.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::.
أهلاً وسهلاً وألف مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري تفضل بالدخول ان كنت عضواً والاعليك التسجيل لكي تملك كافة صلاحية الاعضاء وتمتلك الرخصة في اضافة مواضيع جديدة او الرد علي مواضيع وهنالك المكنون فقط للمسجلين فسارع بالانضمام الينا كي تحظي بما أخفي لك ...
الادارة...


أهلاً وسهلاً بكم في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري من أجل التواصل ، والتوادد ، والتعارف ، وتبادل الخبرات وكل ماهو مفيد وجديد ...
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلي اله وصحبه اجمعين
اعضاء وزوار منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - الف مرحباً بكم _ حللتم اهلاً ووطئتم سهلاً...
تم انشاء هذا المنتدي بحمد الله في 14/06/2009 وتم الافتتاح بتوفيق الله سبحانه وتعالي في 11/07/2009
افتتح السيد الرئيس المشيرعمر حسن أحمد البشير الكلية ضمن حفل رسمي وشعبي في يوم 16/7/2005 ، وأمر باعتبارها الكلية التقنية الأنموذج بالســــــــودان .
زهرة حلوة أيها ابتسامة الزائر الكريم ابتسامة بعد التحية والسلام نرحب بك ترحيباً حاراً ونرجو ان تنضم الي كوكبتنا بالتسجيل والدخول لكي تملك جميع رخص الاعضاء والاطلاع علي جميع المواضيع والردود عليها وكتابة مواضيع جديدة ... ولكم منا كل الود والترحاب ... زهرة حلوة

شاطر | 
 

 حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه   الإثنين ديسمبر 07, 2009 7:12 pm




فاصل


سلام
زهرة حلوة




حقيقة علم التصوف وأقوال العلماء والعارفين فيه :

إن حقيقة علم التصوف كما قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه الأنوار القدسية : هو العمل بالعلم والشريعة الإسلامية على وجه الإخلاص والصدق , ولو رجعت إلى رجال التصوف الأوائل الذين أسسوه كانوا كلهم علماء عاملين دعاة إلى الله ساروا إلى الله بالكتاب والسنة المطهرة فلذلك ظهرت أنوارهم وبقيت آثارهم فالتصوف حقيقة أن تتعلم العلم الشريف الذي هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة ثم يعمل بهذا العلم الذي تعلمه ثم يسعى لاكتساب الصدق والإخلاص وذلك يكون بالاستعانة بالله تعالى والعكوف على الذكر والعبادة لتصفية الروح وتزكية النفس وشفاء القلب السقيم فلا تصوف بدون علم ولا ينفع العلم بلا عمل ومن قال بغير هذا فهو ليس من التصوف في شئ ولكي يتوضح معنى التصوف وحقيقته لابد من سرد أقوال بعض العلماء والصالحين التي تبين لنا حقيقة التصوف وإليك بعض الأقوال :

فهذا هو إمام أهل السنة الأمام احمد بن حنبل رحمه الله يقول : ( لولده عبد الله يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة ويقول عن الصوفية لا أعلم أقواماً أفضل منهم ) كتاب تنوير القلوب ص 405 وغذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني 1\120

وهذا هو حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله يقول : ( ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ) . كتابه المنقذ من الضلال صفحة 49

وهذا هو سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمة الله يقول : ( قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تتهدم دنيا وأخرى وقعد غيرهم على الرسوم ) كتاب نور التحقيق للشيخ حامد صغر ص 96

ويقول الأمام مالك رحمة الله تعالى Smile من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق ) من حاشية العلامة على العدوي على شرح الأمام الزرقاني على متن العزبة في الفقه المالكي , وشرح عين العلم وزين الحلم للأمام ملا علي قاري .

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ( حبب إلى من دنياكم ثلاث : ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والإقتداء بطريق أهل التصوف ) . من كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للأمام العجلوني

وهذا هو الأمام الحجة شيخ الشافعية النووي رحمه الله وهو ثقة بإجماع الأمة يقول : ( أصول طريق التصوف خمسة : تقوى الله في السر والعلانية , إتباع السنة في الأقوال والأفعال , الأعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار , الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير , الرجوع إلى الله في السراء والضراء ) كتاب مقاصد الإمام النووي والتوحيد والعبادات وأصول التصوف ص 20

قال العلامة الكبير والمفسر الشهير الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى : الباب الثامن في أحوال الصوفية " : أعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة لم يذكر الصوفية وذلك خطأ لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية , وهذا طريق حسن , وقال أيضاً : والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية , ويجتهدون ألا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم , منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل وهؤلاء هم خير فرق الآدميين . في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين

وتحدث الأمام أحمد ابن تيمية رحمة الله تعالى عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة فقال : ( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض , وإبراهيم بن أدهم , وأبي سليمان الدارني , ومعروف الكرخي , والسري السقطي , والجنيد بن محمد , وغيرهم من المتقدمين , مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني, والشيخ حماد , والشيخ أبي البيان , وغيرهم من المتأخرين فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين , بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت . وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف , وهذا كثير من كلامهم ) . الجزء العاشر من مجموع فتاويه

وقال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى تحت عنوان الصوفية : حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم وقد تشبعت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها , بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني : لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حد لهم . والصحيح صحته , وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة .... ثم تحدث عن تعاريف التصوف إلى أن قال : والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجي الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم , فرضي الله عنهم وعنا بهم . كتابه معيد النعيم ومبيد النقم

وهذا هو الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى يقول : إن كثيراً من الجُهَّال يعتقدون في الصوفية أنهم متساهلون في الإتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون وحاشاهم ( الصوفية ) من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به فأول شي بنوا عليه طريقهم إتباع السنة واجتناب ما خالفها , الاعتصام لشاطبي.

وهذا هو الإمام السيوطي رحمه الله تعالى يقول : أن التصوف في نفسه علم شريف وأن مداره على أتباع السنة وترك البدع وعلمت أيضاً أنه قد كثر الدخيل فيه من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم فأدخلوا فيه ما ليس منه فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع , كتاب تأييد الحقيقة العلية للسيوطي ص57 .

وقال الإمام المحاسبي رحمه الله تعالى : ( فأصبحت راغباً في مذهبهم , مقتبساً من فوائدهم قابلا لآدابهم , محباً لطاعتهم , لا اعدل بهم شيئاً , ولا أوثر عليهم أحداً , ففتح الله لي علما اتضح لي برهانه , وأنار لي فضله , ورجوت النجاة لمن اقرَّ به أو انتحله , وأيقنت بالغوث لمن عمل به , ورأيت الاعوجاج فيمن خالفه , ورأيت الرَّيْن متراكماً على قلب من جهله وجحده ورأيت الحجة العظمى لمن فهمه , ورأيت انتحاله والعمل بحدوده واجباً علي فاعتقدته في سريرتي ,وانطويت علية بضميري , وجعلته أساس ديني وبنيت عليه أعمالي وتقلَّبْت فيه بأحوالي وسألت الله عز وجلَّ أن يوزِعَني شكر ما أنعم به علي وان يقويني علىَّ القيام بحدود ما عرَّفني به , مع معرفتي بتقصيري في ذلك , وأني لا أدرك شكره أبداً ) كتاب الوصايا ص 27 _32 للأمام أبي عبد الله الحارث المحاسبي المتوفى 243هـ .

وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى في علم التصوف : ( هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة , وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريق الحق والهداية , وأصلها العكوفُ على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى , والإعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها , والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه , والانفرادُ عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف , فلمَّا فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده , وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا , اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ) مقدمة ابن خلدون ص 328 .

ويقول ابن عابدين رحمة الله تعالى : ( ولا كلام لنا مع الصُدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة , فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد : إن أقواما يتواجدون ويتمايلون ؟ فقال دعوهم مع الله تعالى يفرحون , فإنهم قوم قطعت الطريق اكبادَهم , ومزَّق النصبُ فؤادهم , وضاقوا ذرعا فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم ) . الرسالة السابعة , شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل ص 172_173 للفقيه الكبير ابن عابدين

وقال أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتابه المسلمون في الهند : يقول أبو الحسن الندوي في كتابه المسلمون في الهند: " إن هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس على التوحيد والإخلاص واتباع السنة، والتوبة عن المعاصي وطاعة الله ورسوله، ويحذرون من الفحشاء والمنكر والأخلاق السيئه والظلم والقسوة ويرغبونهم في التحلي بالأخلاق الحسنه والتخلي عن الرذائل مثل الكبر والحسد والبغضاء والظلم وحب الجاه، وتزكية النفس وإصلاحها، ويعلمونهم ذكر الله والنصح لعباده والقناعه والإيثار، وعلاوة على هذه البيعه التى كانت رمز الصله العميقه الخاصه بين الشيخ ومريديه إنهم كانوا يعضون الناس دائما، ويحاولون أن يلهبوا فيهم عاطفة الحب لله سبحانه، والحنين إلى رضاه، ورغبة شديده لإصلاح النفس وتغيير الحال

اعتقد أن أقوال هؤلاء العلماء بينت وبشكل واضح حقيقة التصوف وبينت أن التصوف هو علم شريف ومستمد من الشرع وقائم على الشرع ولا يخرج عن الشرع فكيف يأتي سفيه ويقول أن التصوف علم مبتدع وليس له أصل في الشريعة وهو زندقة ورجاله زنادقة أعتقد أن هذا الكلام لا يخرج إلا من جاهل وحتى لا يأتي احد ويسرد لنا أقوال بعض المتصوفة التي تخلف الشرع ويحتج علينا بها فسنذكر أقوال رجال التصوف المعتمدين الكبار رحمهم الله تعالى لنبين حقيقة التصوف بشكل واضح وجلي فإليك أقوال العارفين أئمة التصوف بل ومؤسسي علم التصوف رحمهم الله تعالى :



فهذا هو سلطان الأولياء والعارفين سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله يقول :كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة هي زندقة , طر إلى الحق عزَّوجلَّ بجناحي الكتاب والسنة ادخل عليه ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك العبادات المفروضة زندقة وارتكاب المحظورات معصية . الفتح الرباني ص 179 . ويقول كل باطن خالف ظاهراً فهو باطل

وهذا الشيخ أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر باذي رحمه الله يقول: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الهواء والبدع , وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق , وحسن صحبة الرفقاء , والقيام بخدمتهم , واستعمال الأخلاق الجميلة ,والمداومة على الأوراد , وترك ارتكاب الرخص والتأويلات , وما ضل احدٌ ف بهذا الطريق إلا بفساد الابتداء يؤثر في الانتهاء , طبقات الصوفية ص 488

وقال الشيخ أبو بكر الكتاني محمد بن علي رحمه الله : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف , طبقات الصوفية ص 145

وقال سيد الطائفتين العارف بالله أبو القاسم الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته ,فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه , طبقات الصوفة ص 159 .

ويقول : ( من لم يحفظ القران ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة )

وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عن الصوفي : إنَّ سالك سبيل الله قليل والمدعي فيه كثير ونحن نعرفك علامتين له , الأولى : أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة على توفيقاته إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما إذ لا يمكن سلوك هذا السيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها والثانية : لا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل فكيف يصل إلية من أهمل الفرائض .

وقد أثر عن السري السقطي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: التصوف اسم لثلاثة معاني هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعة ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله ويقول : المتصوف لا يتكلم بباطن علم ينقضه علية ظاهر الكتاب والسنَّة .

وورد عن العارف بالله الشيخ أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى أنه يقول : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة .

ويقول أبو الحسن الشاذلي رحمة الله : إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف وقل لنفسك أنَّ الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها علي الكتاب والسنة إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي تبين إن الاستقامة على الشريعة المطهرة هي أفضل من أي كرامة .

وقال الشيخ محيي الدين بن عربي قدس سره : لا يرتجي الوصول من لم يتبَّع الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله : من ألزم نفسه آداب السنة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه .

وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري رحمه الله : أصول طريقتنا ـ أي منهج الصوفية ـ سبعة : التمسك بالكتاب , والاقتداء بالسنة , وأكل الحلال , وكف الأذى , وتجنب المعاصي , لزوم التوبة , وأداء الحقوق .

وقال أبو حفص احد كبار الصوفية : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال .

وورد عن العارف بالله الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى أنه يقول : قد درج أشياخ الطريق كلهم على أن أحداً منهم لا يتصدر في الطريق إلا بعد تبحره في علوم الشريعة وقال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثاً عن الصوفية : ( جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه , وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره , فهم الغياث للخلق , والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق . صفَّاهم من كدورات البشرية , ورقَّاهم إلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية , ووفَّقهم للقيام بآداب العبودية , وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية , فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف وتحققوا بما مَنَّة سبحانه لهم من التقليب والتصريف , ثم رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار , ولم يتَّكِلوا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال , علما منهم بأنه جلَّ وعلاَّ يفعل ما يريد ويختار من يشاء من العبيد , لا يحكم عليه خلق , ولا يتوجه عليه لمخلوق حق ثوابه ابتداء فضل , وعذابه حكم بعدل , وأمره قضاء فصل ) . الرسالة القشيرية للأمام أبي القاسم القشيري ص2.

هذا شي من أقوال أئمة التصوف وأعلام الصوفية ونجدها كلها تدور حول إتباع الكتاب والسنة والابتعاد عما يخالفهما وكلها تدعو إلى مكارم الأخلاق , وإلى الخوف من الله تعالى , وإلى تقواه وابتغاء رضاه , تدعو إلى السخاء والحاصل أنها تدعو إلى جماع الخير وتنهي عن جماع الشر وفي هذا تبين لنا حقيقة التصوف وهي أنه علم يقصد به صلاح المسلم والوصول إلى رضا الله والالتزام بالشريعة وترك ما خالفها بالكلية وهذه هي غاية خلق الإنسان على هذه الأرض وفي هذا بيان واضح لمن أراد أن يتعرف على حقيقة التصوف . فهل فيما ذكر شئ لا يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟! هل في هذا مالا يرضي العقل والدين ؟! اعتقد لا فهذا هو التصوف وهؤلاء هم الصوفية وما خالف هذا نضربه عرض الجدار بل ونضربه بنعالنا ونطئ علية تحت الثرى .

واختم بقول سيدي الشيخ العارف بالله عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه : ( طريقتنا مبنية على الكتاب والسنة فمن خالفهما فليس منا ) وفي هذا القدر كفاية لمن أراد أن يعرف حقيقة التصوف والصوفية . فإن كان هذا هو التصوف فأي علم اشرف من هذا العلم والله أعلم .
منقوووووووووووووووووووووووووووووووووول


فاصل زهرة حلوة

البسمله


عدل سابقا من قبل حاتم بابكر في الإثنين ديسمبر 07, 2009 8:55 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: رد: حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه   الإثنين ديسمبر 07, 2009 7:20 pm


علم التصوف علم شريف، أخذ من المسلمين اهتماماً ملحوظاً وجهداً كبيراً، وهو عند أهله علمائهم وعامتهم والقائمين به من أرفع العلوم وأدقها، ومن أخص المعارف وأشرفها.

التصوف في القرون الأولى:

ولئن لم يكن معروفاً بين رجال الصدر الأول من السلف الصالح باسمه الدارج وهو (علم التصوف) فإنه كان معروفاً لهم كمجموعة من المعارف والتوجهات والقواعد والسلوكيات.

يقول الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله في رسالته الشهيرة المعروفة ( بالرسالة القشيرية) راداً على الذين أنكروا كون هذا العلم من الدين لعدم وجود اسمه فيه: اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم، سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا أفضلية فوقها. فقيل لهم: الصحابة. ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة بالتابعين .

ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ، ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، المحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.

أوائل الصوفية:

وقد صدق القشيري في ذلك، فإن أول من سمي بالصوفي أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150هـ، ثم تتالت التسمية في كثير من العباد والزهاد وأهل الإقبال على الله بالتجرد، وعلى النفس بالإصلاح ، أمثال أبي حازم سلمةَ بن دينار المخزومي، والمعافى بن عمران، والفضيل بن عياض، ومعروف الكوفي، وبشربن الحارث الحافي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبي يزيد البسطامي، وأبي بكر الوراق، وسهيل بن عبد الله التستري، وأبي القاسم الجنيد بن محمد.

تعريف علم التصوف:
وقبل أن نخوض في مبادئ هذا العلم وأركانه، ينبغي أن نقف على تعريفه وحدّه.

وقد كثرت تعاريفه المأثورة المنقولة عن فطاحل العلماء وكبراء الأمة.

فهذا السيوطي يعرفه بأنه تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه.

وهذا حاجي خليفة في (كشف الظنون) يعرفه بأنه: علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم، والأمور العارضة لهم في درجاتهم بقدر الطاقة البشرية.

وقريب منها عرفه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقال: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية . وقال غيرهم غير ذلك.

وقد علق الشيخ زروق في كتابه (قواعد التصوف) على تعدد التعاريف فقال: وقد حٌدّ (أي عرف) التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله. وإنما هي وجوه فيه.

كيف نشأ علم التصوف:
أما عن منشئه ومبدئه فلنقل ما قاله العلامة ابن خلدون في مقدمته:

(وهذا العلم ـ يعني علم التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملة.

وأصله: أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والاعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهدُ في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق والخلوةُ للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم التصوف.

الصوفية ودور مشرف في التاريخ الإسلامي:
وفي مجال الحديث عن دور الصوفية في توجيه مسار كثير من صفحات التاريخ الإسلامي، يقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه (تعريف عام بالعلوم الشرعية): وقد كان للصوفية والتصوف والمتصوفة، أو ما يعرف بالطريقة شأن في التاريخ الإسلامي. كما كان لها دور بارز في الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام في بعض القارات والبلاد ، كالطريقة السنوسية في أفريقيا، والطرق المختلفة في جنوب السودان وغرب أفريقيا، كما كان للتصوف ونظرياته ومبادئه اهتمام خاص لدى بعض المستشرقين وعلماء الغرب.

ويتابع الزحيلي قائلاً ولا يزال للتصوف أثر واضح في كثير من البلاد الإسلامية ، كما يعتبر صورة مشرقة في نظر بعض المسلمين لنشر الإسلام اليوم ودخول بعض الغربيين عن طريقه إلى الإسلام ، لأنه يغطي زوايا حساسة ومهمة في حياة الأفراد، ويلبي الخَوَاء الروحي والنفسي الذي يعيشه الغربي في حياة الفكرية وحضارته المادية.

أصول علم التصوف ومسائله:
هذا العلم الهام له أصول ومرتكزات، بينها كثير من العلماء في كتبهم التي تحدثت عن التصوف ومبادئه .

وقد أجمل أصوله الشيخ محمد أمين الكردي في مؤلفه القيم (تنوير القلوب) بقوله: وأصول التصوف خمسة:
1ـ تقوى الله في السر والعلانية، وتتحقق بالورع والاستقامة.

2ـ واتباع السنة في الأقوال والأفعال. ويتحقق بالحفظ وحسن الخلق.

3ـ والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، ويتحقق بالصبر والتوكل.

4ـ والرضا عن الله في القليل والكثير، ويتحقق بالقناعة والتفويض.

5ـ والرجوع إلى الله في السراء والضراء، ويتحقق بالشكر في السراء والالتجاء إليه في الضراء.

ومسائله: قضاياه والباحثة عن صفات القلوب .

ويتبع ذلك شرح الكلمات التي تتداول بين القوم، كالمقامات، والأحوال، والذكر، والمحبة، والفناء، والخوف، والورع، والتوكل، والتوبة، والرجاء، والكرامة، والتحلية، والتخلية ، وهي مصطلحات لها مدلولاتها في علم التصوف مستمدةُُ من آيات الكتاب العزيز، وكلام الرسول البشير صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن خواص الأمة ورجالها من أقوال شارحة أو أحوال معبرة.

الانحراف الدخيل على التصوف:
ولكننا من باب الأمانة والاحتراز لا نجد بداً من التنويه إلى ما تسرب إلى علم التصوف خلال ما بعد القرن الرابع الهجري من أفكار دخيلة عليه وعلى الإسلام، يتبرأ منها كل مسلم، وينفيها عن التصوف الأصيل كل عالم متمكن، ويجهر بمحاربتها كل غيور، مع التذكير بأن قواعد هذا العلم الصافية لا تزال واضحة لكل ذي عينين، باحث عن الحقيقة، بعيد عن التشويش، مشمر عن ساعد الجد في الإقبال على الله.

إن تلك الشوائب الدخيلة لا تضر بأصله، ولا تغير بأهله، فما هي إلا كسحابة صيف أمام شمس ساطعة.

المراجع الأساسية في التصوف:
ولقد كتب علماء الإسلام كتباً كثيرة جداً في هذا العلم ، بل إن مبادئ التصوف وكتبه وأوائل ماسطر فيه يبدأ من منتصف القرن الهجري الثاني، من أمثال كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل.

ولكن أشهر كتب التصوف الأصيلة هي على وجه الإجمال ما يلي:
1ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني المحدث العالم،وفي كتابه هذا جمع أبو نعيم ترجمة ثلة كبيرة من أعلام الإسلام وأقوالهم وحكاياتهم.
2ـ الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وهي رسالة لطيفة جامعة لمبادئ التصوف ومسائله ورجاله.
3ـ التعرف لمذهب أهل التصوف لتاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي الحنفي.
4ـ إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الطوسي. وهو كتاب ضخم من أنفس كتب الإسلام وأغزرها معاني وتحليلات وفوائد وتوجيهات..وكذلك كتب الغزالي الأخرى كالمنقذ من الضلال، والأربعين في أصول الدين.
5ـ قوت القلوب في معاملة المحبوب، ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد لأبي طالب محمد بن علي المكي.
6ـ عوارف المعارف لعبد القادر بن عبد الله السهروردي
7ـ كتب الحكيم الترمذي أبي عبد الله محمد بن علي.
8ـ كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى الحلبي.
9ـ كتاب تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي.
10ـ كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى وكذلك كتبه الأخرى في هذا المجال.
11ـ الحِكَم لابن عطاء الله أحمد بن محمد بن عطاء الله السكندري المعروفة بالحكم العطائية.
12ـ مدارج السالكين شرح منازل السائرين لابن القيم.
13ـ معراج التشوف إلى التصوف لابن عجيبة.

نعم لقد كان التصوف هو العلم المتمم لعلم الفقهاء والمحدثين وأهل الفتيا. ولم يكن نقيضاً له ولا ضداً.
يقول ابن خلدون في مقدمته: صار علم الشريعة على صنفين:
صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات..
وصنف مخصوص بالقوم ـ أي الصوفية ـ في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي فيها من ذوق إلى ذوق.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: رد: حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه   الإثنين ديسمبر 07, 2009 8:22 pm


الطريقة الصوفية : فضلها وأهميتها وفوائدها

تأليف : محمد حبيب الفندي

دار الرضوان حلب سوريا
________________________________________
مقدمة ومدخل
التصوف هو منهج التربية الروحي والسلوكي الذي يرقى به المسلم الى مرتبة الإحسان التي عرفها النبي صلى الله عليه وسلم : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
فالتصوف هو البرنامج التربوي الذي يهتم بتطهير النفس من كل أمراضها التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل ..وتقويم انحرافاته النفسية والسلوكية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان مع الله ومع الآخر ومع الذات .
والنفس البشرية تحمل جملة من الصفات التي تحتاج إلى تهذيب وتشذيب وتقليم كي تتمزق حجبها الظلمانية ..كما أن جسم الإنسان دائما يحتاج إلى تهذيب وترتيب ليبدو جماله وألقه ..فالجسم البشري لابد له من قص شعره مثل شعر الإبط والعانه والرأس وتهذيب شعر الوجه للرجل ..وتقليم أظفاره ..وتنظيف الأسنان ووو…الخ ..كذلك النفس البشرية لو تركت وشانها لتحول الإنسان إلى طبيعة متوحشة فلابد لنفسه من تهذيب وتزكية .
فالطريقة الصوفية هي المدرسة التي تقوم بعملية التطهير والتربية والتزكية ..وكما أن المريض يحتاج إلى طبيب لمعالجة ما مرض من أعضائه الجسمانية كذلك من يحتاج إلى معالجة نفسه من أمراضها إلى طبيب حاذق عارف مدرك يشرف على التربية والتزكية .
فالنفس فيها مجموعه من الجراثيم والعاهات التي تقبع داخل النفس مثل الكبر والعجب والغرور والأنانية والبخل والغضب والرياء والرغبة في المعصية والخطيئة والرغبة في التشفي والانتقام والكره والحقد والخداع والطمع والجشع وووو…… أمراض كثيرة …فهذه
الدوافع الخبيثة موجودة في كل نفس بشرية وتحتاج إلى تهذيب وتنظيم وتوجيه وتزكية …لأن هذه الشهوات البهيمية تشكل مثل الحجب السوداء على جوهر الروح المنور فتمنع عنها رؤية الحق والحقيقة ..وتفسد عليها تذوق طعم الحق والخير ..وإذا تركت هذه الأوصاف السيئة وشانها تنمو وتنمو في نفس الإنسان كما تنمو الأعشاب الضارة حول
أجمل الزهور والأشجار فإنها تجعل من صفات الخير أكثر ضعفا وتحول الإنسان إلى وحش بشري همه إشباع شهواته وغرائزه فقط .
من هنا كانت أهمية الطريقة السلوكية والصوفية في تزكية هذه النفس ..بتنقيتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل ..وذلك بزرع صفات الخير في النفس مثل التواضع والإيثار والكرم والحب والتعاون وحب الله والصالحين والعمل على مساعدة البشرية بل كل ما في الكون ..والحياء وخشية الله وحب طاعته والتلذذ بها الخ .
فكان لابد من أخذ الطريقة من يد شيخ مأذون ..لأن هذه الطريقة مستنبطه من الشريعة المطهرة لا تحيد عنها قيد أنملة ..لأنها في الحقيقة تكوين النفس الإنسانية وفق الهيئة التي كان عليها السلف الصالح من هذه الأمة ..ذلك أن الشيخ المسلك للطريقة لا يجوز أن يكون مسلكا إلا إذا كان مأذوناً من شيخ مسلك مأذون كذلك وهكذا دواليك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي إذاً أسلوب تربوي نبوي مأخوذ من جماعه عن جماعه عن جماعه وهكذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..فالمسلم عندما يضع يده بيد شيخ يبايعه على الالتزام بالطريقة كأنما يضع يده بيد رسول الله لأنه يعاهد شيخه على الالتزام بالشريعة المطهرة .
________________________________________
أهمية الطريقة:
ولعل قائلا يقول : ألا يستطيع الواحد منا أن يلتزم بالطريقة دون الانخراط في أي طريقة صوفية ..بمعنى آخر : ألا يكفي أن يلتزم المرء بالكتاب والسنة فيكون عندها قد أخذ بالطريقة التي يريدها الله ورسوله ….؟؟؟
نقول :
أولا: إن الالتزام بالطريقة الصوفية لا يخرجك من التمسك بالكتاب والسنة إذ أن الطريقة الصوفية هي منهج الكتاب والسنة وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو ليس من الطريقة بل إن الطريقة ترفضه وتنهى عنه .
ثانيا : الطريقة ليست تعاليم منفصلة عن تعاليم الكتاب والسنة بل هو روحها ولحمتها .
ثالثا : إن من يقول هذا القول لو قلنا له إن كلفناك أن تتعلم سنن الصلاة وآدابها وشروطها وأركانها من الكتاب والسنة هل تستطيع ..؟؟
سيقول : لا أستطيع إلا إذا رجعت إلى كتب الفقه وأقوال الفقهاء المختصين الذين استخرجوا الأحكام من نصوص الكتاب والسنة وذلك لأنهم بلغوا رتبة الاجتهاد وهذا أمر أنا غير قادر على فعله ..بل إن الأمة الإسلامية منذ تاريخها البعيد لم تجمع إلا على فقهاء معدودين استطاعوا أن يقدموا فقها مستنبطا من الكتاب والسنة مثل أبي حنيفة ومالك و الشافعي وابن حنبل وسفيان والأوزاعي وغيرهم …
فهل هذا الفقه التي تتعلمه منفصل عن الكتاب والسنة أم أنه منبثق ومستخلص ومستقى منهما …؟؟
فنقول: كما أن للفقه والتفسير والتأريخ والحديث علماء اختصوا به فقدموا لنا فقها ومصطلحات خاصة به فعلمنا الواجب من السنة من المندوب من الشرط من الركن ….الخ كذلك باقي العلوم كالعقيد ة وغيرها .
وهناك علوما لا تؤخذ إلا بالمشافهة من المختصين بها مثل علم التجويد في قراءة القرآن ..وقد نبغ فيه علماء بينوا أحكام النون الساكنة والتنوين من إظهار وإدغام وإخفاء …وأحكام المدود إلى ما هنالك من الأحكام ..فلو أراد أحد أن يقرأ القرآن بالشكل الصحيح للزمه أن يتتلمذ على يد شيخ مختص يراقب قراءته ويكون له قدوة في لفظ الحروف وقراءتها .
________________________________________
كذلك علماء السلوك قدموا لنا فقها في السلوك له مصطلحاته وأصوله ….كما أستنبط الفقهاء الأحكام من الكتاب والسنة في الصلاة من حيث شروطها وأركانها ومفسداتها وووو ….وكذلك علماء التصوف استنبطوا أحكام التزكية ووسائل معالجة النفس من الكتاب والسنة .
ولذلك من الجهالة بمكان أن نرى أحداً يتساءل مستغربا أو مستنكرا مصطلحات الصوفية ذلك أن كل علم له مصطلحاته الخاصة به التي تمثل مفهوما معينا لهذا العلم ولذلك لو كلفت نفسك أن تبحث عن مرجعية وأصل المصطلحات الفقهية من الكتاب والسنة قد لا تجدها بحرفيتها ولكن تجد معناها موجود ..وكذلك مصطلحات العقيدة ومصطلحات علم الحديث والنحو وووو….الخ
ولكن عندما يأتي الأمر عند التصوف نجد من يستنكر هذا الأمر ….!!
و كما للفقه علماء والعقيدة وغيرها منهم برز علماء اختصوا بذاك العلم كذلك في علم السلوك والتصوف برز علماء كثر و أجمعت الأمة عليهم مثل الإمام الجنيد والإمام القشيري وحجة الإسلام الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ أحمد البدوي والشيخ إبراهيم الدسوقي وآخرين قدس سرهم العزيز ونفعنا الله ببركاتهم .
فهؤلاء العلماء الإجلاء الذين شهدت الأمة بصلاحهم ومعرفتهم بايعوا الناس وأرشدوهم وسلكوهم في طريق الإحسان
رابعاً: كما أن الحديث لا يقبل ما لم يكن موثقا بسند إلى رسول الله ليكون مقبولا وملزما ..كذلك الطريقة الصوفية هي موثقة بسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مأخوذة مشافهة جيلا من بعد جيل إلى رسول الله ..فلكي تكون مرتبطا بهذه السلسلة كان لابد من أخذ الطريقة من شخص مجاز بها .
ومعلوم لدى صاحب كل معرفة وذوق ما لهذا الالتزام من بركة ونور على قلب السالك وحياته وعبادته ..إذ أن هذه الطريقة الصوفية منقولة بالتواتر من يد شيخ الى يد شيخ حتى وصلت إليك وكل أصحاب هذه الطرق كانوا أولياء عارفين أعلام .
________________________________________
خامسا : بما أن هذا العلم ليس علم أقوال وأحكام ظاهرة إنما يرتبط بالقلب والباطن والنفس فهو لا يتحصل بالقراءة والكتابة لا بد له من صحبة ورفقة شيخ يدل المرء بأحواله وأقواله وملاحظته ونظره وسلوكه .
أما لو أننا رأينا إنسانا مستقيما على الشريعة المطهرة محب للصالحين ومحب لفعل الخيرات تارك للمعاصي والمنكرات ..نقول أن هذا الإنسان يسير في درب السلامة والخير وليس وبينه وبين الجنة حجاب وهو على خير ة على هدى .
لكن يخشى على هذا الإنسان من مداخل النفس ومداخل الشيطان من أن ينحرف …لذلك نحن ندعو مثل هذا الأخ أن يلتزم بالطريقة ليحصن نفسه ويحمي قلبه من وسوسات النفس والشياطين .
وإن مثل هذا الشخص الطيب المستقيم ولكنه لم يلتزم بطريقة وبين من مثله ولكنه ملتزم بطريقة مثل شخصين قررا الذهاب الى مكة ..أما الأول فاستقل سيارة لوحده وسار معتمدا على على معرفته بالطريق وبأخطار السفر .
اما الآخر فإنه ذهب ومعه رفقة ودليل عارف بمخطط الطريق الموصل الى مكة .
أما الأول فإنه يخشى عليه من قطاع الطريق …ويخشى عليه من الضياع قبل الوصول ..ويخشى عليه أن ينشغل بما يرى حوله في الطريق من أشياء جميلة ومراتع خصبة ربما تود نفسه المكوث فيلتفت عن مقصوده وهدفه ويتعوق عن مراده ..
أما الثاني فإنه برفقة دليل خبير بالطريق فيصل بأسهل الطرق وأسرعها ..وبحكم وجوده ضمن رفقة فإن قطاع الطريق يهابون الوصول إليه ..وباعتباره مع دليل ورفقة فإنه إن دعته نفسه للكسل والتعاون فإن همة الذين معه ترفع من همته ويظل مستأنفا للسير حتى يصل الى بغيته ومقصوده ..
من هذا المثل تستطيع أن تميز بين من ياخذ الطريقة وبين من لا يأخذها .
أوصاف المرشد (الشيخ) الذي تأخذ منه الطريقة الصوفية وضرورته:
قال بعض العلماء للشيخ المرشد شروطا لابد أن تتوفر ليكون أهلا لتسليك الناس وتربيتهم في طريق التصوف ..وأهمها :
أن يكون عالما بالفرائض العينية كالصلاة والصوم وووو…..إلخ
________________________________________
أن يكون عارفا بالله متحققا بعقيدة أهل السنة والجماعة
أن يكون عالما بأساليب وطرق تربية النفس وتزكيتها وعارفا بأمراض النفس ومداخل الشيطان على الإنسان
أن يكون مأذونا بإعطاء الطريقة ولإرشاد من شيخه .
قال ابن سيرين : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم .
فعلى المسلم الصادق أن يتوجه الى الله بالدعاء بصدق وإلحاح أن يجمعه مع شيخ يتربى على يديه وان يبحث في البلد الذي يسكن فيه فإن وجد شيخا فالأولى أن يأخذ الطريق من الشيخ الذي في بلده فإن لم يجد في بلده شيخا فليبحث في مكان آخر ولو كان خارج بلده ألا ترى المريض إذا مرض يذهب إلى أقرب طبيب منه ليعالج مرض جسده ..فإن لم يجد في بلده قطع آلاف الأميال بحثا عن طبيب يخلصه من مرضه ..فكيف بمرض يوصل الإنسان إلى جهنم الآخرة وجهنم الدنيا ..؟!
ألا يستحق أن تبذل لأجل إيجاده الغالي والنفيس .؟؟!
وهذا لا يستلزم أن يكون بالضرورة شيخا يحمل زيا معينا أو شهادة معينة ..فهذا علم قلوب وتربية وسلوك لا يعترف بالمظاهر والأشكال ..لكن المهم أن يكون متصفا بالأوصاف التي ذكرنا وبعدها لايهم أن يكون أكاديميا أم غير ذلك ..
وليس مهما أن يكون مريدوه كثر أم قله ..فهذا أيضا ليس معيارا لأهليته في الطريقة والتربية .
بل المهم هو الاستقامة والصلاح ومعرفة أصول التربية والسلوك .
يقسو القلب ، و يتشتت الفكر ، وتضعف العزيمة ، وتثقل العبادة لكن بنظرة واحدة ، أو بحديث لحظة يتبدل الحال فيخشع القلب ، و يجتمع الفكر ، وتنشط العزيمة ، و تخف العبادة . قال الجنيد رحمه الله : ( صفة الصفوة 2/236) : كان لي شيوخ ، كانت رؤيتهم لي قوة من الأسبوع إلى الأسبوع وإن أبا بكر بن مسلم منهم .
________________________________________
فلذا حرص أهل العلم من السلف الأول إلى قصد لقاء الأولياء والعارفين وجالوا لهذا البلاد لما فيه استصلاح الأحوال فيحصل لهم بسبب التلاقي والتزاور مزيدٌ عظيم يجدون أثره في بواطنهم وظواهرهم فأهل الولاية والصلاح يمتد تأثيرهم الى من حولهم بالتحدث إليهم أو برؤيتهم.
جاء في كتاب : الصوفية والتصوف في ضوء الكتاب والسنة تأليف الشيخ السيد يوسف السيد هاشم الرفاعي وقد نقل فيه مايلي من الأقوال :
{الشيخ الصوفي وشروط المشيخة
قال الشيخ ( أحمد بن زروق ) :
وشروط الشيخ الذي يلقى إليه المريد نفسه وقيادة خمسة : علم صحيح ، وذوق صريح ، وهمة عالية ، وحالة مرضية ، وبصيرة نافذة .
ومن فيه خصال من خمس خصال لا تصح مشيخته وهي :
الجهل بالدين ، وإسقاط حرمة المسلمين ، ودخول فيما لا يعنيه ، واتباع الهوى في كل شئ ، وسؤ الخلق من غير مبالاة .
وإن لم يكن شيخ مرشداً أو إن وجد ناقصاً عن الشروط الخمسة ، أعتمد على ما كمل فيه وعومل بالأخوة في الباقي ( محرر من كتاب قوانين حكم الإشراق إلى كافة الصوفية في جميع الآفاق ) .
وقال الإمام السيد أحمد الرفاعي في ( البرهان المؤيد ) صـ43،4:
( عليكم بنا : صحبتنا ترياق مجرب البعد عنا سم قاتل . أي محبوبي: تزعم أنك أكتفيت عنا بعلمك . ما الفائدة من علم بلا عمل . ما الفائدة من عمل بلا إخلاص . الإخلاص على حافة طريق الخطر . من ينهض بك إلى العمل ، من يداويك من سم الرياء ، من يدلك على الطريق القويم ، بعد الإخلاص ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( هكذا أنبأنا العليم الخبير، وقال أيضاً : ( لازم أبوابنا أيها المحبوب فإن كل درجة وآونة تمضي لك في أبوابنا درجة وإنابة إلى الله تعالى ، فقد صحت إنابتنا إلى الله .
قال تعالى : " وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ " سورة لقمان /15 انتهى
________________________________________
ثم إن كلا من الصاحب والمصحوب . إما أن يكون شيخاً وإما أن يكون أخاً ، وإما أن يكون مريداً . فإن كان شيخاً فينبغي أن يكون مرشداً كاملاً متشرعاً متديناً عارفاً في أصول الطريقة وأركانها وآدابها وخلواتها وجلواتها وأذكارها وأسرارها وسلوكها مطابقاً للشرع الشريف في أقواله وأفعاله وأحواله . عارياً من الكبر ، والعجب ، والحقد والحسد لمشايخ القوم . والكذب . خالياً من دسائس النفس متواضعاً ذا حرمة للفقراء . والمشايخ والغرباء ، طلق اللسان في تعريف السلوك ، يراعي المسائل في الجواب ، مهذب الأخلاق ، صاحب قلب ولسان ثابت قدم ، متسللاً بإجازة مربوطة واصلة إلى رسول الله صلَّى الله عليه و سلم وآله .
وقال سيدي السيد أحمد عز الدين الصياد الرفاعي :
(( اعلم من تصدر للمشيخة في هذه الطريقة العلية الرفاعية فقد جلس على بساط النيابة عن شيخ الأمة سيدنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه . فيجب عليه أن يكون عالماً بما أمره الله ونهاه عنه ، فقيهاً في الأمور التعبدية ، حسن الأخلاق طاهر العقيدة ، عارفاً بأحكام الطريقة سالكاً مسلكاً كاملاً شيخاً زاهداً متواضعاً حمولاً للأثقال ، صاحب وجد وحال وصدق مقال ، ذا فراسة وطلاقة لسان في تعريف أحكام الطريقة ، متبرئاً من عوائق الشطح ، طارحاً ربقة الدعوى والعلو ، محباً لشيخه حافظاً شأن حرمته في حياته وبعد وفاته يدور مع الحق أين دار ، منصفاً في أقواله وأفعاله ، متكلاً على الله في جميع أحواله .
________________________________________
وذكر شيخنا السيد محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي في كتابه ( العقد النضيد : في آداب الشيخ والمريد ) ، فقال : وينبغي أن يتصف الشيخ المسلك باثنتي عشرة صفة : صفتان من حضرة الله نعالى وهما الحلم والستر . وصفتان من حضرة النبي صلَّى الله عليه و سلم وآله وهما الرأفة والرحمة ، وصفتان من حضرة الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وهما الصدق والتصديق وصفتان من حضرة الفاروق الأعظم رضي الله تعالى عنه وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصفتان من حضرة عثمان ذي النورين رضي الله تعالى عنه ، وهما الحياء والتسليم . وصفتان من حضرة الكرار رضي الله تعالى عنه وهما الزهد الأتم والشجاعة ومتى أتصف الشيخ بهذه الأوصاف وتمكن قدمه ، وزكت شيمه ، صلح أن يكون قدوة في الطريق أ . هـ
وقد نقل نحو ذلك أيضاً عن حضرة السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره ومن كلامه رضي الله عنه في وصف الشيخ المرشد . هذه الأبيات الشريفات :
إذا لم يكن للشيخ خمس فوائد .0.وإلا فدجال يقود إلى الجهل
عليم بأحكام الشريعة ظاهراً .0. ويبحث عن علم الحقيقة عن أصل
ويظهر للوراد بالبشر والقرى .0. ويخضع للمسكين بالقول والفعل
فهذا هو الشيخ المعظم قدره .0. عليم بأحكام الحرام من الحل
يهذب طلاب الطريقة ونفسه .0. مهذبة من قبل ذو كرم كلي
وإن كان الصاحب أو المصحوب أخاً فينبغي أن يكون خادماً لإخوانه . واقفاً على رؤسهم بإنشراح صدر بفرح وسرور متلذذاً بخدمتهم . باذلاً جهده في رضاهم . فقد قال رسول الله صلَّى الله عليه و سلم وآله : ( الخادم في أمان الله مادام في خدمة أخيه المؤمن ) وقال : ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) وقال رسول الله صلَّى الله عليه و سلم وآله " خادم القوم أعظمهم أجراً " رواه الديلمي .
________________________________________
أما شيوخ الطريقة الرفاعية فيقولون :-
أول آداب الطريقة الرفاعية الصحبة ، وهي خدمة المرشد وذلك لتتطيع طباع المريد على طباع المرشد فتتبدل أخلاقه وطباعه ، من سوء الخلق إلى حسن الخلق ، ومن الغضب إلى الحلم ، ومن البخل إلى السخاء ، ومن الكبر إلى التواضع ومن الجفاء والغلظة إلى الوفاء والبشاشة ، ومن الغدر والضرر إلى النفع والبر ومن الدعوى إلى الوقوف عند الحد ، ومن الشطح إلى الأدب ، ومن الخوض بالأقاويل الكاذبة المكفرة التي أعتادها جماعة من أهل الزيغ كالقول بالوحدة المطلقة وكنسبة تأثير الفعل إلى المخلوق وغير ذلك إلى الخضوع والانقهار تحت مرتبة العبدية ورد الآثار إلى المؤثر الحقيقي وهو الله تعالى .
________________________________________
وليخرج المريد من ورطة الكسل إلى ساحة النشاط بالعمل ، وتجنب الزلل وليكون متجرداً عن غرض نفسه ، ومرض طبعه لا يريد فساداً في الأرض ، ولا علواً عاملاً بكتاب الله ، مقتفياً آثار رسول الله وآله ، دائراً مع الحق حيث دار ، معمداً على الله متكلاً عليه ، منصرفاً عن الأغيار ، ناشراً لواء العزم ، شاداً مؤزر العزيمة ، قريباً من أهل الحق ، بعيداً عن أهل الباطل ، خاضعاً خاشعاً ، لا يرى لنفسه على غيره مزية ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، محباً للعلماء معرضاً عن السفهاء ، غير متعزز في الطريق ، لا طائشاً ولا فاحشاً ، غيوراً في دين الله لا ينحرف عن الحق اتباعاً لهوى النفس يترقب من طرفة العين الموت ، ويستحي في كل أاحواله وأفعاله من الله سبحانه ، يعظم أشياخه ، ويعرفمنزلتهم ولا ينجح إلى غيرهم ، ويحب القوم ويكثر الأدب مع أاولياء الله جميعاً ، ويحد المراتب ، ولا يغل في دين الله ، وينصرف عن الأغيار ثقة بالله ، ويحب لله ، يستمد من مدد الله بواسطة رسول الله وآله ، ويجعل أشياخه وسائط لرسول الله ، عليه أفضل صلوات الله ، ويتخذ الصدق والجد وقوة الحزم والعزم بضاعة في طريق الله مع سلامة الصدر ، وطهارة النية وهي أصل عظيم في طريقة شيخنا ووسيلتنا إلى الله تعالى السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي الله عنه كيف لا ؟ وطريقته طريقة المصطفى وآله ، وأخلاقه ، وإن من طريقته عدم القول بتأثير المخلوقين ، ورد الأمر في كل الأمور لله رب العالمين ، وصدق الله العظيم
" لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ " الروم /4-5 . انتهى
________________________________________
وقال الإمام الشيخ عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه سواد العينين : أخبرني الشيخ العارف أبو زكريا جمال الدين الحمصي : أن شيخه العارف بالله الحجة القدوة الإمام عز الدين أحمد الصياد سبط القطب الغوث أبي العباس السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنهم أخبره أن جده سيدنا السيد أحمد الكبير قال على كرسي وعظه في ( أم عبيدة ) : قد آن أوان زوال هذه المجالس : أفلا يخبر الحاضر الغائب : من أبتدع في الطرق وأحدث في الدين وقال بالوحدة ، وكذب متعالياً على الخلق وشطح متكلفاً ، وتفكه فيما نقل عن القوم من الكلمات المجهولة لدينا وتطاول كاذباً ، وخلا بإمرأة أجنبية بلا حجة شرعية ، وطمح نظره لأعراض المسلمين وأموالهم ، وفرق بين الأولياء بعضهم عن بعض بلا وجه شرعي . وأعان ظالماً ، وخذل مظلوماً، وكذب صادقاً، وصدق كاذباً ، وعمل بأعمال السفهاء ، وقال بأقوالهم فليس مني فأنا بريء منه في الدنيا والآخرة ، وسيدي الشيخ منصور بريء منه والنبي عليه أفضل صلوات الله وسلامه بريء منه والله على ما نقول وكيل .
________________________________________
فما المقصود من اتخاذ شيخ وطريقة ؟
يقول الشيخ محمد الهاشمي الشاذلي ( وأما إذا كانت الطريق طريق تبرك ، والشيخ ينقصه بعض شروط الإرشاد ، أو تعدد مطلوب المريد ، أو خالفت نية المريد همة الشيخ وتعدد الزمان أو فارق شيخه بموت أو غيره من حوادث الزمان ، وكان لم يتمم سيره إلى الله في الطريق ، ولم يحصل مقصودة من الطريق على يده ، فيجب عليه أن يواصل مطلوبة من الطريق ، ولا يجوز أن يبقى مربوطاً بالأول طول عمره ، وإلا أدى ذلك إلى موته جاهلاً بربه ويظن أن هذا هو المقصود من الطريق . كلا فإن المقصود من الطريق الوصول إلى المطلوب الأعظم ـ عز وجل ـ فطريق بلا وصول وسيلة بلا غاية ، والطريق جعلت للسير فيها بقصد الوصول إلى مطلبه لا للمكث والإقامة فيها وإلا أدى ذلك إلى موته جاهلاً بربه . والمراد بالمريد الحقيقي : هو الذي سلم نفسه مباشرة بالفعل للشيخ المرشد الحي في أيام السير إلى الله تعالى ليسلك به الطريق إلى أن يقول له : ها أنت وربك ( نقل من كتاب الحل السديد لما استشكله المريد 6-7).}.
قال سماحة المرحوم العلامة الأستاذ السيد أبو الحسن علي الندوي:
وهكذا أصبحت هذه المدارس التي تخضع لقيود وتقاليد
كثيرة قاصرة عن إصلاح شعبي وتربية عامة ، وبقيت منحصرة في نطاق ضعيف ، لا تقيد ولا تسعف إلا العدد القليل الذي يلحق بها ، وينتسب إليها .
فلا صله لها بالشعب ، ولا صله للشعب بها إلا عند الاستفتاء أو ما يشبه ذلك ، وأنها تعيش في عزلة عن الحياة .
وكذلك المؤلفون المثقفون الكبار ، فالفجوة الثقافية والعقلية بينهم وبين الشعب واسعة عميقة ، لا يعتبرها إلا الخاصة والشواذ .
ثم إن صله الناس بالمدارس والعلماء والمؤلفين صلة علمية عقلية ، لا يخضع له القلوب والنفوس ، ولا تنصبغ بها الحياة والأخلاق والطبائع إلا في النادر ، ولا يتقيد بها الناس ، ولا يرتبطون بها ارتباطاَ روحياً إلا في النادر .
________________________________________
كان المسلمون في حاجة إلي دعاة وشخصيات قوية جامعة تجمع بين تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ، وهكذا تخلف الرسول صلَّى الله عليه و سلم في أمته بعد انقطاع النبوة ، وتجدد صلتها بالسنة والرسول ، وتجدد الميثاق الذي دخلت فيه هذه الأمة والمسلمون جميعاً عن طريق الإيمان ، والنطق بالشهادتين ، وما عاهدت عليه وبايعت الرسول صلَّى الله عليه و سلم ـ مع بعد الزمان والمكان ـ من السمع والطاعة ، ومخالفة النفس والهوى والشيطان ، والتحاكم إلي الله والرسول ، الكفر بالطاغوت ، والمجاهدة ، والمجاهدة في سبيل الله .
فقد تغافل عن ذلك الخلفاء ، واقتصروا علي الجباية والفتوح وأخذ البيعة لأنفسهم وأولادهم ، وعجز عن ذلك العلماء ، فاشتغلوا بالفتوى والوعظ والتدريس والعلم والتأليف ، وإذا أرادوا لم يخضع لهم العامة ؛ لأنهم لا يرون فيهم إلا النادر القليل من الإخلاص والزهد .
وهكذا ضعف الشعور في العامة والسوقة والفلاحين والعملة ، حتى في كثير من الخاصة والمتعلمين / بأن الإسلام عهد وميثاق وبيع وشراء بين العبد وربه وأصبحوا أحراراً في تصرفاتهم ، جامحين عاتين في شهواتهم هملاً وقطعاناً ، لا يضبطهم راع ، وضعفت في كثير منهم الرغبة في الطاعات وبلوغ درجة الإحسان ، والحصول على نور اليقين وبشاشة الإيمان ، وتقاصرت الهمم ، وخمدت النفوس ، وأقبل الناس ـ إلا من عصم ربك ـ على اللذات والشهوات .
ضيعت الخلافة الإسلامية ـ كما وصفنا سالفاً ـ روح الخلافة وأمانة النبوة ، وأصبحت ملكاً وسياسة وإدارة جباية .
فقام في نواحي المملكة الإسلامية الواسعة خلفاء الرسول (صلَّى الله عليه و سلم) والربانيون ، يجدد الناس بدعوتهم وصحبتهم ميثاق الإسلام ، ويدخلون في السلم فقهاً وإرادة ، بعدما دخلوا في الإسلام وراثة وعادة ، ويستردون بتعليمهم وتربيتهم حلاوة الإسلام ولذة الإيمان ، ويخرجون من سلطان الهوى ورق الشهوات وعبادة الناس ، وينشطون في العبادات والطاعات والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله .
________________________________________
ومن أشهر الدعاة والمربين : الحسن البصري ، والفضيل بن عياض ، ومعروف الكرخي ، والجنيد البغدادي رحمهم الله .
وانتهى الأمر إلى القرن السادس ، وقد تباعد الزمان عن النبوة وآثار بركاتها ، واتسعت الدنيا ، وكثرت أسباب الغفلة واللهو وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " .
انتهى ما تم اقتباسه من كلام المرحوم العلامة السيد أبي الحسن الندوي الحسني رحمه الله تعالى ، في كتابه المعنون " رجال الفكر والدعوة " ( 1 : 381 )
قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي:
والبلد الذي ليس فيه شيخ من أهل الدين الصحيح والنفس الكاملة والأخلاق الإلهية هو في الجهل كالبلد الذي ليس فيه كتاب من الكتب ألبته وإن كان كل أهله علماء , وإن كان في كل محلة منه مدرسة وفي كل دار من دوره خزانة كتب ,فلا تغني هذه الكتب عن الرجال , فإنما هي صواب أو خطأ ينتهي إلى العقل , ولكن الرجل الكامل صواب ينتهي إلى الروح , وهو في تأثيره على الناس أقوى من العلم , إذ هو تفسير الحقائق في العمل الواقع وحياتها عاملة مرئية داعية إلى نفسها , ولو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها , ووضعوا في ذلك مائة كتاب , ثم رأوا رجلاً فاضلاً بأصدق معاني الفضيلة وخالطوه وصحبوه لكان الرجل وحده أكبر فائدةً من تلك المناظرة وأجدى على الناس منها وأدل على الفضيلة من مائة كتاب, ومن ألف كتاب , ولهذا يرسل الله النبي مع كل كتاب منزل ليعطي الكلمة قوة وجودها , ويخرج الحالة النفسية من المعنى المعقول , وينشئ الفضائل الإنسانية على طريقة النسل من إنسانها الكبير .
________________________________________
قال أبو علي : وقدمت إلى مصر لأرى أبا الحسن وآخذ عنه وأحقق ما سمعت من خبره مع ابن طولون , فلما لقيته لقيت رجلاً من تلاميذ شيخنا الجنيد يتلألأ فيه نوره ويعمل فيه سره , وهما كالشمعة والشمعة في الضوء وإن صغرت واحدة وإن كبرت واحدة, وعلامة الرجل من هؤلاء أن يعمل وجوده فيمن حوله أكثر مما يعمل هو بنفسه , كأن بين الأرواح وبينه نسباً شابكاً , فله معنى أبوة الأب في أبنائه : لا يراه من يراه منهم إلا أحس أنه شخصه الأكبر , فهذا هو الذي تكون فيه التكملة الإنسانية في أبنائه , وكأنه مخلوق خاصة لإثبات أن غير المستطاع مستطاع .
وإليك أمثلة تدل على ما نحن بصدده :
جاء في ترجمة الإمام مالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي , المتوفى سنة 159رحمه الله تعالى : قال مصعب بن عبد الله :كان مالك إذا كر النبي صلى الله عليه وسلم عنده تغير لونه وانحنى , حتى يصعب ذلك على جلسائه , فقيل له يوماً في ذلك؟؟ , فقال : لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون , كنت آتي محمد بن المنكد ر وكان سيد القراء _أي سيد العلماء _ , لا نكاد نسأله عن حديثٍ إلا بكى حتى نرحمه . ولقد كنت آتي جعفر بن محمد وكان كثير المزاح و التبسم ، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اخضرَّ و اصفرَّ ، وكنت كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه نظرة ، فأتعظ بنفسي أياماً .
قال أشعث بن عبد الله أحد أصحاب الحسن البصري : كنا إذا دخلنا على الحسن ، خرجنا و لا نعد الدنيا شيئاً . وقال يونس بن عُبيد : كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه . وقال في وصفه : كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه ، و إذا جلس فكأنه أمر بضرب عنقه ، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له .
قال وكيع بن الجراح : النظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة .
________________________________________
و قال الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : لمجلسُ كنت أُجالسه عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه _أوثق من في نفسي من عمل سنه .
قال عمر بن عبد العزيز : لأن يكون لي مجلس ُ من عبيد الله - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة - أحب إلي من الدنيا وما فيها . وقال أيضاً : والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال , فقالوا: يا أمير المؤمنين , تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك ؟ فقال:أين يُذهب بكم؟والله إني لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوفٍ وألوف ,إن في المحادثة تلقيحاً للعقل , وترويحا ًللقلب , وتسريحاً للهم وتنقيحاً للأدب .
دليل أخذ العهد (الطريقة )شرعا :
عندما يريد أن يلتزم شخص بالطريقة الصوفية فعليه أن يجلس أمام شيخه ويبايعه على التوبة من الذنوب والالتزام بطاعة الله عز وجل وأن يكون سيره على مذهب شيخ من شيوخ الإرشاد كالشيخ عبد القادر الجيلاني أو الشيخ أحمد الرفاعي أو غيرهم من السادة الأكابر المربين …وإنما مثل هذا مثل من يلتزم بتطبيق الفقه على مذهب الإمام أحمد أو الشافعي أو المالكي …وهكذا .
ولعل قائلا يقول هل من دليل شرعي نستند إليه في مشروعية البيعة أو العهد أو التلقين الذي يأخذه المريد من الشيخ …؟
نقول :
إن هذا معروف بالتواتر ومنقول إلينا جيلا بعد جيل بشكل عملي معمول به ..وإن هذا مذكور في الكتاب والسنة وقد أجمع عليه أهل التربية والسلوك
القرآن :
قال تعالى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيماً) الفتح آية 10
(وأوفوا بعد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم وكيلا )سورة النحل آية 91
(وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا )سورة الإسراء آية 34
________________________________________
السنة :
اخرج البخاري في صحيحيه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ،ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ،ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله ، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ).
عن يعلى بن شداد رضي الله عنه قال: حدثني اوس رضي الله عنه ؛وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :هل فيكم غريب؟-يعني من أهل الكتاب -فقلنا : لا يا رسول الله ،فأمر بغلق الباب فقال : ارفعوا أيديكم وقولوا : لا إله إلا الله ،فرفعنا أيدينا وقلنا : لا إله إلا الله ،ثم قال صلى الله عليه وسلم :الحمد لله ؛اللهم إنك بعتنني بهذه الكلمة وأمرتني بها ،ووعدتني عليها الجنة ، وإنك لا تخلف الميعاد ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : ألا ابشروا فان الله قد غفر لكم )
روى الطبراني والبراز بإسناد حسن :أن عليا كرم الله وجهه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله ، وأسهلها عبادة ، وأفضلها عنده تعالى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (عليك بمداومة ذكر الله سراً وجهراً ، فقال علي : كل الناس ذاكرون فخصني بشيء ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل ما قلته أنا و النبييون من قبلي : لا إله إلا الله ولو أن السموات والأرضين في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهم ، ولا تقوم القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله ، ثم قال علي : فكيف أذكر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : غمض عينيك واسمع مني لا إله إلا الله ثلاث مرات ، ثم قالها ثلاثا وأنا أسمع ، ثم فعل ذلك برفع الصوت ).
________________________________________
والأحاديث الواردة اكثر من أن تحصى ولكن اخترت منها ما ذكرنا للدلالة على مشروعية أخذ البيعة والعهد على طاعة الله كما يفعل شيوخ الطريقة الصوفية من مبايعة المريد على طاعة الله والتوبة والإنابة إليه …وهكذا ظل علماء التصوف من بعد ذلك يأخذون البيعة على مريديهم إلى يومنا هذا والى أن تقوم الساعة ..وكم دخلت دول في الإسلام من خلال أرباب الطرق الصوفية من غير حروب أو قتال إنما من خلال مشاهدة الناس لأخلاق الصوفي وصدقه وإخلاصه وأدبه .
الطريقة والحياة :
ولعل قائلا يقول : لو افترضنا أن كل الناس أخذوا طريقة صوفية ..ألا يؤدي هذا إلى تعطل الحياة بكل مرافقها ..وذلك لأن الناس ستنشغل بالأوراد والأذكار والانقطاع عن الناس والعمل والزوجات والأولاد ..فيشكل ذلك انتحاراً جماعيا للحياة ..؟؟!
نقول :
كما يقال: الحكم على الشيء فرع عن تصوره …فعندما تصورت أن الطريقة هي عزلة وانقطاع عن الحياة أصدرت هذا الحكم ..وحكمك صحيح فيما لو كان الأمر كما ذكرت ..
في حين أن الطريقة والالتزام بها لا يعني ذلك أبداً .
فالطريقة هي بناء الجهاز الروحي لدى الإنسان ليكون سليما وهذا يتم بوسائل كثيرة لا تمنع الإنسان عن عمله وحياته ..وأهم عناصر البناء الروحي ووسائل تطهير النفس من أدرانها هي :
المحبة ..الذكر …مخالفة النفس ومجاهدتها بالطاعة ..وبالعلم الذي تأخذه من الشيخ في الأوقات التي تكون خارج مواعيد عملك وخصوصياتك المنزلية والحياتية ..
فهل محبتك لله ولرسوله والصالحين ولشيخك تؤخرك عن أي التزام حياتي ودنيوي ….؟؟
هل إذا دعتك نفسك للسرقة أو الظلم أو الأذى أو المعصية وخالفتها يؤخرك عن شيء في حياتك .؟
هل إذا جلست ولو ساعة من الأربع والعشرين ساعة لتذكر الله أو تقرأ القرآن تؤخرك عن شيء من حياتك ….؟؟
هل إذا اغتنمت ساعة من يومك أو خلال الأسبوع وجالست شيخك وسألته أو استمعت إلى إرشاده تعطل حياتك ومشاغلك …؟؟
________________________________________
ثم ألا يمكنك أن تذكر الله وأنت جالس في عملك أيا كان نوع عملك وتنشغل بذكر الله تعالى …؟
أعرف أناسا يعملون بشتى ميادين منهم الطبيب ومنهم المهندس ومنهم المحامي ومنهم النجار والحداد والمعلم ووووو….. وكل منهم ملتزم بطريقة صوفية ومع ذلك هم يقومون بعملهم على أكمل وجه دون أن تؤثر الطريقة عليهم بأي أثر سلبي مطلقا …بل إن الطريقة الصوفية جعلتهم أكثر اتقانا وبرا ورحمة وصدقا في عملهم ولو أني أجريت استقصاء وبحثا ميدانيا في هذا الموضوع لاستخلصنا نتائج تجعلنا نقول أننا إذا أردنا لمجتمعاتنا أن تتمسك بالحب والرحمة فما علينا إلا أن ندعوهم للتمسك بمنهج التصوف …وإذا أردنا لأوطاننا أن تنمو وتعمر فما علينا إلا أن نوجه أبناءنا للتصوف .
ثم إن الطريقة الصوفية ليست أكاديمية علمية أو جامعه توجب على منتسبيها الدوام والتفقد وو……
لكنها عيادة روحية تتطبب الأنفس وتزكيها ..
فالعامل يظل عاملا بعمله والفلاح والحداد والجزار وكل المهن ..
إذ أننا لو أردنا من الجميع أن يتحولوا إلى طلاب شريعة ليس لهم عمل إلا العلم وطلبه والانقطاع له لتعطلت الحياة ولكن الأمر ليس كذلك فالصحابة كان منهم العالم والتاجر والجزار والحداد ووووو….ومع ذلك لم ينقطعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلموا وتزكت نفوسهم وتهذبت طباعهم واستقام حالهم وسلوكهم …
فدراسة العلم وطلبه والتفرغ له شيء ..وأخذ الطريقة والالتزام بطريق التصوف شيء آخر.
فالتصوف يدعو المسلم الصوفي أن يكون منعزلاً عن الشرور والمعاصي ..وأن يهجر السوء وأهله وأن يهجر السلوك السيئ والخلق السيئ وان يكون منفتحا ومشاركا في كل ما فيه مصلحة مجتمعه وبلده والناس أجمعين ..
________________________________________
ولو قرأت سلوكيات الصالحين لوجدت أحوالا نادرة كم يتعطش العالم والبشرية لها ..من الحب والتفاني والكرم ..بحيث ترى أمامك شخصا يحب العالم كله بل يحب الكون كله ويعطف عليه يحب الشجر والبشر والحيوان وكل ما في الكون وهذه نظرة المسلم الحق للحياة ولكن ميزة الصوفي أنه يستشعرها ويتذوقها وغيره يعرفها معرفة عقلية .
أهمية الشيخ في حياتك
ولعل قائلا يقول : إني لم أجد شيخا مناسبا كي آخذ منه الطريقة وأتربى و أزكى نفسي على يديه ….أو أن نرى عالما من علماء المسلمين وطلاب العلم يرى أنه لا حاجة له بأخذ الطريقة فهو يعرف الحلال والحرام ويعرف ما يغضب الله وما يرضيه فما حاجته لأخذ الطريقة من شيخ ..؟؟!!
نقول :
لعل بعض الناس يريد أن يرى الشيخ أمامه كما يرى أي سلعة يعثر عليها في السوق ..فعدم معرفتك بالشيخ لا يعني عدم وجوده وإن الأمة الإسلامية على مر تاريخها لا تخلو من أولياء صالحين عارفين إلى أن تقوم الساعة ..فعدم وجدانك لهم لعله من ذنب وقعت فيه من حيث لا تشعر إما لكبر أو عجب دفين في نفسك فما استطعت أن تجتمع مع صفوة خلقه وأحبائه ..
فهلا كسرت قلبك بينك وبين ربك وبكيت و بكيت على نفسك مستغفرا طالباً ملحا بالدعاء لله أن يجمعك بمن يبصرك بعيوب نفسك ويرشدك إلى أحوالك ..؟!
ألم ترى أن الله عز و جل أوكل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهمة تزكية نفوس الصحابة مع عظم معرفتهم بأنفسهم وكمال معرفتهم بما يرضي الله ورسوله وبالحلال والحرام فقال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة …).
فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة ولكن التزكية لم يقل يعلمهم أو يتلو عليهم التزكية بل قال : ويزكيهم ….لأن التزكية تكون بالمصاحبة والملاحظة
وان التابعين تربوا على أيدي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ..والتابعون قد ربوا من بعدهم
وهكذا ….؟؟
________________________________________
أما من يرى في نفسه الكفاية من العلم فهو بغير حاجة الى من يرشده في هذا العلم فنقول له : إن هذا العلم موقوف تعلمه والانتفاع به غلا على من يأخذ الطريقة ..وهذا ماقاله كبار العلماء أمثال الشعراني ولذلك نراه قدس سره في كتابه العهود المحمدية لا يكاد يخلو خلق من الأخلاق المحمدية إلا ويشير فيه إلى أن هذا الخلاق لا لا يحصل عليه الإنسان إلا بواسطة شيخ ومرب يسلك المريد على يديه ليتخلق به .
وإن هذا الأخ العالم لو تفرس في قصة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام والخضر عليه السلام لوجد في ذلك الكفاية …عندما قال سيدنا موسى عليه السلام للخضر هل أتبعك على أنت علمني مما علمت رشداً …قال : إنك لن تستطيع معي صبرا )
ثم إن العالم نتيجة إقبال الناس عليه وانشغاله بتعليمه لهم وتبجيلهم له و التفاتهم نحوه فهو أكثر عرضة للوقوع في أمراض النفس ورعونتها ..وكم تخفى على العالم مثل هذه المداخل لأن النفس والشيطان يزينانها له بمظهر الدين … فكم أغوى الشيطان من العلماء فأصبحوا مثل الإناء الذي ينفع غيره وهو محروم من الانتفاع دون أن يعلم .
وكم زينت النفس لهم أمراً ظنوه من الشرع ولكنه مبطن برياء أو عجب أو هوى …؟؟!
ثم عن هذا العالم أو طالب العلم عندما يأخذ الطريقة على يد شيخ مرب فإن نفسه تستكين وتبتعد عن العجب والكبر ويتعلم التواضع لشيخه ..وهذه سيرة علماء الأمة في تواضعهم لشيوخهم ومربيهم
وكما قلنا سابقا أن العلوم الشرعية قد يستطيع الإنسان أن يأخذها من الكتب والسطور لكن الأخلاق لا بد لها من مرشد ومرب لأنها تؤخذ بالمجالسة والمحبة لشخص الشيخ ..وهي من باب الصحبة التي أمرنا الله عز وجل بتطبيقها والرسول صلى الله عليه وسلم ..
ألم يقل ربنا سبحانه( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )
ألم يقل ربنا سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ألم يقل ربنا سبحانه ( واتبع سبيل من أناب إلي )
________________________________________
وقال صلى الله عليه وسلم (المؤمن مرآة المؤمن ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ).
وكما قيل: لولا المربي ما عرفت ربي .
تصور خاطئ عن الطريقة:
ولعل قائلا يقول : أنا لا أريد أخذ الطريقة الصوفية خشية أن أتدروش أو أن أصير مجذوبا و ثيابي ممزقة أو اغفل عن عملي وبيتي ..
نقول :
إن هذا التصور خاطئ للأسباب التالية :
أولاً: إن الطريقة الصوفية لا تقتضي أن يكون الإنسان رث الثياب والهيئة ..ولكنها لا تحتقر الفقراء والبسطاء الذين لا يجدون ما يلبسونه من الثياب الفاخرة ..ولذلك ظن من يرى أمثال هؤلاء من الفقراء أن الطريقة الصوفية تلزمه بذلك وهذا ظن خاطئ .
لأن الطريقة يدخلها الفقراء والأغنياء والعالم والأمي والتاجر والأستاذ ….فصاحب الطريقة أو شيخ الطريقة لا يفرق بين الناس من حيث وضعهم المادي فالكل في نظره أبناؤه وإخوانه .
ولكن باعتبار أن بعض الأغنياء يأنفون من مجالسة الفقراء ولا يحبون مجالسة العامة من البسطاء لذلك نفوسهم تصور لهم الأمر بهذا الشكل ..وهذه ليست دعوى جديدة بل إن كبراء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نحن لا نقبل أن نجالس الفقراء والبسطاء فإذا طردت هؤلاء من مجلسك جلسنا معك ..!!
فأنزل الله عز وجل قوله تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم…..).
وقوله تعالى: ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ……) .
________________________________________
فظن من لا يعرف.. أنه إن هو أخذ الطريقة سيؤول حاله الى هذا الحال..!! ونسي أن الطريقة لا تعنى بالمظاهر والأشكال أصلا ..فالغاية أن لا تتكبر على خلق الله بثيابك أو تتفاخر عليهم ..فربما لبس إنسان ما ثيابا ثمينة متكبرا على العباد فهو مؤاخذ من الله …..ومنهم من لا يتكبر بثيابه الثمينة أو الأنيقة فلا بأس عليه ..وكذلك هناك من الناس من يرتدي ثيابا بسيطة بقصد إشعار الناس أنه متواضع وأنه خير منهم فهذا مثله كمثل الذي تكبر على الناس بثيابه الثمينة والمميزة .
ثانيا : إن الواقع العملي للملتزمين بالطريقة يدحض هذا التصور الخاطئ ..إذ أننا نرى من يدخل في الطريقة من أصناف المجتمع ومن شرائحه المختلفة ولكن أحدا منه م لم ينجذب أو يتدروش -بالمفهوم الذي يتصوره صاحبنا - إنما كل واحد منهم يمارس عمله على أكمل وجه .
فالحداد في ورشته والنجار في محله والطبيب في عيادته والمحامي في محكمته والمعلم في مدرسته ….فكل هؤلاء أحدهم لم ينشغل عن أموره أو عن بيته وأولاده وزوجه.
ثالثا : إن الطريقة الصوفية تقول لك طهر نفسك ونور قلبك ولكنها لا تقول لك : اهمل ثيابك ولا تنظفها أولا تعتني بها ..إنما تقول لك: لا تجعل قلبك مشغولاً بمظهرك على حساب قلبك ..فمادام قلبك ليس مشغولا بمظهرك على حساب قلبك فلك أن تلبس أفخر الثياب وأجودها وهذا كله مأخوذ من الهدي النبوي والشريعة المطهرة .
ومعروف سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني كان يلبس أفخر الثياب ويركب أفخم الدواب ويجالس الملوك والأمراء يعظهم ويذكرهم ويحضر مجلسه آلاف المستمعين وهو شمس المعرفة وأستاذ التصوف قدس سره العزيز .
________________________________________
رابعاً: ولا بد أن ننوه أن هناك بعض الناس لهم أحوال خاصة فنراهم بثياب رثة وقد يكونون من الصالحين فنحن مأمورون أن نحترمهم ولا نعترض عليهم فهؤلاء لهم حالهم الخاص مع الله ولكن لسنا ملزمين بتقليدهم ..وهذا مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذي طمرين مردود في الأبواب لو أقسم على الله لأبره ).
ثم يا أخي المسكين والساذج الحقيقي من يرى أمامه نبع الحياة الحقيقي ثم لا يغترف منه ..المسكين من يعصي الله ..المسكين من يضيع الدين خوفا من كلام الناس وانتقاداتهم ..الغافل من انشغل بتزيين ظاهره ونسي باطنه ..
ما بال دينك ترضى أن تدنسه …وثوبك الدهر مغسول من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها …إن السفينة لاتجري على اليبس .
المقصود من الطريقة :
ولعل قائلا يقول : أنا جالست الصوفية أو ربما قال أخذت الطريقة ثم تركتها لأنني كنت أظن أنني ساكون مثل الصالحين الذين يطيرون في الهواء أو يمشون على الماء أو لو أني رفعت يدي الى السماء وطلبت مالا لرزقني الله أو دعوت على من ظلمني لأهلكه الله ..لكن كل ذلك لم يحدث لي فتركت الطريقة .
نقول :
نعم إنك لو بقيت في الطريقة سنين وسنين وهذه نيتك وهدفك من الطريقة فستظل تراوح مكانك فمن هاجر لله ولرسوله فهجرته لله ورسوله ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه…فالطريقة ليس المقصود منها أن تكون صاحب كرامات وخوارق عادات …فمن كان هدفه الكرامات ..فهو في الكرى مات ..
لكن ينبغي أن يكون مقصودك هو العمل لنيل مرضاة الله عز وجل .
________________________________________
وهذا هدف كل مؤمن أما من يريد أن يجعل من الدين مطية لتحقيق شهوات نفسانية وأهواء نفسية فقد ضل الطريق وتاه عن المقصود ..لأن الذي يحجب الإنسان عن الوصول إلى الحق جل جلاله هو حجب النفس الأمارة المتمثلة بأمراضها القاطعة عن الله ..لعمري كيف يمكن أن يصل إلى الله من كان بعمله مرائياً ….أم كيف يصل إلى الله من كان يملأ قلبه الكبر والعجب ..أو كيف يتذوق حلاوة الإيمان من كانت نفسه تواقة للمعاصي والذنوب وهو مرتكب للمخالفات والعيوب …؟!
ولو درى هذا المسكين ما أضاع بعدم معرفته وجهله لبكى على نفسه ولحثا التراب على رأسه ..إذ أنه أضاع الكنز المطلسم والكرامة العظمى والغنى الأتم والثراء الحقيقي ..أما علم أن إصلاح نفسه وتزكيتها هو الكسب الحقيقي .أما علم أن تطهير النفس من أدرانها ليكون المرء أهلا لمجالسة الحق هو الكنز الحقيقي ….أما علم أن الاستقامة على الشريعة المطهرة هو عين الكرامة وأفضلها ..فأي كرامة تعدل أن يخلّص الإنسان نفسه من الكبر والرياء والعجب ووووو … ويحليها بالفضائل من الحب والإخلاص والصدق والتوبة والإنابة والخشية والقناعة والرضى والصبر والشكر والمراقبة ….؟؟!!
لو نظر هذا المسكين بعين الحقيقة لعلم أن أعظم الكرامات أن يجعلك الله جليسه ومذكوره وحبيبه ..فتأنس به وتلذ بمناجاته وتراقبه في كل أحوالك وحركاتك فيغ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: رد: حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه   الإثنين ديسمبر 07, 2009 8:25 pm


فضل التصوف على غيره
ووجوب أخذه عن أهله
بقلم
الفقير إلى مولاه
يسار الحباشنة
المشرف العام لمنتديات دار الإيمان
www.daraleman.org/forum
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين
وعلى آلة وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين...
وبعد يا إخوتي في الدين أيدني الله وإياكم بالروح الأمين
فهذه رسالة من مطلبين :
الأول : فضل التصوف على غيره من العلوم
والثاني : وجوب أخذه عن أهله المتخصصين.
وأسأل الله العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم وأن يقبلني على عيبي وقصوري إنه سميع قريب مجيب.
________________________________________
المطلب الأول: فضل التصوف على غيره من العلوم
إن الإسلام دين يراد منه ثمرة ونهج يفضي إلى غاية، وما هذه الغاية إلا حقيقة العبودية وتحقيق الكمال البشري للنوع الإنساني. ولا شك أن طالب هذه الغاية يحتاج إلى معطيات هي بمنزلة المعلومات الأولية التي يُحتاج إليها لبلوغ الغاية. ومن هذه المعطيات معرفة الأحكام الشرعية في العبادات الظاهرية من الفروض العينية والمباديء الأولية الضرورية للغيبيات المتعلقة بصفات الذات الإلهية وحقائق عن الأرواح الإنسانية ومبتداها ومصيرها وعلاقتها بالهياكل والمواد الأرضية. إلا أن هذه المعطيات الأولية نقطة. فمن انطبعت في قلبه لم يعد بحاجة إلى تجزئتها، ومن أجملت في عقله،لم يعد بحاجة غالبا إلى تفصيلها، وإنما تفصيلها يشرُف بقدر ما يعين طالب الغاية العليا على بلوغ غايته وهي كما قلنا حقيقة العبودية وتحقيق الكمال البشري الذي هو موضع نظر الله من بين الخليقة.
وما ذلك التفصيل سوى مرحلة أولية متقدمة عن وضع أول قدم على طريق السلوك القلبي المفضي إلى تلك الغاية وإنما يتوسع ذلك التفصيل أو يتقلص بحسب جهل الجاهلين وكمال استعداد الطالبين، كما قال حضرة مدينة العلم، سيدنا على كرم الله وجهه "العلم نقطة كثرها الجاهلون". قال تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} فالاجتباء ابتداء من الله بالفتح على العبد وتعليم بالوحي والإلهام فلا حاجة للتفصيل العلمي عند المجتبى كالأنبياء وخواص الأولياء إلا في مقام المراجعة أو التبليغ أو البيان. والإنابة سعي من العبد وتعرض للفتوح. وإلى الله المصير في الحالتين. فمن نظر إلى تلك المعطيات الأولية من الفقه أو علم الكلام باعتبار أن العلم بها من شروط الوصول اعتبر ذلك العلم أشرف العلوم أما من يرتب العلوم من حيث ثمار العمل بها فإن نهاية العمل بهذه العلوم هي إتقان العبادات الظاهرية وإقامة شرع الله والاقتناع العقلي بمباديء العقيدة وضرورياتها وهذا بحد ذاته خير عظيم وفيه النجاة من العذاب بلا شك إلا أن هنالك ما فوقها وإن كانت هي شرطا فيه، ألا وهو إتقان العبادات القلبية والاعتناق القلبي لمبادئ العقيدة وضرورياتها وأن تعبد الله كأنك تراه وأن تأتي بمكارم الأخلاق على وجه أقرب للكمال. فعلوم الفقه والكلام وكذلك الحديث من هذه الوجهة ثانوية إذ قد لا يتبعها وضع القدم في أول طريق السلوك القلبي الإحساني، فتكون الأفضلية لطريق السلوك (التصوف) ويعتبر العلم والعمل به أشرف العلوم كونه مسبوق (ولا بد) بما قبله وناتج عنه ولا بد ما بعده وهو حقيقة العبودية.
________________________________________
فالعلم مثلا بأن الله واحد يختلف عن الإيمان بأن الله واحد ويختلف عن الإحسان بأن تعبد الواحد كأنك ترى الواحد. فالتصوف يجمع الاعتقاد الراسخ إلى الاقتناع المعرفي المجرد بواسطة مواجهة الروح لأنوار الواحدية وفنائها في توحيدٍ يُبقى الموحِّد أثرا بعد عين. وذلك الفناء هو الإحسان في أكمل وجوهه. فإن الإيمان إذا تم وكمل فلا بد وأن يؤدي إلى شهود الجلال والجمال الإلهي قولا واحدا، وذلك الشهود لا بد وأن يؤدي إلى نسيان الأغيار قولا واحدا. فبقدر ما ينقص من إيمان المرء ينقص من إحسانه وإذا تم الإيمان فذلكم الإحسان. وهذه من المسائل الغامضة التي يكثر فيها الخلط. وتشتبه على كثير من العلماء فضلا عن العامة. والموفق هو من كشف له الله عن معناها وبين له طرفاها ليعرف في أي محل هو في ميداني العلم والإيمان فلا يتخطى رقاب الصديقين بالتمني ولا ينزل نفسه منزل العامة بالحيرة. ولكم خاض في مقام الشهود من لم يصح عنده تصوره أصلا ولو صح عنده تصوره لما خبط فيه خبط عشواء فخلط الحابل بالنابل ولكم كان التوقف أولى به.
ولما كان الوصول إلى تلك الغاية العظمى مشروطا بوجود القلب السليم {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم} فقد قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء:
"علم التصوف فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء عليهم السلام، للعصمة التي لهم معجزة".
ويقصد بالعيب هنا العيب الأخلاقي كالشح والغضب والبذاءة والجبن والخيانة وغيرها. والمرض هنا هو المرض القلبي كالشك والكبر والعجب والرياء وحب الدنيا وغيرها، لا المرض الجسدي ولا النفساني بمصطلح الطب الحديث.
وقال الجنيد رضي الله عنه:
"لو علمت أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه".
وكذلك قال الإمام الشاذلي رضي الله عنه:
"من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر".
________________________________________
وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رضي الله عنه:
"والله ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية".
وقال ابن البنا في علم التصوف:
وأنكروه ملأ عوام *** لم يفهموا مقصوده فهاموا
وقال:
هل ظاهر الشرع وعلم الباطن *** إلا كجسم فيه روح ساكن
وفي هذا البيت إيجاز وبلاغة وبلاغ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولنتفكر في تلك الناقة التي كانت قائمة فلما خرجت روحها وقعت إلى الأرض. ترى أيهما كان الحامل وأيهما المحمول، الجسم أم الروح؟
وقال ابن البنا:
وكل من أنكر منه شيئا *** فإنما ذلك لسبع أشيا
بجهله لنفسه الشريفة *** وكونها في أرضها خليفة
وجهله بالعالم المعقول *** وشُغله بظاهر المنقول
وسهوه عن عمل القلوب *** والخوض في المكروه والمندوب
وقال:
تبعه العالم في الأقوال *** والعابد الناسك في الأفعال
وفيهما الصوفي في السباق *** لكنه قد زاد بالأخلاق
وقال:
إن العلوم في مقام البحث *** وإن هذا في مقام الإرث
وهاهنا أمر مهم. إذ شتان بين علوم البحث وعلوم الإرث مهما كانت الوسائل في علوم البحث. ولعل ما يقرب لنا هذه المسألة تعليم رب العزة آدم الأسماء كلها لا عن طريق البحث، وآدم من النوع الإنساني، وكذلك تعليم النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكن يعلم لا من خلال البحث ومحمد من النوع الإنساني.
قال مولانا القطب ابن مشيش رضي الله عنه في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق"
وما إعمال العقل أصلا إلا في نقل منبثق عن ذلك الفتح الإلهي المباشر بلا واسطة العقل وبالاستغناء عن آلته، مع الوقوف عند الحد الذي لا يتجاوزه العقل، كما قال البوصيري رضي الله عنه:
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غرفا من البحر أو رشفا من الديم
وواقفون لديه عند حدهم *** من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
ولتوضيح ذلك أقول:
________________________________________
لم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم لبحث عقلي أو تفكير أو حفظ كي يعي كلام الله المنزل عليه بالوحي. فكان عندما ينقطع الوحي يجد كلام الله محفوظا في قلبه كعملية الطبع تماما ولا يختلف ذلك عن الوحي من غير القرآن كالحديث القدسي؛ حيث المعنى هو المنزل دون اللفظ. وهذا لا ينفي كمال العقل المحمدي من حيث التفكير وقوانينه وكون ما يصدر عن ذلك التفكير من حكمة هو كذلك وحي من نوع آخر قد نسميه وحيا توفيقيا.
وشاهدي من هذا الكلام هو أن النفس المحمدية الشريفة هي نفس بشرية رغم خصوصية النبوة والرسالة. فليس من المستبعد عقلا أن تكون النفس البشرية بعامة تصلح لدرجة أقل من هذا التلقي المعبر عنه بالإلهام و"التحديث" لغير الأنبياء. وأن لا يحتاج هذا التلقي إلى العقل إن اعتبرنا العقل محلا لقوانين التفكير والإدراك. وإنما يأتي دوره بعد التلقي في تفصيل المجمل واستنباط المعاني الجديدة من ذلك التلقي الأولي أو القياس عليها وغير ذلك من العمليات المنطقية.
________________________________________
يتحدث أهل بعض التخصصات والاتجاهات الفكرية عن "تجريد التوحيد" وتراهم حوله يدندنون وبه غيرهم يدينون. وهو عند بعضهم أن لا تطلب العون إلا من الله وأن لا ترفع قبرا وألا تصلي في مسجد فيه قبر وأن لا تتبرك بأحد! وهو عند آخرين أن تنطلق بتفصيل وتفريع للتنزيه إلى حد يوجد فصلا هائلا بين اللاهوت والناسوت وكأنك قد جعلت من الذات الإلهية موضوعا جامدا وأنت الباحث المشرح فأنت الذات الفاعلة في موضوع منفعل وإن كان قصدهم بخلاف ذلك! فالصوفية وإن كانوا يرفضون قطعا قول البعض باتحاد اللاهوت بالناسوت كالنصارى والحلولية وغيرهم من أهل الضلال إلا أنهم في الوقت ذاته لا يقبلون بتلك المسافة الشاسعة بين الله وعبده التي يغرق في تفصيلها بعض المتكلمة بهدف تنزيه الله، فالصوفي يحب الله ويعلم أن الله إذا أحبه فإنه يحبه فحسب. ولا يحتاج الصوفي إلى الفهم العقلي لطبيعة حب الله له. فإذا كان المتكلم يقر بأن الحب أمر قلبي فلا حاجة أن يقحم العقل حتى لا يفسد على قلبه حال محبة الله وحتى لا تتشوش هذه المفاهيم القلبية التي أراد الله تعالى لها أن تبقى قلبية فقال {يحبهم ويحبونه} وقال { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
________________________________________
أما تجريد التوحيد عند أهل التصوف فهو أن تصل إلى نتيجة حتمية لمعرفتك أنه الواحد وأن لا فاعل على التحقيق إلا هو وهذه النتيجة هي أن لا تشهد معه غيره لا افتعالا ولا تصنعا وإنما حالا تقام فيه ولا تحول عنه حتى لو أردت ذلك، إن جاز أن تريد ذلك. وخير تعبير لذلك عندهم هو الذكر، فالذكر يتعلق بالأنفاس إن كان جهريا ويتعلق بضربات القلب إن كان سريا، وهو متعلق في الحالين بالقلب والروح والسر، فهو بذلك توحيد تشهده ذرات الجسم كلها وتعيشه خلجات القلب كلها، فلا غرابة إذن أن يكون توحيدهم حياة كاملة وتوحيد غيرهم فكرة سابحة، وشتان بين حياة كاملة ينطق عنها كل ما يصدر منها، وبين فكرة سابحة تلمس مواطن الحياة تارة وتتقهقر عنها تارات. ولا نرى أثرا لذلك التوحيد الصوفي أكبر من الأثر على الأخلاق، ولله در ابن الفارض رحمه الله عندما وصف خمرة الذكر بأنها:
تهذب أخلاق الندامى فيهتدي *** بها لطريق العزم من لا له عزم
ويكُرم من لم يعرف الجودَ كفُّه *** ويحلُم عند الغيظ من لا له حلم
ولذلك فإنك ترى أن أهل هذا المشرب هم أقرب الناس إلى الإنسان بيد أنهم ربانيون، وأبعدهم عن محاكمة الآخرين بيد أنهم عارفون، وأصبرهم على أذى من خلق بيد أنهم قادرون، وأنداهم يدا بعطاء ليقينهم بخزائن الجواد الكريم، وأقواهم على عدو من نفس أو غير لما سمعوا الخطاب: {إنك اليوم لدينا مكين أمين}. وذلك لرؤيتهم تجليات الواحد الجلالية والجمالية وملاحظتهم الإشارة إليه في كل شيء من بسط وقبض وقهر ونصر.
من غير أن تمنعهم الكونيات من القيام بحق الشرعيات فالكل منه وبه.
وأي تحقيق للتوحيد أكبر من أن يصبح الصوفي وحاله يقول: ماذا يُفعل بي؟ ويصبح غيره قائلا: ماذا أفعل؟
________________________________________
أي التوحيدين أرسخ؟ حتى لو كان صاحب التوحيد الثاني حافظا للمتون والأسانيد وعالما بتفاصيل الفروع. التي قد لا يحتاج المسلم إليها في العمر سوى مرة أو مرتين. ولكم رأينا من يخال الفروع أصولا لما يرى من عظيم تفصيلاتها ولو أنه علم أنها ليست مقصودة لذاتها لما هالته تفصيلاتها، ولولا أنه قد حُجب باللذة العقلية الكبيرة لاغترف من بحر ذوق فقدان حدوثه أمام وجود القِدم ولعرف أن الاستغراق في إعمال العقل في العقليات أو النقليات إثبات لا واع للحادث مع القديم. وهاهنا نقطة الافتراق بين الصوفي وغيره. قال الجنيد رضي الله عنه: "التوحيد إفراد القدم من الحدث" ولا يكون ذلك للمؤمن إلا بالخروج عن جميعه، كما قيل: "التوحيد هو الخروج عن جميعك بشرط استيفاء ما عليك".
وهيهات أن تخرج عن جميعك وأنت لا تزال واقفا مع لذتك العقلية.
فاقرأ ما قاله السراج الطوسي في كتابه "اللمع" لتعرف لماذا يشكك الكثيرون في أفضلية التصوف أو ينأون عنه أو ينكرونه، قال رحمه الله في علم التصوف:
"وقلّ من تراه يشتغل بهذا العلم الذي ذكرنا، لأن هذا علم الخصوص؛ ممزوج بالمرارة والغصص، وسماعه يُضعف الركبتين، ويُحزن القلب ويُدمع العين، ويُصغر العظيم ويُعظم الصغير، فكيف استعماله ومباشرته وذوقه ومنازلته وليس للنفس في منازلته حظ؛ لأنه منوط بأمانة النفوس، وفقد المحسوس، ومجانبة المراد. فمن أجل ذلك ترك العلماء هذا العلم، واشتغلوا باستعمال علم يُخف عليهم المؤن، ويحثهم على التوسيع والرخص والتأويلات، وقد يكون أقرب إلى الحظوظ البشرية، وأخف تحملا على النفوس التي جبلت على متابعة الحظوظ والمنافرة عن الحقوق"
والشيخ رحمه الله يتحدث عن حقيقة التصوف وعن المتصوف الصادق الذي لا يريد إلا رضا الله لا أدعياء التصوف الذين ربما يريدون بتعلمه الوصول إلى الكرامات والخوارق والرياسات وتبرك الناس.
________________________________________
ولعله يدخل في هذا المعنى ما ورد عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قيل له: فلان فقيه، فقال الحسن: "وهل رأيت فقيها قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه."
ومعاذ الله أن يكون مرادنا بهذا الكلام التقليل من شأن العقل أو علوم الشريعة كالحديث والكلام والتفسير وإنما المراد العمل بقوله تعالى "ألا تطغوا في الميزان" ومن الطغيان الخفي الاستغراق بالوسيلة على حساب الغاية وأن تُحجب بالراحلة عن الكعبة. فاللذة العقلية تُثبِت النفس وتنحاز إليها بلا ريب وهي حجاب عند أهل التحقيق وإن كان عملها في الحق. ولكن لا غنى عنها ما دامت لا تؤدي إلى خسران الميزان. بل هي من الوسائل إلى الغاية العليا وفيها بدايات مدارج الترقي وهذه مسألة دقيقة لا يكشف حقيقتها إلا الذكر ولا يجلي مداخلها ومخارجها إلا السلوك الحق. وأما من حيث العلم فإن الكثير مما عند غير الصوفي مفصلا هو عند الصوفي مجمل كتمييز بعض الأحكام الصحيحة من الفاسدة وربما وصل المنطقي إلى حكم صحيح عن طريق البحث والعناء ووصل الصوفي إلى الحكم نفسه عن طريق الإلقاء في الروع وتحديث القلب والفهم عن الله. فيقول العارف "حدثني قلبي عن ربي" ولا ينكر مثل هذا إلا جاهل فإن فيه شواهد كثيرة. إذ لا شك أن قلب أم موسى حدثها عن ربها أن تقذف موسى في اليم، قال تعالى {وإذ أوحينا إلى أم موسى أن اقذفيه في اليم}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد كان في الإسلام قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب منهم".
________________________________________
على أن التصوف ليس مذهبا في التوحيد مختلفا عن مذهب أهل السنة فهو هو إلا أن أولئك ذاقوه وتضلعوا منه واقتصروا فيه على ما ينفعهم في آخرتهم، وغيرهم علمه ولم يتجاوز قشرته إلا من جمع بين التصوف والتفقه. وليس يشترط للرجل التعبير عن لب التوحيد على طريقة أهل التصوف أو القدرة على ذلك كي يكون من أهله، فالمسألة قلبية لا قالبية والتحقق بها عَلَنيّ طمْسيّ؛ منهم من يصلح له العلن ومنهم من يصلح له الطمس: "أقام العباد فيما أراد" ولله الأمر من قبل ومن بعد. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
ولا بد من الإشارة إلى أنه من المقرر عند السادة الصوفية أن كبار أئمة الفقه والتوحيد كسفيان وأبي حنيفة والشافعي والأشعري وغيرهم، هم من أوتاد الأمة الجامعين بين الظاهر والباطن ومن أرباب القلوب وأصحاب السلوك الذين لم يحجبهم عقل عن ذوق ولم توقفهم لذة نفسية عن المقصود الذي أمامهم - وهو الله تعالى - وهذا ما جعل منهم أسباب جمع للأمة لا أسباب فُرقة وأبقاهم في دائرة الاعتدال والتوسط الذي لا شطط فيه ولا تعصب.
ولقد قيل: "العالم من لا يطفيء نورَ علمه نورُ ورعه". ولنا فيها فهم آخر وهو بقراءتها: "العالم من لا يطفيء نورُ علمه نورَ ورعه". برفع النور الأولى ونصب النور الثانية. بمعنى الذي لا يقف نور علمه حجابا بينه وبين سلوكه فإن من الحجب حجبا ظلمانية وحجبا نورانية والعلم ربما يكون في بعض الأحيان حجابا نورانيا.
فهو نور بحد ذاته وإنما يجعله حجابا فساد النية قبله وبه أو الوقوف مع لذته العقلية أو منافعه الرياسية دون الالتفات الكافي إلى حظ القلوب من النور الذي لا يتأتى له دخول القلب إلا بتوقيف آلة العقل لحظات أو سويعات والجلوس بين يدي الله بالفقر المطلق الذي هو في الأصل نعت الإنسان الحقيقي.
قيل للجنيد : بم نلت ما نلت قال : "بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة".
________________________________________
ينبغي لنا التذكير بأن الروح الصوفية هي التي حركت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم نحو العالم وأوجدت فيهم الهمة القلبية القادرة على تحريك الجبال وما هذا إلا بالتوحيد الخاص الذي تميزوا به عن غيرهم. وليس هذا التوحيد مجرد فكرة أن الله واحد ولكن أن الناس كلهم وِحدة ماداموا كلهم محلا لتجلي الواحد. قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}. هذا الأمر أورثهم أخلاقا قل من عرفها بعدهم والتي تتمثل في أن يكون المؤمن أرضا يعبر عليها غيره وهذا لا يكون إلا بمحو النفس. (ومحو النفس) أو (قتلها) بالمعنى الصوفي لا يعرفه كثير من العُبّاد والفقهاء وعلماء الرسوم، فهو ليس من مصطلحاتهم ولا من مفاهيمهم. فهم لا يعرفون ماذا يعني أن تكون مرتبطا بالبيعة الروحية بسلسلة تمتد إلى رسول الله وإلى جبريل عليه السلام وإلى رب العزة فلا يعرفون إلا بيعة الحاكم ولي الأمر. ولا يدركون مفهوم الجماعة بهذا المعنى وإنما يتمثل عندهم بحضور الجمع والجماعات التي ربما تلتقي فيها الأشباح في مكان واحد ثم تفترق بعد أن يذهب كل إلى بيته ويعود كل إلى "أناه" ولو سمع أحدهم قول صوفي "لو غاب عني رسول الله طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" رأيته ينكر ويتعجب قائلا: ما طولبنا بمثل هذا الحال! ومع أن هذا الحال هو الذي يجعل المؤمن أهلا للمدد الروحاني الساري في الوجود ويفني "النفس الأمارة" مصدر الشرور في النفس المحمدية الكاملة مصدر السرور {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}. وما ذاك إلا لانحباس أرواح المنكرين في عالم الشهادة وابتعادها عن عالم الملكوت فلا يرون ما رآه إبراهيم عليه السلام {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين}. وتراهم يقولون: ما وردت مثل هذه المعاني في النقول ولو أنهم أمعنوا النظر لوجدوا وابلا من الإشارات في النقول إلى هذا وفوق هذا إلا أن النبي وأصحابه كانوا أقرب إلى الإجمال وأبعد عن
________________________________________
التفاصيل، إذ العلم نقطة كما قيل.
وأما الواقفون عند حد العقول فلا يعبئون بمن يسألهم: "ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون"..فتراهم" ينظرون إليك وهم لا يبصرون" ينظرون النظر العقلي وينظّرون في الشهادي والغيبي ولا يبصرون البصر القلبي ولا يميزون بين خاطر رحماني وآخر نفسي. فشعارهم: بسم النفس وبالنفس وإلى النفس وشعار أرباب القلوب: بسم الله وبالله وإلى الله. منكسرين قد ذهبت نفوسهم يناجون بالأسحار:
مولاي أتيتك منكسرا *** وإليك شوقي لم يعُج
وأتيت إليك خليا من *** صومي وصلاتي مع حِجج
وكذا علمي وكذا عملي *** وكذاك دليلي مع حُججِ
وليس بحثنا فيما يوافق الشريعة من كشف أو ذوق صوفي أو يخالفها فإنه من المقرر عند أهل التصوف الحق أن أي كشف يخالف ظاهر الشرع مخالفة بينة مردود. ولكن يجدر الذكر أن موقف الكثير من الفقهاء من الكشف الصوفي يتأرجح بين قطبين:
الأول: هو الرد إذا ما تبين لهم مخالفة الشريعة.
والثاني: هو الرد لا لمخالفة الشريعة وإنما لمجرد عدم الورود في النقول.
________________________________________
وغالبا ما يكون الموقف الأول قاصرا وذلك لأن الفقيه الذي يرد ويرفض يكون قد نصب نفسه عالما بكل دقائق العلوم الإسلامية وهو لم يتجاوز بعد النفس اللوامة أو المطمئنة في عُرف علم محترم من علوم الإسلام وهو علم التصوف. في حين أن المؤهل للرد أو القبول هو الفقيه الصوفي لا الفقيه فحسب. عملا بقول الإمام مالك: "من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق". أما إذا تصدر لذلك من هو على شاكلة الإمام مالك أو الغزالي أو العز أو النووي أو السيوطي أو الشعراني أو السرهندي أو زروق ممن لهم قدم في الموطنين أو سبق في المضمارين فإن أولئك هم الذين يُسمع لقولهم ويكون لكلامهم في هذه المسائل وزنا. أما أن يُعرف فقيه أو متكلم بالسبق في تخصصه دون السبق في السلوك وقطع مقامات النفس ويصدر الأحكام فذلكم الذي يُخشى أن يكون من الذين يقفون ما ليس لهم به علم.
________________________________________
أما الموقف الثاني المتمثل بالرد لمجرد عدم الورود فإن غالب أهله هم من الذين يبنون أحكامهم على أصل فقهي فاسد وهو أن ترك النبي الفعلي لشيء أو سكوته القولي عن شيء يعني بالضرورة أنه مرفوض شرعا بل ومخالف للشرع. وهذه مشكلة عظيمة إلا أن المشكلة الأعظم هي أن أولئك لا يكلفون أنفسهم معرفة ما إذا كان قد ورد في الكتاب أو السنة ما يرمز إلى كشف أو ذوق صوفي معين أو يشير إليه أو يذكره صراحة بصورة مجملة، وما أكثر ذلك في الكتاب والسنة لأولي الألباب. وهذه هي الطامة الكبرى في تفكيرهم ومنهاجهم؛ الانتقائية والتعصب ضد كل ما لا يعرفون. وغالب أولئك من الذين أشربت قلوبهم حب الاتهام بالشرك والبدعة وأسس بنيانهم العلمي على ركن فاسد وهو أنه لا يوجد بدعة حسنة مخالفين بذلك ما ذهب إليه علماء أهل السنة والجماعة، فضيقوا على الناس كل شيء وسدوا عليهم باب الذكر الكثير ومجالس الذكر الذي هو باب النجاة وباب الإرشاد التزكوي وباب مبايعة المسلمين بعضهم بعضا على طاعة الله، الأمر الذي هو من معاني كلمة "الجماعة" التي يدّعونها. أولئك الكلام معهم صعب وإقناعهم أصعب إلا من رحمه الله ففتح عقله وقلبه ومد يده لإخوته. فنسأل الله أن يجمع المسلمين ويوحد كلمتهم.
________________________________________
إن مسالة الكشف والفتح من المسائل التي يقف عندها الكثير من العلماء والباحثين لغموضها كما يقفون عند الكثير من مسائل التصوف التي تنتمي إلى قسم الدقائق أو "الحقيقة" التي تكون عادة ثمرة سلوك ومجاهدات وتقع في حيز لا ترتقي إليه اللغة البشرية. وهذا الوقوف الطويل عند هذه المسائل قد جلب الخسارة الكبيرة للمسلمين. فلقد أُهملت الطريقة التي هي السلوك والتزكية المطلوبة من كل مسلم. فترى المسلم يخلط بين الطريقة والحقيقة فإما أن يقتنع بحقائق تكلم بها بعض الصوفية وإلا فلا تصوف، بل ترى بعضهم يريد الطريقة أن تقنعه بسلوكها مع أنه هو الذي بحاجة إلى إقناعها بقبوله وهو مأمور بسلوكها لقوله تعالى {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا}. وهذه قضية في غاية الخطورة وينبغي على أهل التصوف والعلماء من كافة الاتجاهات أن يفرقوا بين جانب "الحقيقة" من التصوف وجانب الطريقة وأن ينبهوا أتباعهم وعامة المسلمين إلى هذا الفرق. فالحقيقة من جانب معين تمثل الفتوحات والكشوفات التي قد يعبر عنها بعض الصوفية وتتناول علوما تتعلق بالماورائيات وتقترب من العقائد الإسلامية وتجيب على أسئلة فلسفية معينة. وأحيانا لا تسعف اللغة البشرية في التعبير عن مثل هذه الحقائق فتخرج بصور كلام مغرق في الرمزية أو عبارات ربما يرى فيها البعض شططا أو شطحا بل وربما فهمت على عكس معناها. ولست هنا بصدد الخوض في الدفاع أو التبرير أو التفصيل في هذه المسألة فلقد كُتب فيها الكثير مما هو معروف مشهور من الكتب فليرجع إليه الصادق، أما فاقد الصدق فلن ينفعه الرجوع إلى مئات الأسفار. وأما الذي يضع علم التزكية والطريقة وبعض ما ألف من المشكل في باب الحقيقة في رحل واحد فيرفض التصوف جملة لكونه اسم جامع للطريقة والحقيقة فهذا لعمري الذي يريد أن يهدم الإسلام سواء عرف أم لم يعرف. لمثل هؤلاء نقول: إن كنتم تعرفون أن علم التزكية من أهم علوم الإسلام إن لم يكن أهمها ولا
________________________________________
يعجبكم من تخصص وتكلم في هذا العلم قديما أو حديثا ولا يروق لكم نهج من ربى وأرشد الملايين حسب هذا العلم، إن كان الأمر كذلك، فنرجوكم أن تخرجوا لنا متخصصيكم الذين يزكون القلوب ويرشدون المسلمين في السلوك إلى الله كما فعل القوم، ونقول لكم ما قاله الشاعر:
أقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا
ولكن لن تجد من أولئك المنكرين من يقدر على ذلك ولو حرصت، بل إنهم لا يستندون إلى علم تزكوي يخلصهم أنفسهم من آفات قلوبهم والأوحال التي علقت بتوحيدهم فأنى لهم أن يسعفوا غيرهم.. هيهات هيهات.
فالطريقة هي ترجمة التوحيد من لغة الحروف والكلمات إلى لغة الروح والحياة، والعلم بها هو المخرج من قفص النفس الباطلة إلى من إليه المصير وهو الله الحق، إذ ماذا بعد الحق إلا الضلال. ووالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يبلغ مقامات المقربين إلا من سلك وتزكت نفسه وصفا قلبه حتى صار أهلا لنظر الحق تعالى، ولا يغترن أحد بلسان فصيح أو قوة حافظة أو طول لحية أو كبر عمامة أو علم غزير لا ينفع حتى ولو كان علما بأشرف معلوم.
________________________________________
وخير شاهد على ضرورة التصوف وتزكية النفس، وعلى شرف هذا العلم على سائر العلوم قصة إبليس اللعين. فلقد علمتم أن إبليس كان من أكثر الخلق عبادة لله وعلما به حتى فاق الملائكة. ولكن كل ذلك لم ينفعه بشيء لحظة الامتحان حيث تكشفت تلك الآفة الخطير وظهرت من نفس غير مزكاة، ألا وهي آفة الكبر التي أوردته المهالك وقادته إلى كفر الجحود. أفلا يخشى الفقهاء والعبّاد الذين لا يعبئون بالسلوك القلبي من مثل هذه الآفة أن تظهر عندهم في وقت من الأوقات وهم لا يعلمون بوجودها. ماذا سينفعهم علمهم بالعقيدة وأحكام الفقه وصلاتهم وصيامهم حينئذ. فإن كانوا يخشون ذلك فمن أين لهم العلم بتزكية نفوسهم ليتجنبوا الهلاك بتلك الآفة أو غيرها؟ أمن الكتاب والسنة؟ نعم فهو في الكتاب والسنة ولكن من الذي سيستنبط لهم أحكامه من الكتاب والسنة، أليسوا هم المتخصصون في هذا العلم. ومن هم المتخصصون في هذا العلم أليس الصوفية؟
وأختم هذا المطلب بأن لا عبرة بالمسميات والمصطلحات فكلمة تصوف اسم إن تحقق معناه فلا يضر إهماله أو استبداله.
________________________________________
المطلب الثاني: وجوب أخذ التصوف عن أهله المتخصصين
الحمد لله
إن أهل الله العارفين، والسالكين الذين جاهدوا في الله فاهتدوا وصاروا من المحسنين قد أجمعوا على حقيقة ثابتة وقاعدة راسخة في علم التزكية وسلوك صراط الله المستقيم وهي أنه ما أفلح من أفلح إلا بصحبة المفلحين، وما صدق من صدق إلا بالاتصال بالصادقين وما ثبت من ثبت إلا باتباع الثابتين وما وصل من وصل إلا بمرافقة الواصلين، وشاهدُنا العدل في ذلك قول العزيز الحكيم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. وشاهدنا من السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وسلم " إنما يأكل الذئب من الشاة القاصية".
إن هذه القاعدة الجليلة ثابتة في العقول وبالتجربة لمن أراد أن يفلح في أي تخصص، إذا لا سبيل لإتقان أي علم إلا بمجالسة أهله والأخذ عنهم. ولا مناص لطالب التخلق بالأخلاق السنية والتحقق بالمقامات العلية والاطلاع على الحقائق الأصلية من الجلوس بين يدي مرشد كامل تعرّف فعَرَف وسلك فملك وتعلّم فعلِم وتحلّم فحلم، وأخذ الطريق إلى الله عن أهله واغترف الحب الإلهي من ينبوع أصله.
ولا أرى الذي يستثني علم التصوف والسلوك من هذه القاعد الجليلة إلا أحد ثلاثة:
________________________________________
الأول: جاهل قد شوش قلبَه الجهلةُ وبعثر أفكاره قساةُ القلوب فأفهموه أنه ربما وصل إلى حقيقة النفس الراضية المرضية عن طريق اجتهاده الشخصي وانفراده بالتعرف على مداخل الشيطان وتلبيسات النفس الأمارة بالسوء.. وهيهات. أو أنه بمجرد قيامه برسوم الشريعة وإتقانه لأحكام طهارة بدنية وصلاة جسمية وتلاوة لسانية فإنه في غنى عن علوم الطريقة من تزكية قلبية وطهارة معنوية وتلاوة اتباعية روحية. ولكن هيهات، إذ والله لو عبد اللهَ رجلٌ سبعين سنة يقوم فلا ينام ويصوم فلا يفطر لما بلغ في الحال أو العلم عشر معشار من يصحب أهل الله بصدق أياما معدودات. وليس كلامنا عن الاستثناءات هنا إذ لربما علم الله في عابد أهلية لمقام ما فبلغه إياه لصدقة واجتهاده أو ببركة كثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا أندر من النادر والنادر لا حكم له، ولا ينبغي التعويل عليه. فعلى اللبيب الفطن العلم بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نواب وورثة، فالذي ورث الفقه وأحكامه لا غنى عنه، والذي ورث تلاوة القرآن لا غنى عنه، والذي ورث العلم بالحديث لا غنى عنه، وكذلك الذي ورث علم التزكية لا غنى عنه، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ولقد وردت هذه الآية في سورة الجمعة وكأن في ذلك إشارة إلى أن ما يجمع القلب على الله هو التزكية. أو إشارة إلى الجمع بين "تلاوة القرآن" و"التزكية" والفقه المستنبط من "الكتاب" والمستنبط من "الحكمة" المراد بها الحديث النبوي الشريف. وكأن في ذلك شاهدا على قول الإمام مالك: "ومن جمع بينهما فقد تحقق".
ولنكون أقرب إلى الواقع وضرب الأمثال، نقول:
________________________________________
ربما اشتكى أحد من عدم خشوعه بين يدي ربه في الصلاة فمن ترى سوف يسأل عن الحل لمثل هذه المشكلة؟ إن هو سأل فقيها عالما بالأحكام الظاهرية فحسب، فإنه غالبا ما سيجيبه بأن عليه أن يحسن الوضوء وأن يصلى الصلاة لوقتها أو أن يتتبع كلام الله المتلو أثناء الصلاة. ولا بأس بهذه النصيحة إذ من قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. ولربما منح الله ذلك السائل خشوعا بهذه النصيحة في صلاة أو صلاتين أو ليوم أو يومين ثم يذهب هذا الحال أدراجه ويعود السائل إلى سهوه. بيد أنه لو سأل صوفيا فسيخبره أن عدم خشوعه هذا عرض لمرض؟ فيضع الصوفي يده على المرض؟ ويخبره أن التركيز يجب أن يكون على الشفاء من المرض نفسه حتى يزول العرض تبعا. وغالبا ما يكون انعدام الخشوع في الصلاة لحب الدنيا أو نقص التوكل. فحب الدنيا يسهل على الشيطان تذكيرنا بمتاعها وشهواتها أثناء الصلاة كي لا نعقل من صلاتنا شيئا. ونقص التوكل يسهل على الشيطان تشويش قلوبنا بتدبير الدنيا ومشاغلها التي لا تنتهي حتى نخوض أثناء صلاتنا بخواطرنا في الرزق والمال والعيال والمدير والموظفين وغير ذلك. ولا يكتفي الصوفي بذلك بل يعطي السائل الحل وهو إخراج الدنيا من القلب والسعي لبلوغ مقام التوكل حتى يصير خشوعه مقاما دائما لا حالا زائلا فيكون من المفلحين الذين هم في صلاتهم خاشعون. ويزيد على ذلك بأن يبين له كيف يكون هذا الحل وما هي الخطوات التي يجب أن يفعلها. ويزيد على ذلك بأن يأخذ بيده في مشي هذه الخطوات إن كان هذا السائل صادقا في إرادة الخشوع ومن ثم الفلاح. فيقول له: الآن اتبعني وجالسني واصحبني حتى تتأثر بحالي وحال إخوتك الذاكرين كي يخرج حب الدنيا من قلبك ولن يخرج حتى تملأه بضده وهو حب الله تعالى، والآن اسمع قولي حتى تبلغ مقام التوكل ولن تبلغ ذلك المقام حتى يتغلغل الذكر في لحمك ودمك فتنقدح شعلة الحب الإلهي في قلبك فتحرق همومك وترضي عن محبوبك في كل ما يفعل وإذا رضيت عنه
________________________________________
تمام الرضا في الحاضر وفي الماضي فإنك سترضى عنه في المستقبل وذلك الرضا بما سيفعل بك محبوبك في المستقبل هو أول قدم لك في مقام التوكل.
هذا مثال واحد، ولو أردنا الإسهاب في إيراد الأمثلة لاحتجنا إلى مجلدات، إلا أن اللبيب بالإشارة يفهم. فالسلوك لا يؤخذ من الكتب وليس معادلات تنسخ ليطبقها المسلم بمفرده بل إن لكل حالة خصوصية وربما يكون العرض بسبب علة أخرى كما قد يكون ألم البطن بسبب التسمم أو ربما بسبب التقرح أو الأميبا أو غير ذلك.. ولا يشخص المرض إلا الطبيب الحاذق والدواء يختلف من حالة لأخرى.
أما الثاني فمستكبر يرى أن لا أحد فوقه في مراتب الإيمان وتأنف نفسه من اتباع الربانيين وأهل الإحسان. يقول في نفسه: "ما لي ولهؤلاء؟ وماذا يزيدون علي، فهم يصلون كما أصلي ويصومون كما أصوم بل ربما قمت الليل وبعضهم لا يقوم وربما علمت من علوم الظاهر ما لا يعلمون". وهذا هو ديدن ذلك المسكين لا يزن الأمور إلا بمظاهرها ولا يعلم من الدين سوى عدّ أعماله الصالحة وحسابها جمعا وضربا، جاهلا أن أكثر الأعمال قبولا عند الله هي الأعمال التي يغيب عن شهودها ولا ينظر إلى وجودها ويراها لا شيء في حضرة من برز منه الوجود وخلق النفوس وأعمالها ومن إذا عاملها بعدله أهلكها. قال ابن عطاء الله في الحكم: "الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها" وقال: "ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب." وأين بالله الزهد ممن لا يعترف أصلا بشيء اسمه علم التصوف ولا يرى أن نفسه بحاجة إلى شيخ يزكيها، فذلك ما عرف الزهد وما شم رائحته.
________________________________________
وأما الثالث فعجول متسرع يريد الوصول دون الصبر على أوامر المرشد وصحبة الذاكرين، ناسيا قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}... يقول في نفسه: "هؤلاء على خير ولكن صحبتهم ومتابعتهم ستضيع علي وقتي الذي يمكن أن أستثمره فيما هو أنفع وأسمى ولا جرم أنني إن ثابرت على ما توصلت إليه باجتهادي من منهج في الوصول إلى رضا الله فإنني سأكسب الوقت الثمين الذي يضيعه هؤلاء ولن أكون بحاجة إلى صحبة الشيخ وانتظار إذنه في كل مهمة". ولست أقول في مثل هذا سوى ما قاله الشاعر:
إذا لم يكن من الله عون للفتى*** فأول ما يقضي عليه اجتهاده
ولم يعلم المسكين أن الذكر أفضل الأعمال بإطلاق لقول سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى". فالذكر أفضل الأعمال لأنه يفضي إلى أفضل الإعمال فهو الذي يضمن لك الإخلاص في ما تعمل لنفسك وأمتك وهو الذي يضمن لك السداد والتوفيق في ذلك. وذلك أن الذكر واتباع الشيخ المرشد يجوهر القلب ويجلوه مما يشوشه من الذنوب والخواطر فيورثك الفهم عن الله لتعرف أوجه الحق في كل شيء ويهديك لما أختُلف فيه من الحق. ولذلك ترى أن هذا الصنف الثالث يكثر منه الدعاة والقادة الذين استعجلوا الثمرات وقفزوا عن مرحلة تحقيق سر الإخلاص وطهارة القلب من كل الأمراض.. فجهلوا معنى الإخلاص وخفيت عليهم آفات قلوبهم فكان ضررهم على الأمة أكبر من نفعهم.
________________________________________
إن السلوك وصحبة مشايخ التربية لا يتعارضان مع أي تخصص ولا يقفان حائلين دون أي اتجاه شرعي آخر. ولكن المسألة تتعلق بالأولويات وما هو المقدار الكافي من السلوك لكي ينطلق المؤمن بالعمل والدعوة والتعليم على بصيرة ومع تحقق سر الإخلاص في ما يعمل. بعض الناس يرى أن صلاة الجماعة وتلاوة القرآن تكفي وبعضهم يزيد على ذلك بمطالعة كتب الرقائق وبعضهم يزيد بمطالعة كتب السلوك والأخلاق كالإحياء والرسالة والحكم العطائية. وبعضهم يرى أن لا بأس ببعض الأوراد النافلة وآخرون يرون أن لا بأس بحضور بعض مجالس الذكر بين الفينة والأخرى أو المذاكرة مع شيخ صوفي بضع مرات في العمر حول الإيمان وآفات القلوب. ولكن هل هكذا تحسب الأولويات في حياة المؤمن؟! لا أظن ذلك.
البعض يرى أن الله أقامه في الاشتغال بعلم الحديث والانكباب عليه واستغراق كل الوقت فيه، وكذلك في التفسير أو علم الكلام أو الدعوة أو السعي على العيال أو غير ذلك من العلوم والأعمال النافعة في الآخرة والدنيا. ولكن من الذي قال له أن الله حقا قد أقامه في ذلك دون التزكية (أي أراد له ذلك) وأنها ليست نفسه التي أقامته في ذلك؟!
من الذي أطلعه على أن الاستغراق التام في هذا التخصصات والأعمال وإهمال علم التزكية أمر مراد له من قبل الرحمن؟ إن كان يعلم أن تزكية نفسه من أمراضها هو سبيل الفلاح (قد أفلح من زكاها) ثم يتجاوزها وكأنها من فضول الأشياء فليسأل نفسه بصدق: هل أريد أن أكون من المخلصين المفلحين أم أن مرادي من حياتي لا يتعدى تغذية النفس الأمارة بالرياسة والتميز والجاه. وإن كان لا يعلم أن تزكية نفسه من أمراضها هو سبيل الفلاح فذلك راض عن نفسه وهذا لعمرك المريض الذي يجهل مرضه.
________________________________________
والفقير يرى أن السلوك لا بد وأن يستغرق العمر كله كما علمنا مولانا العارف بالله الشيخ حسني الشريف رضي الله عنه، وخاصة في هذا الزمان، وهذا يعني السير فيه مع سائر التخصصات في آن واحد على أن تكون الأولوية دائما للسلوك إذا ما حصل إي تعارض.
وأذكر إخوتي بقول العارفين: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان" ولندع من ينكر هذه المقولة بجهله ينكرها وليسير في طريقه. وإنما نقول له: ستعلم عندما ينجلي الغبار، أفرس تحتك أم حمار.
وفي الختام دعونا نتذكر المقولة: "بذكر الصالحين تتنزل الرحمة"؛ لنورد نماذج من الصالحين المفلحين الذين أولوا التصوف وتزكية النفس كل عناية فخرجوا من هذه البوتقة هادين مهديين فكان لهم أكبر الأثر على هذه الأمة:
السلطان العادل الناصر صلاح الدين الأيوبي.
حجة الإسلام أبو حامد الغزالي.
الإمام النووي.
الإمام العز بن عبد السلام.
الحافظ السيوطي.
السلطان محمد الفاتح.
الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري.
السيد الولي أحمد البدوي.
الإمام المجاهد عز الدين القسام.
الإمام الشهيد حسن البنا.
الشيخ المجاهد عمر المختار.
الإمام الرباني عبد الحليم محمود.
الإمام المفسر محمد متولي الشعراوي.
رضي الله عنهم جميعا
{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}
والحمد لله رب العالمين
________________________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حاتم بابكر
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 11
ذكر النقاط : 21
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
الاقامة : الدامر / حي الكنوز


مُساهمةموضوع: رد: حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه   الإثنين ديسمبر 07, 2009 8:28 pm


حُسُْن التَّلَطُّفِ فِي بَيَانِ وُجُوبِ سُلُوكِ التَّصَوُّفِ
تأليف
الِْإمَامِ العَْلَّامَةِ الحَْبِْر الْبَحْرِ الفَْهَّامَةِ الْمُحَدِّثِ الْأصُُولِِّي اللُّغَوِيِّ الحافظ السَّيِّدِ عَبْدُاللهِ بنُ مُحَمَّدٍ ابْنِ
الصِّدِّيقِ الغُْمَارِيُّ الِْْإدرِيسُِّي الحَْسنيُِّ الْأشَْعَرِيُّ الشَّاذُلِيُّ الصديقي
المتوفى بطنجة عام 1413 هـ
رضي الله عنه
________________________________________
المقدمة
الحمد لله الذي منح أولياءه جزيل عطائه، ووهب أصفياءه جليل حُبائه، تجلى لهم بمظهرٍ من
مظاهر أسمائه، فتاهت عقولهم في مشاهدة عظمته وكبريائه، وطافت أرواحهم هائمةً في قدس
سنائه، وأفناهم عن أنفسهم فلم يشهدوا شيئًا سواه في أرضه وسمائه، وأشهد أن سيدنا محمدًا
عبده ورسوله أفضلُ رسلهِ وأنبيائِه، أفاض عليه مولاه من أنواع العلوم والمعارف ما تنوءُ الجبالُ
الشمُ بحمل أعبائه، صلى الله وسلم عليه صلاةً وسلامًا خالدِيْن مع خلود الدهر بَاقِيَيْنِ بعد
فنائه، ورضي الله عن آله الكرام حماة الدين الدافعين عنه بالسيف والبرهان حملِات أعدائِه.
أما بعد' فإن التصوف كبير قدره، جليل خطره، عظيم وقعه، عميم نفعه، أنواره لامعة، وأثماره
يانعة، واديه مَريع خصيب، وناديه يندو لقاصديه من كل خير نصيب، يزكي النفس من الدنس،
ويطهر الأنفاس من الأرجاس، ويرقي الأرواح إلى مراقي الفلاح، ويوصل الإنسان إلى مرضاة
الرحمن، وهو إلى جانب هذا ركن من أركان الدين، وجزء متمم لمقامات اليقين، خلاصته:
تسليم الأمور كلها لله والالتجاء في كل الشئون إليه، مع الرضا بالمقدور، من غير إهمال في
واجب ولا مقاربة لمحظور، كثرت أقوال العلماء في تعريفه، واختلفت أنظارهم في تحديده،
وذلك دليل على شُرفة اسمه ومسماه، ينبئ عن سمو غايته ومرماه.
فقيل: التصوف الجد في السلوك إلى ملك الملوك، وقيل: التصوف الموافقة للحق والمفارقة
للخلق، وقيل: التصوف ابتغاء الوسيلة إلى منتهى الفضيلة، وقيل: التصوف الرغبة إلى المحبوب
في درك المطلوب، وقيل: التصوف حفظ الوفاء وترك الجفاء، إلى غير ذلك من الأقوال التي تبلغ
نحو ألف حكاها الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية، وسئل الإمام أبو القاسم الجنيد سيد الطائفة
عن التصوف فقال: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات
البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية،
واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم في الشريعة.اه ولعل هذا القول أبلغ ما قيل في التصوف وكشف
حقيقته، ولا عجب في ذلك فهو صادر عن الإمام الجنيد رضي الله عنه.
وكما اختلفوا في التصوف اختلفوا في الصوفي ومعناه، فقال الإمام أبو علي الروذباري -وقد سئل
________________________________________
عن الصوفي: من لبس الصوف على الصفا وأطعم الهوى ذوق الجفا وكانت الدنيا منه على القفا
وسلك منهاج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وسئل الإمام سهل بن عبدالله التستري عن
الصوفي فأجاب: من صفا عن الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده
الذهب والمدر، وأنشد الإمام تقي الدين السبكي:
تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الصُّوفِِّي وَاخْتَلَفُوا ... قِدَمًا وَظَنوُّهُ مُشتَقاً منَ الصُّوفِ
وَلَسْتُ أَنحَلُ هَذَا الاسمَ غَْيرَ فَتًى ... صَافَى فَصُوفِي حَتىَّ لُقِّبَ الصُّوفِي
وهذان البيتان لأبي الفتح البُستي، وقال العلامة الشيخ محمد مَيَّارَة في شرح المرشد المعين: وفي
اشتقاق التصوف أقوال؛ إذ حاصله اتصافٌ بالمحامد وتركٌ للأوصاف المذمومة، وقيل: من
الصفاء.اهـ وقال العلامة أبو حفص الفاسي: ظهر لي أنه منسوب إلى الصوف؛ لأنه في الغالب
شعاره ودثاره، ولأن هذا اللفظ مشتمل على ثلاثة أحرف منقطعة من ثلاث كلمات دالة على
معان ثلاثة هي أوصافه المختصة به؛ فالصاد من الصفاء، والواو من الوفاء، والفاء من الفناء،
قال ابن الحاج: وقد أشرت إلى ذلك في ثلاثة أبيات فقلت:
صَفَا مَنهَْلُ الصُّوفِِّي عَنْ عِلَلِ الهَْوَى فَمَا شابَ ذَاكَ الْوَرُْد مِن نَّفْسِهِ حَظُّ
وَوَفَى بِعَهْدِ الحُْبِّ إذِْ لَم يَكُنْ لهَُ إلَِى غْيِر مْن يَهََوى الْتِفَاُت وَلا حَظُّ
مَحَتْ آيَةَ الِْإظْلَامِ شَمُْس نهَارِهِ وَقدَْ ذهََبَتْ مِنهْ الْإشَِارَة وَاللَّفْظُ
إلى غير ذلك من الأقوال التي تجدها مسطورة في كتب القوم.
(فصل)
والتصوف مبني على الكتاب والسنة كما قال الجنيد: علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة، وقال
أيضًا: الطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه إلا المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، وقال التاج ابن السبكي في جمع الجوامع: ونرى أن طريق الشيخ الجنيد وصحبه طريق
________________________________________
مقوم، قال جلال الدين المحلي في شرحه: فإنه خالٍ من البدع دائرٌ على التسليم والتفويض
والتبري من النفس، وقال سهل بن عبدالله -أحد أئمة القوم: وصولنا سبعة أشياء، التمسك
بكتاب الله سبحانه وتعالى والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكل الحلال
وكف الأذى واجتناب المعاصي والتوبة وأداء الحقوق، وقال أبو العباس أحمد الملثم -أحد أئمة
القوم: لم تكن الأقطاب أقطابًا والأوتاد أوتادًا والأولياء أولياءً إلا بتعظيمهم رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ومعرفتهم به وإجلالهم لشريعته وقيامهم بآدابه، وقال شيخ الشيوخ أبو الحسن
الشاذلي الغماري رضي الله عنه: من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم فهو مدعي، وقال أيضًا: ليس هذا الطريق بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخالة وإنما هو
بالصبر على الأوامر واليقين في الهداية قال تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا
بآياتنا يوقنون) ، وقال أيضًا: ما ثم كرامة أعظم من كرامة الإيمان ومتابعة السنة فمن أعطيهما
وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفترٍ كذاب أو ذو خطأ في العلم والصواب كمن أكرم بشهادة
الملك فاشتاق إلى سياسة الدواب، ونصوصهم في هذا المعنى كثيرة جدًا يعسر تتبعها.
وحكى العارف الشعراني في مقدمة الطبقات إجماع القوم على أنه لا يصلح للتصدر في طريق الله
سبحانه وتعالى إلا من تبحر في علم الشريعة وعلم منطوقها ومفهومها وخاصها وعامها
وناسخها ومنسوخها وتبحر في لغة العرب حتى عرف مجازاتها واستعاراتها وغير ذلك.اه
والحكمة في هذا الإجماع الذي حكاه الشعراني ظاهرة؛ لأن الشخص إذا تصدر للمشيخة
والإرشاد اتخذه المريدون قدوة لهم ومرجعًا يرجعون إليه في مسائل دينهم وغيرها فإذا لم يكن
متقناً لعلم الشرع متبحرًا فيه أَضَلَّ المريدين بفتواه فأحل لهم الحرام وحرم عليهم الحلال وهو لا
________________________________________
يشعر، وقد تعرض لأحد المريدين مسألة عويصة في الطلاق أو البيوع أو الميراث ويرجع فيها إلى
شيخه الذي لا يتقن الشرع فيفتيه بما تراءى له فيقع الشيخ والمريد في الخطأ والضلال وهما لا
يشعران، وأيضًا فأغلب البدع والخرافات إنما دخلت في الطريق بسبب المشايخ الذين تصدروا
بغير علم ونصبوا أنفسهم للإرشاد من غير أن يكونوا مستحقين لهذا المنصب الجليل ولولا ذلك
لبقي الطريق نقياً سليمًا كحاله على عهد الجنيد وبشر الحافي والحارث بن أسد المحاسبي
وأضربهم.
(فصل)
ولكون التصوف مبنياً على الكتاب والسنة دخل فيه عظماء العلماء وانضم إلى زمرة أهله فحول
من الكبراء كالحافظ أبي نعيم والإمام عز الدين بن عبد السلام والحافظ ابن الصلاح والإمام
النووي وتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين السبكي والحافظ السيوطي وغيرهم.
قال الشافعي: صحبت الصوفية فاستفدت منهم كلمتين، قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه
قطعك، وقولهم: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.اه، وتكلم أبو العباس ابن سريج
في درسه مرة بكلام حسن أعجب الحاضرين فقال: هذا ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد، وقال
شيخ الإسلام زكريا الأنصاري -وهو صوفي: إذا لم يكن للفقيه علم بأحوال القوم
واصطلاحاتهم فهو فقيه جاف، وكان الإمامُ الكبير أبو المحاسن يوسف الفاسي -أحد رجال
سلسلة الطريقة الصديقية- تلميذَ القطب الكبير سيدي عبدالرحمن المجذوب وعلى يديه فتح
عليه وصار جامعًا بين العلم والولاية، وكذلك العلامة الإمام عبدالواحد بن عاشر الأنصاري
كان تلميذًا للعارف الكبير الشيخ محمد التجيبي الشهير بابن عزيز.
قال ابن الحاج: وغالب من يشار إليه من علماء الظاهر من له تميز وشغوف ونبوغ في الحفظ
والإتقان إنما نال بمخالطة بعض العارفين كابن سريج بمخالطة الجنيد والعز ابن عبد السلام
بمخالطة أبي الحسن الشاذلي والتقي ابن العيد بمخالطة أبي العباس المرسي .اه وكذلك العلامة
________________________________________
المحقق الشيخ أحمد بن المبارك اللمطي شيخ علماء عصره كان تلميذًا للقطب الكبير سيدي عبد
العزيز الدباغ الحسني ونقل عنه من المواهب والأسرار ما أثبت بعضه في كتاب الإبريز، وهكذا
لا تجد عالًما كبيًرا ومحققًا شهيًرا إلا دخل في طريق القوم والتمس البركة من أهلها ونال الحظوة
بسبب الانتساب إليها، وهذا أمر معلوم يدركه من قرأ تراجم العلماء وتتبع سيرهم واستقصى
أخبارهم ومن لم يعرف ذلك أو لم يعتد به فهو جاهل متعنت لا اعتداد به ولا عبرة بما يقول.
(فصل)
وسلوك طريق التصوف واجب محتم لا يكمل دين المرء إلا به، وبيان ذلك من وجوه:
{الأول}أنه مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة المبينة في حديث جبريل الطويل،
ولا شك أن الدين يجب اتباعه بجميع أركانه الإيمان والإسلام والإحسان.
وجاء في إحدى فتاوى والدي رضي الله عنه في هذا الموضوع ما نصه:وأما أول من أسس
الطريقة، وهل تأسيسها بوحي؟ فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من
الدين المحمدي إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما بينها واحدًا واحدًا ديناً فقال (هذا جبريل جاء يعلمكم
دينكم)؛ فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه هو مقام الإحسان بعد تصحيح الإسلام والإيمان
ليحرز الداخل فيها والمدعو إليها مقامات الدين الثلاثة الضامنة لمحرزها والقائم بها السعادة
الأبدية في الدنيا والآخرة والضامنة أيضًا لمحرزها كمال الدين فإنه كما في الحديث عبارة عن
الأركان الثلاثة فمن أخل بمقام الإحسان الذي هو الطريقة فدينه ناقص بلا شك لتركه ركناً من
أركانه؛ ولهذا نص المحققون على وجوب الدخول في الطريقة وسلوك طريق التصوف وجوبًا
عين يا، واستدلوا على الوجوب بما هو ظاهر عقلا ونقلا ولسنا الآن بصدد بيان ذلك، وقد بين
________________________________________
القرآن العظيم من أحوال التصوف والطريقة ما فيه الكفاية، فتكلم على المراقبة والمحاسبة والتوبة
والإنابة والذكر والفكر والمحبة والتوكل والرضا والتسليم والزهد والصبر والإيثار والصدق
والمجاهدة ومخالفة الهوى والنفس وتكلم عن النفس اللوامة والأمارة والمطمئنة وعلى الأولياء
فاعرف y والصالحين والصديقين والمؤيدين وغير هذا مما يتكلم فيه أهل التصوف والطريقة
وتأمل. اهـ وهو نفيس جداً.
{الوجه الثاني}أن التصوف هو العلم الذي تكفل بالبحث عن علل النفوس وأدوائها وبيان
علاجها ودوائها لتصل إلى مرتبة الكمال والفلاح وتدخل في ضمن قوله تعالى(قد أفلح من
زكاها) ولا شك أن علاج النفس من أمراضها وأدرانها أمر يوجبه الشرع القويم ويستحسنه
العقل السليم، ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان.
{الوجه الثالث}أن التصوف عني بتهذيب الأخلاق وتزكيتها ومخالفة هوى النفس والأخذ
بعزائم الأمور والارتفاع بالنفس عن حضيض الشهوات إلى حيث تتمتع بما تورثه الطاعة من
لذة روحية تصغر بجانبها كل لذة مهما عظم قدرها.
{الوجه الرابع}أن التصوف هو خلق الصحابة والتابعين والسلف الصالح الذي أمرنا بالاقتداء
بهم والاهتداء بهديهم، وقد بين ذلك والدي رضي الله عنه في فتواه التي نقلنا منها آنفًا، فقال
عقب كلامه السابق ما نصه: وأما قولك هل لما أسست الطريقة ...إلخ، فجوابه يعلم مما قبله
فإنها إذا كانت من الدين بل وهي أشرف أركانه وكانت بوحي كما قلناه، وكان الصحابة بالحالة
التي بلغتنا عنهم تواترًا من المسارعة إلى امتثال أمر الله، كانوا بالضرورة أول داخل فيها وعامل
بمقتضاها وذائق لأسرارها وثمراتها ولهذا كانوا على غاية ما يكون من الزهد في الدنيا والمجاهدة
لأنفسهم ومحبة الله ورسوله والدار الآخرة والصبر والإيثار والرضا والتسليم وغير ذلك من
الأخلاق التي يحبها الله ورسوله وتوصل إلى قربهما وهي المعبر عنها بالتصوف والطريقة، وكما
________________________________________
كانوا رضي الله عنهم على هذه الحالة الشريفة كان أتباعهم أيضًا عليها وإن كانوا دونهم فيها
وكذلك كان أتباع الأتباع وهلم جرا إلى أن ظهرت البدع وتأخرت العمال وتنافس الناس في
الدنيا وحيت النفوس بعد موتها فتأخرت بذلك أنوار القلوب وقع ما وقع في الدين وكادت
الحقائق تنقلب.
وكان ابتداء ذلك في أواخر المائة الأولى من الهجرة ولم يزل ذلك يزيد سنة بعد سنة إلى أن وصل
ذلك إلى حالة تخوف منها السلف الصالح على الدين، فانتدب عند ذلك العلماء لحفظ هذا الدين
الشريف، فقامت طائفة منهم بحفظ مقام الإسلام وضبط فروعه وقواعده، وقامت أخرى
بحفظ مقام الإيمان وضبط أصوله وقواعده على ما كان عند سلفهم الصالح، وقامت أخرى
بحفظ مقام الإحسان وأعماله وأحواله، فكان من الطائفة الأولى الأئمة الأربعة وأتباعهم رضي
الله عنهم وكان من الطائفة الثانية الأشعري وأشياخه وأصحابه وكان من الثالثة الجنيد وأشياخه
وأصحابه، فعلى هذا ليس الجنيد هو المؤسس للطريقة لما ذكرناه من أنها بوحي إلهي؛ وإنما نسبت
إليه لتصديه لحفظ قواعدها وأصولها ودعائه للعمل بذلك عندما ظهر التأخر عنها؛ ولهذا السبب
نفسه نسبت العقائد للأشعري والفقه للأئمة الأربعة بالرغم من أن الجميع بوحي من الله تعالى
.اهـ. وهو تحقيق بالغ يعلم منه أن ما يسمى الآن تصوفًا وطريقةً لم يتجاوز ما كان عليه الصحابة
والتابعون من الأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة التي حض الله ورسوله على التخلق بها
ومدَحَا أصحابَها في غير آية وحديث.
{الوجه الخامس}أن في سلوك الطريق صحبة المشايخ الكمل والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم وقد
أمر الله بذلك في قوله تعالى (واتبع سبيل من أناب إليّّ).
قال الإمام زروق: والإنابة لا تكون إلا بعلم واضح وعمل صحيح وحال ثابت لا ينقضه كتاب
ولا سنة.
{الوجه السادس}أن سلوك الطريق ينور بصيرة الشخص ويسمو بهمته حتى لا يبقى له تعلق إلا
________________________________________
بالله ولا يكون له اعتماد إلا عليه فيصير مصون السر عن الالتفات إلى الخلق مرفوع الهمة عن
تأميلهم اكتفاء بالحق متحققًا بالحقيقة في جميع الأحوال متوسمًا بالشريعة في الأقوال والأفعال،
وهذا أعلى ما يطلب من المؤمن وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله لابن عباس: (إذا سألت
فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) وبايع الصحابة -منهم ثوبان مولاه والصديق صاحبه-
على ألا يسألوا الناس شيئًا؛ وذلك لرفع الهمة عن الخلق والاكتفاء بالالتجاء إلى الحق.
{الوجه السابع}أن في سلوك الطريق بصحبة شيخ مرشد عارف خروجًا من رعونات النفس
وحماية للمريد من كل ما يمنعه من الوصول إلى الله تعالى من أنواع الجهل والغرور ودواعي
الهوى الموقعة في ظلمة القلب وإطفاء النور؛ ولهذا قال ابن عطاء الله في لطائف المنن: شيخك هو
الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى .. شيخك هو الذي مازال يجلو مرآة قلبك
حتى تجلى فيه أنوار ربك .. نهض بك إلى الله فنهضت إليه وسار بك حتى وصلت إليه ولازال
محاذيًا لك حتى ألقاك بين يديه فزج بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك .اه وقال أيضًا:
إنما يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه فطوى عنك
شهود بشريته في وجود خصوصيته فألقيت إليه القياد فسلك بك سبيل الرشاد يُعَِّرفك برعونة
نفسك ويدلك على الجمع على الله ويعلمك الفرار عما سوى الله ويسايرك في طريقك حتى تصل
إلى الله .. يوقفك على إساءة نفسك ويعرفك بإحسان الله إليك؛ فيفيدك معرفة إساءة نفسك
الهربَ منها وعدم الركون إليها، ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبالَ عليه والقيام بالشكر
إليه والدوام على ممر الساعات بين يديه، قال: فإن قلت: فأين من هذا وصفه لقد دللتني على
أغرب من عنقاء مغرب؟!
________________________________________
فاعلم انه لا يعوزك وجود الدالين وإنما يعوزك وجدان الصدق في
أمن ] طلبهم .. جد صدقًا تجد رشدًا، وتجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى، قال الله عز وجل
فلو اضطررت إلى من ( فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم ] وقال تعالى ( يجيب المضطر إذا دعاه
يوصلك إلى الله اضطرار الظمآن إلى الماء والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من
وجود طلبك ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحق منك قريبًا
ولك مجيبًا ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجه الحق يتيسر ذلك عليك .اه
{الوجه الثامن}أن في سلوك الطريق الإكثار من ذكر الله والاستعانة بصحبة الشيخ على ذلك، ولا
( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ] شك أن الذكر يصفي القلوب ويدعو إلى اطمئنانها كما قال تعالى
وكل أمٍْر أَمَرَ الله به في القرآن جعل له ح دا وشرطًا ونهايةً إلا الذكر؛ فإن الله تعالى لم يقيده بحد
ولا شرط ولا نهاية حيث قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة
وأصيلاً).
فلهذه الوجوه التي ذكرناها وغيرها كان سلوك طريق التصوف واجباً والانخراط في سلك أهله
أمرًا لازمًا، ونحن لا ننكر أنه دخل في الطريق دخلاء أدعياء وجهلاء أغبياء .. اتخذوا الطريق
سلمًا لتحصيل أغراضهم وشهواتهم وابتدعوا فيه بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان وزعموا أنهم
أهل الحقيقة يجوز لهم ما يكون محرمًا في الشريعة وكذبوا؛ فإن الشريعة والحقيقة صنوان وما
خالفت الشريعة الحقيقة قط إلا في نظر جاهل، فمثل هؤلاء ليسوا من الصوفية في شيء .. أول
من يبرأ منهم الصوفية، ومن الظلم البين أن يعترض بعض الناس بفعل هؤلاء الجهلة ويجعله
حجة على التصوف والصوفية؛ فما التصوف إلا اتباع الكتاب والسنة وما الصوفية إلا قوم
. ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ] جاهدوا أنفسهم فهداهم الله.

تم حُسُْن التَّلَطُّفِ فِي بَيَانِ وُجُوبِ سُلُوكِ التصََّوُّفِ.
________________________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حقيقة علم التصوف واقوال العلماء فيه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::. :: المنـتـــــــدي الإسلامـــــي :: تزكيـــــــة النفــس-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
الأحد يناير 31, 2016 3:57 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» المرجع الكامل في التحكم الصناعي الكهربائي
الجمعة يناير 22, 2016 3:33 pm من طرف مصطفى المعمار

» نتيجة السروح في علم الروح
الإثنين مارس 24, 2014 9:57 pm من طرف عوض صالح

» .:: مكتبة نفيسة جداً في كل التخصصات ::.
الأحد يناير 26, 2014 12:57 am من طرف مجذوب احمد قمر

» زيارة وفد جمعية أصدقاء مرضي السكري
الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:18 pm من طرف هاني عمار

» أضخم مكتبة هندسة مدنية في العالم
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:21 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» تحميل فاير فوكس عربي فايرفوكس Download Firefox
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:04 pm من طرف غيداء وبس

» كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
الأحد يوليو 28, 2013 9:43 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» انطلاقة موقع الجامعة علي شبكة الانترنت
الأحد يوليو 21, 2013 5:38 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» .:: كتاب رؤيا النبي حق الي قيام الساعة ::.
الخميس مارس 21, 2013 1:27 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» جامعة الشيخ عبدالله البدري تهنئ الدكتور عمر عبدالله البدري
الجمعة مارس 15, 2013 3:39 am من طرف هاني عمار

» كتاب التجسيم والمجسمة للشيخ عبدالفتاح اليافعي
الخميس مارس 14, 2013 7:51 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» مجلة المديرين القطرية ( الشيخ عبدالله البدري... السوداني الملهم من الشمال)
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:11 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» امتحاننا الدور الأول للعام 2012-2013
السبت فبراير 23, 2013 3:13 pm من طرف هاني عمار

» تحميل جوجل ايرث عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:45 pm من طرف غيداء وبس

» تحميل فايرفوكس عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:30 pm من طرف غيداء وبس

»  برنامج افيرا انتى فايروس مجانى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  جوجل كروم عربى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  كلمة مولانا الشيخ عبدالله البدري راعي ومؤسس جامع الشيخ عبدالله البدري
الأربعاء يناير 02, 2013 9:13 pm من طرف هاني عمار

» وضع حجر الاساس لمباني كليات الجامعة الجديدة
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 4:31 pm من طرف هاني عمار

المواضيع الأكثر نشاطاً
مشروع تخرجي
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
ضع أي سؤال في الهندسة الكهربائية وسنأتيك بالاجابة ان شاء الله
موسوعة النساء والتوليد
حاج الماحي مادح الحبيب
موسوعة الخلفاء عبر التاريخ الاسلامي
برنامج لتقوية وتنقية صوت الحاسوب الي 10 اضعاف
هنا نتقبل التعازي في وفاة العضو بالمنتدي محمد حامد (ودالابيض)
شاركوني فرحة النجاح!!
المواضيع الأكثر شعبية
ادخل هنا للاطلاع علي جميع الوظائف المعلنة
حمل مجانا برنامج المصحف صوت وصورة للموبايل
الكتاب الشامل في الموقع(تم اعدادة من اكثر من 40 كتاب واكثر من 80 مشاركه )
ملف كامل عن ضواغط التبريد
موقع رائع فى زراعة البطاطس
صيغ C.V مهمة للخريجين
مواقع الوظـــائــف الشــاغـرة
الاحصاء الطبي في الويكيبيديا
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
اكبر مكتبة في التصوف الاسلامي علي شبكة الانترنت
copyright 2010
facebook
counter
map
Elexa