضية، ومضى إلى القضاة والعلماء الأعيان الذين حضروا هذه القصة عند السلطان، وشدد عليهم النكير، وقال:العجب أنكم كلكم على الحق، وغيركم على الباطل، وما فيكم من نطق بالحق، وسكتم، وما انتخيتم لله تعالى وللشريعة المطهرة، ولما تكلم منكم من تكلم قال: السلطان أولى بالعفو والصفح، ولا سيما في هذا الشهر، وهذا غلط يوهم الذنب، فإن العفو والصفح لا يكونان إلا عن جرم وذنب، أما وكنتم سلكتم طريق التلطف في إعلام السلطان بأن ما قاله ابن عبد السلام مذهبكم، وهو مذهب أهل الحق، وأن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم في ذلك إلا طائفة مخذولة، يخفون مذهبهم ويدسونه على تخوف، إلى من يستضعفون علمه وعقله، وقد قال تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون).
ولم يزل يعنفهم ويوبخهم إلى أن اصطلح معهم على فتيا بصورة الحال، ويكتبوا فيها بموافقة ابن عبد السلام، فوافقوه على ذلك، وأخذ خطوطهم بموافقته، والتمس ابن عبد السلام من السلطان أن يعقد مجلساً للشافعية والحنابلة وتحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين، وذكر له أنه أخذ خطوط الفقهاء الذين كانوا بمجلس السلطان لما قرئت عليه الفتيا بموافقتهم له، وأنه لم يمكنهم الكلام بمحضر السلطان في ذلك الوقت لغضبه وما ظهر من حدته في ذلك المجلس.
وقال: الذي يعتقد في السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل غامده الله تعالى برحمته، فإنه كان قد عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيراً بليغاً رادعاً، وبدعهم وأهانهم.
فلما اتصل ذلك بالسلطان استدعى دواة وورقة، وكتب فيها بخط يده ما مثاله:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصل إليَّ ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام أصلحه الله في عقد مجلس وجمع المفتين والفقهاء، وقد وقفنا على خطه، وما أفتى به، وعلمنا عقيدته ما أغنى عن الاجتماع به، ونحن نتبع ما عليها الخلفاء الراشدون الذين قال صلى الله عليه وسلم في حقهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من عبد) وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويخلص من البدع، اللهم إلا إن كنت تدعي الاجتهاد، فعليك أن تثبت ليكون الجواب على قدر الدعوى، لتكون صاحب مذهب خامس.
وأما ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي تغمده الله برضوانه، فذلك الحال أنا أعلم به منك، وما كان له سبب إلا فتح باب السلامة لأمر ديني:
فجرم جره سفهاء قوم فحل بغير جانيه العذاب
ومع هذا فقد ورد في الحديث: (الفتنة نائمة لعن الله مثيرها) ومن تعرض إلى إثارتها قابلناه بما يخلصنا من الله تعالى ما يعضد كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم استدعى رسولاً وسير الرقعة معه، فلما وفد بها عليه، فضها وقرأها وطواها، وقال للرسول: قد وصلت وقرأتها، وفهمت ما فيها، فاذهب بسلام.
فقال: قد تقدمت الأوامر المطاعة السلطانية إلي بإحضار جوابها.
فاستحضر الشيخ دواة وكتب فيها ما مثاله:
بسم الله الرحمن الرحيم، (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) أما بعد، فإن الله تعالى قال لأحب خلقه إليه وأكرمه لديه (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون)، وقد أنـزل الله كتبه وأرسل رسله بنصائح خلقه، فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه، وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، وهو سبحانه وتعالى أولى من قبلت نصيحته وحفظت وصيته.
وأما طلب المجلس وجمع العلماء فما حملني عليه إلا النصح للسلطان، وعامة المسلمين، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدين فقال: (الدين النصيحة) قيل: لمن يا رسول الله ؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم).
فنصح الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بالعمل بموجبه، وللأئمة بإرشادهم إلى أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه، ولعامة المسلمين بدلالتهم على ما يقربهم إليه ويزلفهم لديه، وقد أديت ما علي في ذلك، والفتيا التي وقعت في القضية يوافق عليها علماء الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء من الحنبلية، وما يخالف في ذلك إلا رعاع لا يعبأ الله بهم، وهو الحق الذي لا يجوز دفعه، والصواب الذي لا يمكن رفعه، ولو حضر العلماء مجلس السلطان لعلم صحة ما أقول، والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك، وقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته، وإنما سكت من سكت أول الأمر لما رأوا من غضب السلطان، ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولاً إلا بما رجعوا إليه آخراً، ومع ذلك فيكتب ما ذكرته في هذه الفتيا وما ذكره الغير، ويبعث إلى بلاد الإسلام، ليكتب فيها كل من يحب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه، ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان.
وبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعري يستهين بالمصحف، ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب، وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر وانفسخ نكاحه، وصار ماله فيئاً للمسلمين وتضرب عنقه ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع.
ومذهبنا أن كلام الله سبحانه قديم أزلي قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق، ولا يتصور في صفاته أن تفارق ذاته، إذ لو فارقته لصار ناقصاً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين ولا ألفاظ اللافظين، ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين، وخرج عن عقائد المسلمين، بلا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي، وربنا المستعان على ما تصفون.
وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن، فإن الله سبحانه وتعالى أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه، ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع، ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله،,الله أعلم بمن يعرفه دينه ويقف عند حدوده.
وبعد ذلك فإننا نزعم أنا من جملة حزب الله تعالى، وأنصار دينه وجنده، وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي.
وأما ما ذكر من أمر باب السلامة فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا من أن السلطان الملك العادل تغمده الله برحمته، إنما فعل ذلك إعزازاً للدين ونصرة للحق، ونحن نحكم بالظاهر، والله سبحانه وتعالى يتولى السرائر، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكان يكتبها وهو مسترسل، من غير توقف ولا تردد ولا تلعثم.
فلما أنهى كتابتها طواها وختمها، ودفعها للرسول، وكان عنده حال كتابتها رجل من العلماء الفضلاء وممن يحضر مجلس السلطان، فوقفه على الرقعة الواردة عليه من السلطان الملك الأشرف، فتغير لونه واعتقد أن الشيخ يعجز عن الجواب، لما شاهد من ورقة السلطان من شديد الخطاب، فلما خط الشيخ الكتاب مسترسلاً عجلاً، وهو يشاهد ما يكتبه، بطل عنده ما كان يحسبه وقال: لو كانت هذه الرقعة التي وصلت إليك وصلت إلى قس بن ساعدة لعجز عن الجواب وعدم الصواب، ولكن هذا تأييد إلهي.
فلما عاد الرسول إلى السلطان رحمه الله تعالى وأوصله الرقعة وفضها، وقرئت عليه، اشتدت استشاطته، وعظم غضبه، وتيقن العدو تلف الشيخ وعطبه.
ثم استدعى الغرز خليلاً، وكان إذ ذاك أستاذ داره، وكان من المحبين للشيخ والمعتقدين فيه، فحمله رسالة إلى الشيخ، وقال له: تعود سريعاً بالجواب.
فجاء الغرز إليه، وجلس بين يديه بحسن تودد وتأدب، ثم قال له: أنا رسول، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، والله لقد تعصبوا عليك، وأعنتهم أنت على نفسك بعدم اجتماعك في مبدأ الأمر بالسلطان، ولو كان رآك ولو مرة واحدة لما تم شيء من هذه الأمور أصلاً، وكنت أنت عنده الأعلى.
فقال له: أد الرسالة كما قيلت لك.
فقال: لا تسأل ما حصل عند السلطان عند وقوفه على ورقتك، ولا سيما أنه وجد فيها ما لايعهده من مخاطبة الناس للملوك، مضافاً إلى ما ذكرته من مخالفة اعتقاده، فقال: اذهب إلى ابن عبد السلام وقل له: إنا قد شرطنا عليه ثلاثة شروط: أحدها أن لا يفتي، والثاني: أنه لا يجتمع بأحد، والثالث: أنه يلزم بيته.
فقال: يا غرز إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة عليَّ، المستوجبة للشكر لله تعالى على الدوام، أما الفتيا فإني والله كنت متبرماً بها وأكرهها وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا أني كنت أراها متعينة علي لما أفتيتُ، والآن فقد سقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي، والله الحمد والمنة.
وأما ترك اجتماعي بالناس، ولزومي بيتي، فهذا من سعادتي، لتفرغي لعبادة الله تعالى، والسعيد من لزم بيته بكى على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى، وهذا تسليك من الحق وهداية من الله تعالى إليَّ أجراها على اليد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان.
والله يا غرز لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعتُ عليك ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صلِّ عليها، فقبلها وقبلها، وودعه.
وانصرف إلى السلطان وذكر له ما جرى بينه وبين الشيخ، فقال لمن حضره: قولوا لي ما أفعل به ؟ هذا رجل يرى العقوبة نعمة، اتركوه بيننا وبين الله.
ثم إن الشيخ بقي على تلك الحالة ثلاثة أيام، ثم إن الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية في زمانه، وكان قد جمع بين العلم والعمل، ركب حماراً له وحوله أصحابه، وقصد السلطان، فلما بلغ الملك الأشرف دخول الحصيري إلى القلعة أرسل إليه خاصته يتقلونه، وأمرهم أن يدخلوه إلى دار الإمارة راكباً على حماره، فلما رآه السلطان وثب قائماً ومشى إليه، وأنـزله عن حماره، وأجلسه على تكرمته، واستبشر بوفوده عليه، وكان في رمضان، قريب غروب الشمس.
فلما دخل وقت المغرب وأذن المؤذن صلوا صلاة المغرب، وأحضر السلطان قدح شراب فتناوله وناوله للشيخ، فقال له: ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك، فقال له السلطان: يرسم الشيخ ونحن نمتثل مرسومه.
فقال: إيش بين وبين ابن عبد السلام، وهذا رجل لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده، ويفتخر به على سائر الملوك.
قال السلطان: عندي خطه باعتقاده في فتيا، وخطه أيضاً في رقعة جواب رقعة سيرتها إليه، فيقف الشيخ عليهما ويكون الحكم بيني وبينه.
ثم أحضر السلطان الورقتين، فوقف عليهما وقرأهما إلى آخرهما، وقال: هذا اعتقاد المسلمين وشعار الصالحين ويقين المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار، فقال السلطان رحمه الله: نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارط في حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء، وأرسل إلى الشيخ وطلب محاللته ومخاللته.
وكانت الحنابلة قد استنصروا على أهل السنة وعلت كلمتهم، بحيث إنهم صاروا إذا خلوا بهم في المواضع الخالية يسبونهم ويضربونهم ويذمونهم، فعندما اجتمع جمال الدين الحصيري بالسطلان وتحقق ما عليه الجم الغفير من اعتقاد أهل الحق، تقدم إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام، وأن لا يفتي أحد فيها بشيء، سداً لباب الخصام.
فانكسرت المبتدعة بعض الانكسار، وفي النفوس ما فيها.
ولم يزل الأمر مستمراً على ذلك إلى أن اتفق وصول السلطان الملك الكامل رحمه الله تعالى إلى دمشق، من الديار المصرية، وكان اعتقاده صحيحاً، وهو من المتعصبين لأهل الحق قائلاً بقول الأشعري رحمه الله في الاعتقاد، وكان وهو بالديار المصرية قد سمع ما جرى في دمشق في مسألة الكلام، فراجم الاجتماع بالشيخ، فاعتذر إليه، فطلب منه أن يكتب له ما جرى في هذه القضية مستقصياً مستوفياً، فأمرين والدي رحمه الله تعالى بكتابة ما سقته في هذا الجزء من ألو القصة إلى آخرها، فلما وصل ذلك إليه ووقف عليه أسر ذلك في نفسه إلى أن اجتمع بالسلطان الملك الأشرف رحمه الله تعالى، وقال:
يا خواند، كنت سمعتُ أنه جرى بين الشافعية والحنابلة خصام في مسألة الكلام، وأن القضية اتصلت بالسلطان، فماذا صنعت فيها ؟
فقال: يا خواند، منعتُ الطائفتين من الكلام في مسألة الكلام، وانقطع بذلك الخصام.
فقال السلطان الملك الكامل رحمه الله تعالى: والله مليح !! ما هذه إلا سياسة وسلطنة تساوي بين أهل الحق والباطل، وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكتموا ما أنـزل الله إليهم ؟!!
كان الطريق أن تمكن أهل السنة من أن يلحنوا بحججهم وأن يظهروا دين الله، وأن تشنق من هؤلاء المبتدعة عشرين نفساً ليرتدع غيرهم، وأن تمكن الموحدين من إرشاد المسلمين وأن يبينوا لهم طريق المؤمنين.
فعند ذلك ذلَّتْ رقاب المبتدعة وانقلبوا خائبين وعادوا خاسرين (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال) على يد السلطان الملك الكامل رحمه الله تعالى، وانقشعت المسألة للسلطان الملك الأشرف رحمه الله تعالى، وصرح بخجله وحيائه من الشيخ وقال:
لقد غلطنا والله في حق ابن عبد السلام غلطة عظيمة، وصار يترضاه ويعمل بفتاويه وما أفتاه، ويطلب أن يقرأ عليه تصانيفه الصغار مثل "الملحة في اعتقاد أهل الحق" الذي ذكر بعضها في الفتيا، وقرئت عليه "مقاصد الصلاة" في يوم ثلاث مرات تقرأ عليه، وكلما دخل عليه أحد من خواصه يقول للقارئ: اقرأ "مقاصد الصلاة" لابن عبد السلام، حتى يسمعها فلان وينفعه الله بسماعها.
حتى قال والدي: لو قرئت "مقاصد الصلاة" على بعض مشايخ الزوايا أو على متـزهد أو مريد أو متصوف مرة واحدة في مجلسٍ لما أعادها فيه مرة أخرى.
ولقد دخل على السلطان الملك الأشرف الشيخ شمس الدين سبط ابن الجوزي، وكان واعظ الزمان، وكان له قبول عظيم، ويحضر مجلسه الألوف من الناس، ولقد شاهدت منه عجباً، كان يطلع على المنبر في بعض الأيام ويحدق الناس إليه، فيطرق ساعة وينتحب ويبكي ويبكي الناس معه، ويقتلون أنفسهم، وينـزل عن المنبر ولا يتكلم بكلمة واحدة، ويذهب هائماً على وجهه، ويذهب الناس من مجلسه وهم سكارى حيارى، وهذا لم أره لأحد غيره، وكان يجلس في الثلاثة الأشهر: شهر رجب وشعبان ورمضان كل سبت، وكان الناس يتأهبون لحضور مجلسه قبل السبت بثلاثة أيام.
فلما دخل على السلطان ناوله "مقاصد الصلاة" وقال له: اقرأها، فقرأها بين يديه واستحسنها، وقال: لم يصنف أحدٌ مثلها، فقال: طرز مجلسك الآتي بذكرها، وحرض الناس على تحصيلها وتعملها، فلما جاء الميعاد طلع على المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال:
اعلموا رحمكم الله أن أفضل العبادات البدنية الصلاة، وهي صلة بين العبد وبين ربه، فعلكم بـ"مقاصد الصلاة"، تصنيف: ابن عبد السلام، فاسمعوها وعوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها أولادكم ومن يعز علكيم، وكانت عروساً وهو ما شطتها، فحلاها عليهم وأهداها إليهم، وكان لها وقع عظيم في ذلك المجلس، وعندما انفض المجلس قصدنا الناس لكتابتها وتعلمها وتحصيلها، فأحالهم والدي عليّ، فعينتُ لهم جماعة من النساخ، وكتبوا منها من النسخ ما لا يحصى عدده، وكان الناس يحصلونها ويسمعونها على الشيخ.
ولم يزل والدي يعظم عند السلطان ويتبرك بأقواله إلى أن مرض مرضة الموت، ويئس من الحياة، فقال لأكبر أصحابه: اذهب إلى ابن عبد السلام وقل له: محبك موسى ابن الملك العادل أبي بكر يسلم عليك، ويسألك أن تعوده وتدعو له وتوصيه بما ينتفع به غداً عند الله تعالى.
فلما وصل الرسول إليه بهذه الرسالة، قال: نعم، إن هذه العيادة لمن أفضل العبادات، لما فيه من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى، فتوجه إليه وسلم عليه، فسرَّ برؤيته سروراً عظيماً، وقبل يده، وقال له: يا عز الدين اجعلني في حلٍّ وادع لي وأوصني وانصحني.
فقال له: أما محاللتك، فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله تعالى، ولا يكون على الناس عملاً بقوله سبحانه وتعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فلأن يكون أجري على الله ولا يكون على خلقه أحبُّ إليَّ.
وأما السلطان فإني أدعو له في كثير من الأحيان، لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام، والله تعالى يبصر السلطان ما يبيض به وجهه عنده يوم يلقاه.
وأما وصيتي ونصيحتي للسلطان، فقد وجبت وتعينت لقبوله وتقاضيه –وكان قبل مرضه قد وقع بينه وبين أخيه السلطان الكامل واقع ووحشة، وأمر وهو في ذلك المرض ينصب دهليزه إلى صوب مصر، فضرب على منـزلة تسمى الكسوة، وكان في ذلك الزمان قد ظهر التتر بالشرق-، فقال الشيخ للسلطان: الملك الكامل أخوك الكبير، ورحمك، وأنت مشهور بالفتوحات والنصر على الأعداء، والتتر قد أحاطوا ببلاد الإسلام، تترك ضرب دهليزك إلى أعداء الله وأعداء المسلمين، وتضربه إلى جهة أخيك، فينقل السلطان دهليزه إلى جهة التتر، ولا يقطع رحمه في هذه الحالة، وتنوي مع الله تعالى إدالته على الكفار، وكانت في ميزانه هذه الحسنة العظيمة، وإن قضى الله تعالى بلقائه كان السلطان في خفارة نيته.
فقال له: جزاك الله خيراً عن إرشادك ونصيحتك، وأمر –والشيخ حاضر- في الوقت بنقل دهليزه إلى الشرق إلى منـزلة يقال لها القصير، فنقل في ذلك اليوم.
ثم قال له: زدني من نصائحك ووصاياك.
فقال له: السلطان في مثل هذا المرض وهو على خطر ونوابه يبيحون فروج النساء ويضمنون الخمور ويركبون الفجور ويتسرعون في تمكيس المسلمينن ومن أفضل ما يلقى الله تعالى أن يتقدم بإبطال هذه القاذورات، وبإبطال كل مكس ورفع كل مظلمة، فتقدم رحمه الله تعالى للوقت بإبطال ذلك جميعه وقال له: جزاك الله عن دينك وعن نصاحتك وعن المسلمين خيراً، وجمع بيني وبينك في الجنة بمنه وكرمه.
وأطلق له ألف دينار، فردها عليه وقال: هذه اجتماعة لله تعالى، لا أكدرها بشيء من الدنيا، وودع الشيخ السلطان ومضى إلى البلد، وقد شاع عند الناس صورة المجلس وتبطيل المنكرات وباشر بنفسه بتبطيل بعضها، ثم لم يمض الصالح إسماعيل بتبطيل المنكرات؛ لأنه كان المباشر لتدبير الملك والسلطنة يومئذ نيابة، والسلطان الملك الأشرف بعد في الحياة، ثم استقل بالملك بعده وكان أعظم منه في اعتقاد الحرف والصوت، وفي اعتقاده في مشايخ الحنابلة، ثم لم يلبث يسيراً حتى قدم السلطان الكامل رحمه الله تعالى من الديار المصرية بعساكره وجحافله وجيوشه إلى دمشق، وحاصر أخاه إسماعيل بدمشق يسيراً، ثم اصطلح معه، وحضر الشيخ عند السلطان الملك الكامل فأكرمه غاية الإكرام، وأجلسه على تكرمته، والصالح إسماعيل يشاهد ذلك وهو واقف على رأسه.
فقال الملك الكامل للشيخ: إن هذا له غرام برمي البندق، فهل يجوز له ذلك ؟
فقال: بل يحرم عليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: (إنه يفقأ العين ويكسر العظم).
وأعطاه بعلبك، فتوجه إليها وملكها وصار ملكها، وولي السلطان الملك الكامل رحمه الله الشيخ تدريس زاوية الغزالي بجامع دمئق، وذكر بها الدرس، ثم ولاه قضاء دمشق بعدما اشترط عليه الشيخ شروطاً كثيرة، ودخل في شروطه، ثم عينه للرسالة إلى الخلافة المعظمة، ثم اختلسته المنية رحمه الله تعالى.
وكان موت الملك الأشرف وتملك الصالح إسماعيل لدمشق ثم تملك الملك الكامل لدمشق وموته سنة وكسراً، ثم ملك الملك الجواد دمشق مدة، ثم كاتب الجواد الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله، وكان بالشرق على أن ينـزل له عن دمشق ويعوضه الرقة وما والاها، ففعل له ذلك، وقدم الملك الصالح نجم الدين رحمه الله إلى دمشق وملكها وعامل الشيخ بأحسن معاملة، ثم توجه بعسكره إلى نابلس بعد أن اتفاقه مع الصالح إسماعيل على أنه يستخدم رجاله من بعلبك وينجده على المصريين، فاستخدم رجاله لنفسه وخان السلطان وكاتب النواب بدمشق، فقدم عليهم، فسلموها إليه، فلما اتصلت الأخبار بالملك الصالح نجم الدين تخلصت عنه عساكره وتفرقوا عنه، وقصده جماعة من المغتالين فحمل عليهم ونجاه الله تعالى منهم، فالتجأ إلى الملك الناصر داود، فأسره وأقام عنده مدة بالكرك، واصطلح معه على المصريين.
وأما الصالح إسماعيل فإنه كان قد شاهد ما اتفق له مع الملك الأشرف، وما عامله به في آخر الأمر من الإكرام والاحترام، ثم شاهد أيضاً ما عامله به الملك الكامل من الإكرام، فولاه الصالح إسماعيل خطابة جامع دمشق، وبقي على ذلك مدة.
ثم إن المصريين حلفوا للملك الصالح نجم الدين وكاتبوه بذلك، فوصل إليهم وملك الديار المصرية، وسار في أهلها السيرة المرضية، فخاف منه الملك الصالح إسماعيل خوفاً منعه الطعام والشراب والطعام، واصطلح مع الفرنج على أنهم ينجدونه على الملك الصالح نجم الدين أيوب، وسلم إليهم صفد والثقيف وغير ذلك من حصون المسلمين، ودخل الفرنج دمشق لشراء السلاح ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين، فشق ذلك على الشيخ مشقة عظيمة وعلى المتدنيين من المتعيشين بالسلاح، فاستفتوا الشيخ في مبايعة الفرنج السلاح، فقال:
يحرم عليكم مبايعتهم؛ لأنكم تحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين.
وجدد دعاء على المنبر كان يدعو به إذا فرغ من الخطبتين قبل نـزوله من المنبر وهو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك، ونعمل فيه بطاعتك، وننتهي فيه عن معصيتك، والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين والنصر على الملحدين، فكاتب أعوان السلطان السلطان بذلك، وحرفوا القول وزخرفوه، فجاء كتابه باعتقال الشيخ.
فبقي مدة معتقلاً، ثم وصل الصالح إسماعيل فأخرجه بعد أن اشترط عليه أنه لا يفتي ويلزم بيته ولا يجتمع بأحد، واشترط الشيخ أيضاً عليه أنه يفسح له في صلاة الجمعة وفي الاجتماع بطبيب أو مزين إن دعت حاجة إليهما، وفي دخول الحمام.
فأجابه إلى ذلك، فأقام مدة في داره بدمشق، ثم انتزح عنه إلى بيت المقدس، فوافاه الملك الناصر داود في الفور، فقطع عليه الطريق وأخذه وأقام عنده مدة، وجرت له معه خطوب، ثم انتقل إلى بيت المقدس وأقام به مدة، ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حماة وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية، فسير الصالح إسماعيل بعض خواصه إلى الشيخ بمنديله، وقال له: تدفع له منديلي وتتلطف معه غاية التلطف وتستنـزله وتعده بعوده إلى مناصبه على أحسن حال، فإذا وافقك فادخل به علي، وإن خاشنك فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمتي.
فلما اجتمع الرسول بالشيخ شرع في سياسته وملاطفته وملاينته، ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تقبل يد السلطان لا غير.
فقال له: يا مسكين، والله ما أرضاه يقبل يدي، فضلاً عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.
فقال له: قد رسم لي إن لم توافق على ما يطلب منك وإلا أعتقلك.
فقال له: افعلوا ما بدا لكم.
فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان، وكان الشيخ يقرأ القرآن والسلطان يسمعه، فقال يوماً لملوك الفرنج: تسمعون هذا الذي يقرأ القرآن، قالوا: نعم، قال: هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى بيت المقدس، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم.
فقال له ملوك الإفرنج: لو كان هذا قسيساً لغسلنا رجليه وشربنا مرقها.
ثم جاءت العساكر المصرية ونصر الله الأمة المحمدية وقتلوا عساكر الإفرنج، ونجى الله الشيخ، فجاء إلى الديار المصرية، فأقبل عليه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله تعالى، وولاه خطابة مصر وقضاءها، وفوض إليه عمارة المساجد بمصر والقاهرة.
واتفق له في تلك الولايات غرائب وعجائب، ثم عزل نفسه عن الحكم، فتلطف السلطان رحمه الله تعالى في رده إليه، فباشره مدة، ثم عزل نفسه منه مرة ثانية، وتلطف مع السلطان في إمضاء عزله لنفسه، فأمضاه له، وأبقى جميع نوابه من الحكام، وكتب لكل حاكم منهم تقليداً.
ثم ولاه تدريس المدرسة الصالحية بالقاهرة المعزية.
ثم مات الملك الصالح نجم الدين أيوب بالمنصورة رحمه الله تعالى، وهو مجاهد ناصر الدين.
ثم وصل ابنه الملك المعظم تورانشاه إلى الديار المصرية، فملكها وانكسرت الفرنجية في دولته، وعامل الشيخ بأحسن معاملة.
ثم انتقل إلى الله تعالى، فسبحان ملك الملوك ومقدر الهلك، ثم انقضى بني أيوب، وكان كأحلام القائل أو كظل زائل لا يغتر به عاقل.
ثم صارت الدولة إلى الأتراك، وكل منهم عامل الشيخ أحسن معاملة، ولا سيما السلطان الملك الظاهر ركن الدين رحمه الله، فإنه كان يعظمه ويحترمه ويعرف مقداره، ويقف عند أقواله وفتاويه، وأقام الخليفة بحضرته وإشارته.
وكانت وفاة الشيخ في دولته بالمدرسة الصالحية بالقاهرة المحروسة في يوم السبت قبيل العصر، التاسع من جمادى الأولى، في سنة ستين وستمائة، وحزن عليه وشيع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنازته وحمل نعشه وحضور دفنه في يوم الأحد بسفح المقطم قبل الظهر.
وهذه إجماليات في زواياها وطوايها خبايا يتعجب منها المتعجب، ولو تفرغت ورمت شرح ذلك وبسطه لجاء منه ما يجري مجرى سيرة والدي رحمه الله تعالى يزاحم السلف ويفوق بها على الخلف، والله تعالى يرحمه ويرضى عنه والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين.
انتهى ما في الأصل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
إيضـَاحُ الكـَلامِ فِيمَا جَرَى للعِزِّ بنِ عَبدِ السَّلامِ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::. :: المنـتـــــــدي الإسلامـــــي :: العقيدة والفقه :: منتدي العقيدة-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
الأحد يناير 31, 2016 3:57 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» المرجع الكامل في التحكم الصناعي الكهربائي
الجمعة يناير 22, 2016 3:33 pm من طرف مصطفى المعمار

» نتيجة السروح في علم الروح
الإثنين مارس 24, 2014 9:57 pm من طرف عوض صالح

» .:: مكتبة نفيسة جداً في كل التخصصات ::.
الأحد يناير 26, 2014 12:57 am من طرف مجذوب احمد قمر

» زيارة وفد جمعية أصدقاء مرضي السكري
الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:18 pm من طرف هاني عمار

» أضخم مكتبة هندسة مدنية في العالم
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:21 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» تحميل فاير فوكس عربي فايرفوكس Download Firefox
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:04 pm من طرف غيداء وبس

» كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
الأحد يوليو 28, 2013 9:43 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» انطلاقة موقع الجامعة علي شبكة الانترنت
الأحد يوليو 21, 2013 5:38 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» .:: كتاب رؤيا النبي حق الي قيام الساعة ::.
الخميس مارس 21, 2013 1:27 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» جامعة الشيخ عبدالله البدري تهنئ الدكتور عمر عبدالله البدري
الجمعة مارس 15, 2013 3:39 am من طرف هاني عمار

» كتاب التجسيم والمجسمة للشيخ عبدالفتاح اليافعي
الخميس مارس 14, 2013 7:51 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» مجلة المديرين القطرية ( الشيخ عبدالله البدري... السوداني الملهم من الشمال)
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:11 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» امتحاننا الدور الأول للعام 2012-2013
السبت فبراير 23, 2013 3:13 pm من طرف هاني عمار

» تحميل جوجل ايرث عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:45 pm من طرف غيداء وبس

» تحميل فايرفوكس عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:30 pm من طرف غيداء وبس

»  برنامج افيرا انتى فايروس مجانى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  جوجل كروم عربى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  كلمة مولانا الشيخ عبدالله البدري راعي ومؤسس جامع الشيخ عبدالله البدري
الأربعاء يناير 02, 2013 9:13 pm من طرف هاني عمار

» وضع حجر الاساس لمباني كليات الجامعة الجديدة
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 4:31 pm من طرف هاني عمار

المواضيع الأكثر نشاطاً
مشروع تخرجي
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
ضع أي سؤال في الهندسة الكهربائية وسنأتيك بالاجابة ان شاء الله
موسوعة النساء والتوليد
حاج الماحي مادح الحبيب
موسوعة الخلفاء عبر التاريخ الاسلامي
برنامج لتقوية وتنقية صوت الحاسوب الي 10 اضعاف
هنا نتقبل التعازي في وفاة العضو بالمنتدي محمد حامد (ودالابيض)
شاركوني فرحة النجاح!!
المواضيع الأكثر شعبية
ادخل هنا للاطلاع علي جميع الوظائف المعلنة
حمل مجانا برنامج المصحف صوت وصورة للموبايل
الكتاب الشامل في الموقع(تم اعدادة من اكثر من 40 كتاب واكثر من 80 مشاركه )
ملف كامل عن ضواغط التبريد
موقع رائع فى زراعة البطاطس
صيغ C.V مهمة للخريجين
مواقع الوظـــائــف الشــاغـرة
الاحصاء الطبي في الويكيبيديا
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
اكبر مكتبة في التصوف الاسلامي علي شبكة الانترنت
copyright 2010
facebook
counter
map
Elexa