.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::.
أهلاً وسهلاً وألف مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري تفضل بالدخول ان كنت عضواً والاعليك التسجيل لكي تملك كافة صلاحية الاعضاء وتمتلك الرخصة في اضافة مواضيع جديدة او الرد علي مواضيع وهنالك المكنون فقط للمسجلين فسارع بالانضمام الينا كي تحظي بما أخفي لك ...
الادارة...


أهلاً وسهلاً بكم في منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري من أجل التواصل ، والتوادد ، والتعارف ، وتبادل الخبرات وكل ماهو مفيد وجديد ...
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا وحبيبنا محمد وعلي اله وصحبه اجمعين
اعضاء وزوار منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - الف مرحباً بكم _ حللتم اهلاً ووطئتم سهلاً...
تم انشاء هذا المنتدي بحمد الله في 14/06/2009 وتم الافتتاح بتوفيق الله سبحانه وتعالي في 11/07/2009
افتتح السيد الرئيس المشيرعمر حسن أحمد البشير الكلية ضمن حفل رسمي وشعبي في يوم 16/7/2005 ، وأمر باعتبارها الكلية التقنية الأنموذج بالســــــــودان .
زهرة حلوة أيها ابتسامة الزائر الكريم ابتسامة بعد التحية والسلام نرحب بك ترحيباً حاراً ونرجو ان تنضم الي كوكبتنا بالتسجيل والدخول لكي تملك جميع رخص الاعضاء والاطلاع علي جميع المواضيع والردود عليها وكتابة مواضيع جديدة ... ولكم منا كل الود والترحاب ... زهرة حلوة

شاطر | 
 

 الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 5:48 pm

البسمله
فاصل

سلام
فاصل


سأقدم لكم هنا كتاب كاملاً ارجو الاستفادة منه وهو :

الكتاب : الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية
المؤلف : الشيخ العلامة يوسف خطَّار محمد

منشورات منتديات دار الإيمان
فاصل


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الملك الجليل ، الذي أرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواضح البرهان والحجة والدليل، وأذل لوطأته أهل الشرك والإلحاد والأباطيل.
وبعد:
فإن الأمة الإسلامية في هذا الوقت تعيش في صراع مؤلم بين مؤيد ومنكر، وبين من يقول هذه سنة وهذه بدعة، وبهذا الصراع تركنا المهمة الأساسية ألا وهي أن يكون المسلمون صفا واحدا كما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(1)[1]).
وبهذا الصراع يتجلى في عدة مسائل لا غير ، وكأن المكتبة الإسلامية لا تحوي إلا هذه المسائل ففكرت أن أحسم هذا الأمر بشكل تام وذلك بأنني جئت بالأدلة من الكتاب والسنة حتى لا ينكر علي أحد وأقطع دابر هذا الأمر نهائيا.
وبعد ذلك نهتم بأمور المسلمين ونكون قلبا واحد كما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإن جئت بأقوال العلماء والعارفين فإنما أتيت بها على سبيل الاستئناس.
وأطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا على كلمة التقوى وأن لا نكون ألعوبة في يد أعداء الإسلام فهناك أمور كثيرة يجب محاربتها فلماذا نترك هذه الأمور الواضحة كوضوح الشم في رابعة النهار ونحارب الذاكرين المحبين لله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟؟!!
اللهم ردنا إلى ديننا ردا جميلا وبصرنا بالحقائق ونور قلوبنا وأبصارنا واجعلنا محبين للحق والحقيقة. والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (6529) واللفظ له ، وأحمد (4/268) والحميدي (919) والبيهقي (3/353) والبغوي (3459) والقضاعي (1367) والطيالسي (790) وابن حبان (233) .
(1/1)
________________________________________


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله الذي دفع الشبه والشكوك بأكف التنزيه بالعلم والتمكين وكشف لنا من النصوص خفيات المعاني وأوقفنا على المراد من تلك المباني وجعل الأداء على ذوي الإخلاص دائمة مستمرة وبشائر رضاه متجددة على أوليئاه بإعطائهم أسرار العلم ودره فأضحت قلوبهم وأرواحهم بمدده مشرقة الأوضاح متهللة الأسرة فسبحان من اطلع أنجمهم بأفق التقريب مرة بعد مرة وجعلهم يكشفون ويزيلون حجب الأغيار وشكوكهم عن بصيرهم حتى يروا النور الساطع فينظرون به حتى يصلوا إلى رضا الله عز وجل وقربه.
ونحمد الله تعالى أن جبل سجايانا في مقام الإحسان والمبرة وسخرنا لنشر عقيدة الإسلام الصحيحة والذب عنها بحجج وبراهين دامغة ساطعة ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله الذي أسمى سبحانه على الخلائق قدره وتولى في المضايق نصره وأعلى في المشارق والمغارب ذكره.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين وقدوة كاملة للمتقين وأسوة حسنة للصالحين داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فهو القدوة للعلماء العاملين والمرشدين المربين وكل من أراد الوصول لرضا رب العالمين.
ورضي الله عن آله وأصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد وفقني الله عز وجل ومن علي بإصدار كتاب (الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية) الطبعة الأولى.
وكان الهدف منه تصحيح الأفكار وإزالة الشبه والشكوك من الأذهان وجمع المسلمين كما أراد سيد بني عدنان عليه السلام.
وقد لقي الكتاب بحمد الله عز وجل وفضله وكرمه قبولا وترحيبا واستحسانا عند كثير من العلماء المخلصين الصادقين والباحثين المنصفين والمرشدين المربين الذين أعربوا عن آثار وأسرار هذا الكتاب في توضحيه أفكار أهل الصوف للأذهان خصوصا وقد تعرض لحملات عنيفة وافتراءات مغرضة ودسائس باطلة على الرغم من أن ظهور الحق واضح جدا وذلك:
(أن هذه الحملات جاءت متأخرة ولم تكن بزمن أهل التصوف فلم يثبت ولو مر واحدة أن شخصا ما اعترض على الشيخ أحمد الرفاعي أو الشيخ عبدالقادر الجيلاني أو غيرهم من العارفين والصالحين مثل هذه الاعتراضات التي في زماننا فالقاعدة الأساسية متينة جدا لأنها مبنية على الكتاب والسنة).
ورحم الله الإمام الرواس حيث قال:
وإذا الجبال تحولت عن أرضها ... عن شاننا في الله لا نتحول
وقد وردتني الرسائل العديدة والرجاءات الملحة بإعادة طبعة تعميماً للنفع وتتميما للفائدة فنزولا عند رغبة هؤلاء الصادقين عمدت لطبعة مرة ثانية وأسأل المولى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به المسلمين والحمد لله رب العالمين.
يوسف خطار محمد
(1/11)
________________________________________
التصوف
اشتقاق اسم التصوف
إن الإسلام الحقيقي هو اتباع لما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الله سبحانه وتعالى والإيمان به مع الإذعان وقد نقلت إلينا تعاليم الإسلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق صحابته الذين أخذوا عنه الشريعة وكذلك أخذها عنهم الذين تبعوهم وسموا باسم التابعين وهم الذين صحبوا من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نقلت عنهم الوراثة النبوية العلمية فأخذ عنهم تعابعو التابعين ودنوا الشريعة وتفرد بها العلماء فمنهم من تخصص بالحديث النبوي الشريف وأصبح من الحفاظ، وكذلك تفرد أناس بعلوم الآلة (النحو والصرف والبلاغة).
وتفرد بعضهم بعلم التفسير وتفرد بعضهم بعلم الفقه ، وتفرد بعضهم بعلم التربية السلوك والعمل، وقد دوت العلوم المنقولة وسميت بأسماء ومصطلحات: فسمي من اشتغل بالحديث الشريف (محدثا) ومن اشتغل بالنحو (نحويا)، ومن اشتغل بالتفسير (مفسرا)، ومن اشتغل بالفقه (فقيها)، ومن اشتغل بالتربية والسلوك في طريق الله (صوفيا).
كل هذه الأسماء لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما هي إلا مصطلحات لأسماء العلوم الشرعية التي اء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل من تسمى بواحد من هذه الأسماء وغيرها لا يخرج عن تسميته مسلما، وليس كل اسم أو وصف لم يأت في القرآن الكريم أو السنة الشريفة يحرم التسمي به بل جائز شرعا فقد سمى الله سبحانه وتعلاى المسلمين بأسماء عديدة (السابقين ، المقربين ، الصادقين ، الشهداء ، الصالحين ، الأولين ، الآخرين ، المخبتين.. ) فكل اسم ذكر له اشتقاق.
(2/1)
________________________________________
فالشهداء (من الاستشهاد في سبيل الله ) والمخبتين (من التواضع) والصادقين (من الصدق في أعمالهم وأقوالهم وسرائرهم مع الله ) وكذلك في مجال المهن في جميع الأزمنة والعصور (كالمهندس والطبيب والحداد والنجار.. الخ) وكل واحد منهم سمي بذلك نسبة لعمله وكذلك نسبة إلى القبائل والأوطان مثل سيدنا محمد عليه الصلاة واللام (القرشي المكي) وسيدنا أبي ذرك (الغفاري المكي) وسيدنا بلال (الحبشي) وسيدنا سلمان(الفارسي) وسيدنا صهيب (الرومي) وكذلك فإن اسم التصوف قد كثرت فيه الأقاويل فمنهم من قال: (من الصفاء) حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى :
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... وظنه البعض مشتقا من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى ... صفا فصوفي حتى سمي الصوفي(1)[1])
ومنهم من قال: إن التصوف نسبة إلى لبس الصوف الخشن، لأن الصوفية كانوا يؤثرون لبسه للتقشف والاخشيشان، وهو شعارهم.
* قال سيدنا الإمام الكبير أحمد الرفاعي قدس الله سره:
(قيل لهذه الطائفة الصوفية) واختلف الناس في سبب التسمية وسببها غريب لا يعرفه الكثير من الفقراء وهو أن رجلا من جماعة من مضر يقال لهم بنو الصوفة هو الغوث ابن مر بن أدبن طابخة الربيط كانت أمه لا يعيش لها ولد فنذرت إن عاش لها ولد لتربطن برأسه صوفه وتجعله ربيط الكعبة وقد كانوا يجيزون الحاج إلى أن من الله بظهور الإسلام فأسلموا وكانوا عباد ونقل عن بعضهم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن صحبهم مي بالصوفي وكذلك من صحب من صحبهم أو تعبد ولبس الصوف مثلهم ينسبونه إليهم فيقال صوفي)(2)[2]).
وقيل (من الصف): لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع همهم إليه وإقبالهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.
__________
(1) إيقاظ الهمم في شرح الحكم العطائية للعلامة ابن عجيبة: ص6.
(2) البرهان المؤيد ص 63 .
(2/2)
________________________________________
ومنهم من قال (من الصفة) لأن صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف حيث قال تعالى ?واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم?(1)[3]) وهذا يستقيم معنى لا اشتقاقا وأهل الصفة هم الرعيل الأول من رجال التصوف فقد كانت حياتهم التعبدية الخالصة المثل الأعلى الذي اتهدفه رجال التصوف في العصور الإسلامية المتتابعة.ومنهم من قال: من الصوفة لأن الصوفي مع الله تعالى كالصوفة المطروحة لاستسلامه لله تعالى .
ومنهم من قال : من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحاسن وترك الأوصاف المذمومة(2)[4]) وقيل: (من الصفوة) يعني أنهم صفوة الله من خلقه.
وقيل: كان هذا الاسم في الأصل صفوي واستثقل ذلك وجعل صوفيا ومنهم من قال: لفظ كلمة التصوف أربعة أحرف: التاء والصاد والواو والفاء . فالتاء: من التوبة ، والصاد: من الصفاء ، والواو من الولاية ، والفاء: من الفناء.
ومنهم من قال: إن مشتق من (صوفة) وذلك أن قوما كانوا في الجاهلية يقال لهم صوفة انقطعوا إلى الله تعالى وقطنوا الكعبة فمن تشبه بهم من الناس سموا بالصوفية .
وقال الإمام القشيري رحمه الله : ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر أنه كاللقب يعتبر اسم الصوفي اسما جامدا أو لقبا أطلق على هذه الطائفة يميزها عن غيرها.
وذكر المستشرق نيكلسون(3)[5]) نقلا عن المستشرق (نولدكه): منكرا أن تكون الكلمة راجعة إلى أصل يوناني أو بوذي أو غيره.. لا يوجد دليل إيجابي يرجع افتراض أن الكلمة(4)[6]) مشتقة من الأصل اليوناني ( سوفوس) في حين أن نسبتها إلى الصوف يؤيدها نصوص من أقوال الكتاب المسلمين أنفسهم ... ثم ذكر (نولد كه) طائفة من الأدلة على كلامه وأنهم كانوا يلبسون الصوف وخصوصا منهم الزهاد.
التصوف ومنشؤه
__________
(1) سورة الكهف آية 28.
(2) إيقاظ الهمم ص 6.
(3) كتابه (في التصوف الإسلامي وتاريخه ص 67).
(4) أي كلمة التصوف التي مر ذكرها و (ال) فيها للعهد الذكري.
(2/3)
________________________________________
* قال الدكتور حسن إبراهيم حسن: ومن المسائل التي شغلت أفكار المسلمين في ذلك العصر (التصوف) وذلك أن كثيرا من المسلمين الذين اشتهروا بالورع والتقوى لم يجدوا في علم الكلام ما يقنع نفوسهم المولعة بحب الله سبحانه وتعالى فرأوا أن يتقربوا اليه عن طريق الزهد والتشقف وفناء الذات في حبه تعالى ومن ثم سموا (بالمتصوفين)(1)[7]).
وأول من تسمى بالصوفي هو أبو هاشم الذي ولد في الكوفة وأمضى سواد حياته في الشام وتوفي في سنة / 150 / هـ(2)[8]) .
وغن أول من حدد نظريات التصوف وشرحها هو ذو النون المصري (245هـ) تلميذ الإمام مالك والذي شرحها وبوبها ونشرها هو الجنيد البغدادي المتوفى سنة (334هـ)(3)[9]).
ومنهم من قال: التصوف مشتق من الصوف، وقد كان يلبسه بعض العباد والزهاد الذين لا يميلون إلى الترف ، وقد وتهم في ذلك أهل الصفة الذين قال الله فيهم ?واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه?(4)[10]) .
وأثر عن سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف.
__________
(1) تاريخ الإسلام 3/220.
(2) ذكره حاجي خليفة في كشف النون عن أسماء الكتب والفنون.
(3) من كنوز الإسلام (94).
(4) 10]) سورة الكهف الآية (28).
(2/4)
________________________________________
والتصوف: لقب اصطلح الناس عليه والمراد به الشخص المسلم المتمسك بالكتاب والسنة، وممن عرف بالتصوف في الصدر الأول الإسلامي سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأنه أمة وحده يعيش وحده ويموت وحده كما أبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم سيدنا حذيفة بن اليمان وسيدنا سلمان الفارسي فقد كان يأكل من عمل يده (كان ينسج الخوص ويبيعه) ثم جاء من بعدهم الحسن البصري الذي كان يغط الناس ويرشدهم وقد ربى رجالا منهم مالك بن دينار ثم جاء بعد ذلك إبراهيم بن أدم ثم الإمام الجنيد والقشيري ثم ذو النون المصري المتوفى سنة (245هـ) والتصوف من حيث ذاته عقيدة وخلق وجهاد ودعوة ودعائمه الإسلام والإيمان والإحسان بما فيه المراقبة والمشاهدة ومتابعة (القرآن والسنة) وأهدافه التخلي عن كل رذيلة والتحلي بكل فضيلة والسلوك الملتزم بطاعة الله ورسوله وجهاد النفس وإصلاح الباطن والإيثار.
(2/5)
________________________________________
ويبدو لمتتبع هذه النحلة السامية أنها مرت بمراحل مختلفة قبل أن تتسمى بهذا الاسم المعروف فكانت أحوالها تظهر في كل مرحلة باسم معين وهكذا إلى أن استقرت باسم (التصوف) وآية ذلك أن الشيخ الأستاذ أبا القاسم القشيري يقول في رسالته الشهيرة (الرسالة القشيرية): اعلموا رحمكم الله أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا أفضلية فوقها فقد قيل (الصحابة )ولما أدرك العصر الثاني سمي من صحب الصحابة (التابعين) ورأوا ذلك أشرف تسمية ثم قيل لمن بعدهم (أتباع التابعين) ثم اختلفت وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس مم لهم شدة عناية بامر الدين (الزهاد والعباد) ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا بان منهم زهادا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم (التصوف) واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر بعد المائتين من الهجرة(1)[11]) .
__________
(1) 11]) يبدو أن هذا الاسم كان موجودا قبل المئتين بقليل لكنه اشتهر بعدها كما سيأتي.
(2/6)
________________________________________
ومما يشير أيضا إلى أن اسم التصوف رف بعد القرن الثاني للهجرة ما أورده المسعودي في تاريخه (مروج الذهب ومعادن الجواهر) عن يحيى بن أكثم أن المأمون(1)[12]) كان جالسا ذات يوم إذ دخل عليه حاجبه علي بن صالح فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب عليه ثياب بيض غلا يطلب الدخول للمنارة فقال : إنه بعض المتصوفة ومما يشهد لهذا أيضا ما ذكره الكندي في كتاب (ولاة مصر في حوادث سنة مائتين ) أنه ظهر بالاسكندرية طائفة يتسمون بالصوفية يأمرون بالمعروف هذا عن ذيوع اسم التصوف وانتشاره ولكن يبدو أن اسم التصوف كان موجودا قبل المائتين لكنه ذاع وانتشر بعد الماتي وفي ذلك يقول ابن تيمية في كتابه (الصوفية والفقراء)(2)[13]) : وأول ما ظهرت الصوفية من البصرة.
واول من بنى دويرة التصوف بعض أصحاب عبدالواحد بن زيد(3)[14]) وهو من أصحاب الحسن البصري رحمهم الله تعالى وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سار الأمصار ولهذا كان يقال، فقه كوفي وعبادة بصرية وبه يقول العلامة محمد كرد علي رحمه الله تعالى : وأول من تسمى بالصوفي في أهل السنة أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة (150) وكان من النساك يجيد الكلام وينطق الشعر كما وصفه الحفا مثل هاشم الأوقص وصالح بن عبدالله الجليل(4)[15]) ولسنا نهتم كثيرا بمصطلح الكلمة واشتقاقها بقدر اهتمامنا بمضمونها.
__________
(1) 12]) توفي المأمون سنة (218).
(2) 13]) الصوفية والفقراء ص (3 – 4.)
(3) 14]) توفي عام (177)هـ.
(4) 15]) الإسلام والحضارة العربية (2/31) لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة .
(2/7)
________________________________________
فإن شئت سم (التصوف) بالتزكية ونهي النفس عن الهوى كما قال تعالى ?وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى?(1)[16]) أو سمه الإحسان أو علم التربية والسلوك ولكن لا مرفر لنا من إطلاق اسم التصوف عليه لأنه الاصطلاح الذي تعاهده أهل التاريخ وشاع عندهم أكثر من غيره.
والعجيب أن الذين اعترضوا على أنل التصوف جاؤوا بعد القرن السادس الهجري والذين كانوا في زمان أهل التصوف المؤسسين لم يعترضوا عليهم ، بل شهدوا لهم وأكدوا أنهم على الحق والنور والهدى وشهادتهم ستكون في مضمون هذا الكتاب ليقرأها طالب الحق.
ويقول الدكتور أحمد علوش:
(قد يتسائل الكثيرون عن السبب في عدم هور هذه الدعوة إلا بعد عهد اصحابة والتابعين والجواب عن هذا: أنهلم تكن ثمة حاجة إليها في العصر الأول لأن أهل ذاك العصر كانوا أهل تقى وورع وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعتهم وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يتسابقون ويتبادرون في الاقتداء به في ذلك كله، فلم يكن ثمة ما يدعو إلى تلقينهم علما يرشدهم إلى أمر هم قائمون به فعلا وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي القح يعرف اللغة العربية بالتوارث كابرا عن كابر حتى إنه ليقرض الشعر البليغ بالسليقة والفطرة دون أن يعرف شيسئا من قواعد اللغة والإعراب والنظم والقريض ، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغ ولكن علم النحو وقواعد اللغة والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن وضعف التعبير أو لمن يريد من الأانب أن يتفهمها ويتعرف عليها أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية العلوم التي نشأت وتألفت على توالي العصور في أوقاتها المناسبة.
__________
(1) 16]) سورة النازعات الآيتان ( 40 - 41).
(2/Cool
________________________________________
فالصحابة والتابعون – وإن لم يتسما باسم المتصوفين- كانوا صوفيين فعلا وإن لم يكونوا كذلك اسما ، وماذا يراد بالتصوف أكثر من أن يعيش المرء لربه لا لنفسه ، ويتحلى بالزهد وملازمة العبودية والإقبال على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة والتابعون من حيث الرقي اروحي إلى أسمى الدرجات فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد الإيمان والقيام بفروض الإسلام بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان وزادوا على الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من نوافل العبادات وابتعدوا عن المكروهات فضلا عن المحرمات حتى استنارت بصائرهم وتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم وكذلك كان شان التابعين وتابعي التابعين وهذه العصور الثلاثة كانت أزهى عصور الإسلام وخيرها على الإطلاق وقد جاء ن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله (خير القون قرني هذا فالذي يليه والي يليه)(1)[17]) فلما تقادم العهد ودخل في حظيرة الإسلام أمم شتى وأجناس عديدة واتسعت دائرة العلوم وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص قام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يجيده أكثر من غيره فنشأ بعد تدوين النحو في الصدر الأول علم الفقه وعلم التوحيد وأصول الدين وعلوم الحديث والتفسير المنطق ومصطلح الحديث وعلم الأصول والفرائض (الميراث) وغيرها..
__________
(1) 17]) (خير الناس في قرني ثم الذين يلونهم ..) أخرجه البخاري (2009) ومسلم (2533).
(2/9)
________________________________________
وحدث بعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي يتضاءل شيئا فشيئا وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية والقلب والهمة مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هم من ناحيتهم أيضا على تدوين علم التصوف ، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم ولم يكن ذلك منهم احتجاجا على انصراف الطوائف الأخرى إلى تدوين علومهم – كما يظن ذلك – خطأ – بعض المستشرقين- بل كان سدا للنقص ن واستكمالا لحاجات الدين في جميع نواحي النشاط مما لابد منه لحصول التعاون على تمهيد أسباب البر والتقوى(1)[18]).
وقد بنى أئمة الصوفية الأولون أصول طريقهم على ما ثبت في تاريخ الإسلام نقلا عن الثقات الأعلام.
أما تريخ التصوف فيظهر في فتوى للإمام الحافظ السيد محمد صديق الغماري رحمه اله فقد سئل عن أول من أسس التصوف؟ وهل هو بوحي سماوي؟
__________
(1) 18]) مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم (1376هـ) من بحث التصوف من الوجهة التاريخة للدكتور أحمد علوش وهو من الراد الأوائل الذين نقولا حقائق التصوف الإسلامي إلى اللغات الأجنبية وقد ألف فضيلته كتابا باللغة الإنجليزية عن التصوف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تصحيح الأفكار والرد على المستشرقين كما ألف كتابه الجامع عن الإسلام الذي رد فيه على التهم المفتراة على دين الله وكان له أثره البعيد في خدمة هذا الدين.
(2/10)
________________________________________
فأجاب: (أما أول من أسس الطريقة فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما بينها واحدا واحدا دينا بقوله: (هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم)(1)[19]). وهو الإسلام والإيمان والإحسان فالإسلام ط
اعة وعبادة والإيمان نور وعقيدة والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... ).
ثم قال السيد محمد صديق الغماري في رسالته تلك : فإنه كما في الحديث الدين عبارة عن الأركان الثلاثة فمن أخل بهذا المقام (الإحسان) فدينه ناقص بلا شك لتركه ركنا من أركانه فغاية ما تدعو اليه الطريقة وتشير اليه هو مقام الإحسان بعد تصحيح الإسلام والإيمان(2)[20]).
وقال ابن خلدون في مقدمته:
(وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عن سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة مال وجاه والانفراد عن الخلق والخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف: فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة)(3)[21]).
__________
(1) 19]) أخرجه البخاري (26) ومسلم (93)، وأبو داود (4695) والترمذي (2610) والنسائي (5005)، وابن ماجه (63)، وأحمد (1/28)، وابن حبان (168)، وابن خزيمة (2504)، والبغوي (22)، والطيالسي ص (21)، وابن أبي شيبة (11/24 و 45).
(2) 20]) الانتصار لطريق الصوفية للمحدث محمد صديق الغماري ص 6 .
(3) 21]) مقدمة ابن خلدون ، علم التصوف ص (329).
(2/11)
________________________________________
ويعنينا من عبارة ابن خلدون الفقرة الأخيرة التي يقرر فيها أن هور التصوف والصوفية كان نتيجة جنوح الناس إلى مخالطة الدنيا وأهلها في القرن الثاني للهجرة فإن ذلك يدعو أن يتخذ المقبلون على العبادة اسما يميزهم عن عامة الناس الذين ألهتهم الحياة الدنيا الفانية.
فمن هذه النصوص السابقة يتبين لنا أن التصوف ليس أمرا مستحدثا جديدا ولكنه مأخوذ من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحياة أصحابه الكرام كما أنه ليس مستنبطا من أصول لا تمت إلى الإسلام بصلة كما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين وتلامذتهم الذين ابتدعا أسماء مبتكرة فأطلقوا اسم التصوف على الرهبنة البوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية فقالوا : هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي...
يريدون بذلك تشويه اسم التصوف من جهة واتهام التصوف بأنه يرجع في نشأته إلى هذه الأصول القديمة والفلسفات الضالة من جهة أخرى ولكن الإنسان المؤمن لا ينساق بتياراتهم الفكرية الماكرة ويتبين الأمور ويتثبت في البحث عن الحقيقة فيرى أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام(1)[22]).


يتبع................................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 5:56 pm

أسس التصوف
التصوف الإسلامي علم جليل الشأن ونحلة عظيمة القدر وثبت بالأدلة القوية أنه إسلامي المنشأ وبذلك أضحى موصلا للسعادة في الدنيا والآخرة وهو الدواء الذي يشفي صاحبه من أمراض النفس والمنهاج الذي يزكي النفس ويصفي الروح وهو مرآة الحياة الروحية الإسلامية التي قوامها التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل لتزكو النفس وتسمو الروح بالاتقداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام ومن أهم مقاصده خمسة أمور سنتولى شرحها وبيانها بإذن الله واحدا إثر واحد:
صفاء النفس ومحاسبتها.
قصد وجه الله .
التمسك بالفقر والافتقار.
توطين القلب على الرحمة والمحبة.
التجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإتمامها.
التفصيل:
__________
(1) 22]) حقائق عن التصوف ص (19 - 25) بتصرف يسير.
(2/12)
________________________________________
القاعدة الأولى : (صفاء النفس ومحاسبتها): ومعناها: أن كل من أراد أن يدخل في سبيل المقربين ليعد الجواب لسؤال الحق تعالى فعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله ويزن أعماله قبل أن توزن بقسطاس الآخرة ويصفي نفسه من شوائبها ووساوسها قال سيدنا عمر رضي الله عنه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا).
القاعدة الثانية: (قصد وجه الله ): ومعناها: أن المتصوف لابد أن يقصد وجه ربه في جميع أقواله وأفعاله غاسلا قلبه بماء الإخلاص لوجه الله تعالى قال الله تعالى ?واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه?(1)[23]) .
وقال عز من قائل : ?وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغعاء وجه ربه الأعلى?(2)[24]) .
القاعدة الثالثة: (التمسك بالفقر والافتقار): ومعناها الزهد في الدنيا ومتاعها عزوفا بالنفس عما يلهيها ويشغلها فإن التمسك بالفقر دليل التقشف الذي هو الآلة القاطعة حبل الوصال بين العبد والشيطان، فتتأهل النفس بالعبادة الخالصة وعدم العلو والفساد في الأرض لهذه الخصلة التي تصعد بهمم الإنسان نحو الروحانية والبعد عن كدورة الإنسانية أما الافتقار فهو تجرد المرء عن زينة الحياة الدنيا لينقطع إلى تقوى الله تعالى وأنه لا حول ولا طول الا به طالبا منه الكرم بالإمداد والتجليات وذلك هو منتهى الإقرار بالعبودية التي هي مركز التصوف وعقيدة الإيمان. وصفوة القول: أنالفقر أساس التصوف وقوامه وأن التحقق بأحوال التصوف ومقاماته مبني على الفقر والزهد فيما اشتملت عليه الدنيا من زخرف ومتاع، أي أن تكون الدنيا في يده لا في قلبه بمعنى أن يكون أغنى بما عند الله منه بما عنده.
__________
(1) 23]) سورة الكهف الآية (28).
(2) 24]) سورة الليل الآية 19 – 20 .
(2/13)
________________________________________
وقد قص علينا السهرودي في كتابه (عوارف المعارف) قصة عن ذي النون المصري رضي الله عنه جديرة بالنر والاهتمام قال ذو النون: (رأيت ببعض سواحل الشام امرأة فقلت لها : من أين أقبلت؟ فقالت: من عند أقوام ?تتجافى جنوبهم عن المضاجع?(1)[25])، فقلت لها: وأين تريدين ؟ فقالت : إلى ?رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله?(2)[26]) .
ألا يجدر بنا أن نمعن النظر في هذين الجوابين لنعلم مدى خلو قلوب القوم عن حظوظ النفس والهوى لنعلم مدى انجذابهم نحو الله تعالى وإيثارهم لما عنده بحيث أصبحت قلوبهم لا تنزع إلى الله متجردين من القيود الجسمانية التي تفسد على الإنسان حياته وتكدر صفاء نفسه وتنسي الإنسان عبوديته لله .
القاعدة الرابعة : (توطين القلب على الرحمة والمحبة): ومعناها: أنه يجب على كل صوفي أن يلزم محبة كل المسلمين ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير فإن رسخ في هذه القاعدة واستقام في التدريب عليها أفاض الله عليه أنوار الرحمة وأذاقه حلاوة الرضى وألبسه ثوب القبول فينال مما ورثه النبيون من المحبة والرضى حظا وافرا قال الله تعالى في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ?وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين?(3)[27]) .
وقال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه (لا تحقر أحدا من المسلمين فإن حقير المسلمين عند الله كبير ).
القاعدة الخامسة : (التجمل بالأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإتمامها): وهذه القاعدة زبدة الدين وحقيقة أخق الصوفيين وذلك بأن يكون العبد هينا لينا مع أهل بيته وعشيرته وجميع المسلمين قال الله تعالى ?وقولوا للناس حسنا?(4)[28]).
__________
(1) 25]) سورة السجدة الآية 16.
(2) 26]) سورة النور الآية 37.
(3) 27]) سورة الأنبياء الآية 107.
(4) 28]) سورة البقرة ا{لآية 83.
(2/14)
________________________________________
وقد ورد في الأثر : (اهل الجنة كل هين لين سهل قريب وأهل النار كل شديد قبعثري قالوا وما القبعثري؟ قال: الشديد على الأهل والصحاب والعشير) إذ ان الله تعالى يعامل عبده في وصفه وخلقه وفي الحديث القدسي: يا بان آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يارب كيف أطعمل وأنت رب العالمين قال : استطعمك عبد فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين!؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي)(1)[29]) ذلك هو الحديث القدسي الذي جمع محاسن الأخلاق وجميل الصفات بين الناس وهو القانون الإلهي الذي سلك منهاجه رجال في حياتهم الدنيوية والعملية فمن رسخت قدمه منهم في هذه المقامات صارت أحواله ومعاملاته مع الرب في كل شء فلا يراقب غير الله تعالى في حركاته وسكناته(2)[30]).
أهمية التصوف
قال الإمام السيد أحمد الرفاعي قدس الله سره:
هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره ، وظاهره ظرف باطنه ، لولا الظاهر لما بطن لولا الظاهر لما كان ولما صح القلب لا يقوم بلا جسد ، بل لولا الجسد لفسد والقلب نور الجسد .
هذا العلم (التصوف) الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب.
__________
(1) 29]) أخرجه مسلم في صحيحه (4/1990 برقم 2569).
(2) 30]) الصوفية والتصوف ص 40 – 42 .
(2/15)
________________________________________
إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويته وقتلت وسرقت وزنيت وأكلت الربا وشربت الخمر وكذب وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك ؟! وإذا عبدت الله وتعففت وصمت وصدقت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد فما الفائدة من عملك؟! ... أي حالة باطنة للمسلم لم يأمر ظاهر الشرع بعلمها؟! أي حالة ظاهرة لم يأمر ظاهر الشرع بإسلاح الباطن لها ؟!(1)[31]) .
إن الشارع أمر الإنسان بتكاليف في خاصة نفسه وترجع إلى قسمين:
قسم يتعلق بأعماله الظاهرة وقسم يتعلق بأعماله البطنة وبلفظ آخر : أحكام تتعلق باهر الجسد وأحكام تتعلق بباطن الجسد (القلب).
وأما الأعمال التي تترتب على الجسد فهي نوعان: أوامر نواه فالأوامر المفروضة هي كالصلاة والصوم والزكاة والحج... وأما لنواهي المحظورة فهي كتحريم الزنا والسرقة وشرب الخمر وحقوق العباد كافة ...
واما الأعمال التي تتربت على القلب فهي نوعان أيضا أوامر ونواه فالأوامر الفمروضة : كالإيمان بالله وملائمته وكتبه ورسله واليوم الآخر .. وكالإخلاص والتوكل والخشوع والصدق والصبر .... .
وأما الواهي المحورة فكالكفر والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء.
وهذا القسم الثاني هو المعول عليه في ديننا ألا وهو أعمال القولب لأن مبنى الأمور كلها على إخلاص النيات لرب البريات التي لا يعلم بها غيره ، فقد قرن الله سبحانه وتعالى أعمال الظاهر وسلامة الباطن فيها لأن فساد الباطن يوجب فساد الأعمال الظارة فقال: ?فمن كانه يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا?(2)[32]).
__________
(1) 31]) البرهان المؤيد : ص 122 .
(2) 32]) سورة الكهف الآية 10.
(2/16)
________________________________________
ولهذا كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ينم ملكا وتوجيها لاهتمام صحابته الكرام لإصلاح قلوبهم ويبين لهم هذا الملك وأن صلاحج الإنسان متوقف على صلاح هذا القلب وصفائه من كل الشوائب الكامنة في جنباته فقال : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)(1)[33])، لأن العمدة يوم القيامة القلب السليم كما أخبر الله سبحانه وتعالى فقال: ?يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم?(2)[34]).
وكما أخبر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن محل نظر الرب هو القلب فقال (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينر إلى قلوبكم وأعمالكم)(3)[35]).
وما فرق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظاهر صلاح الأعمال عن باطن صدق القلوب.
وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى : (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها فقال فيها الإمام الغزالي رحمه الله تعالى إنها فرض عين)(4)[36]).
(فتصفية القلب ومداواته من أهم الفرائض العينية وأهم الواجبات الربانية، وقد دل على ذلك ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال العلماء والفقهاء) .
أولا : أهميته في الكتاب:
أمر الله تعالى خلقه أن تكون جميع عباداتهم القولية والفعلية والمالية خالصة له تعالى بعيدة عن الرياء فقال: ?وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين?(5)[37])، وقد حرم الفواحش فقال: ?قل إنما حرم ربي افلفواحش ما ظهر منها وما بطن?(6)[38])، وقال تعالى: ?ولا تقربوا الفواحش ما هر منها وما بطن?(7)[39]).
__________
(1) 33]) رواه البخاري (52)، ومسلم (2523).
(2) 34]) سورة الشعراء الآية 88 – 89.
(3) 35]) أخرجه مسلم (2564).
(4) 36]) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 504.
(5) 37]) سورة البينة الآية 5.
(6) 38]) سورة الأعراف الآية 33.
(7) 39]) سورة الأعراف الآية 33.
(2/17)
________________________________________
والفواحش الباطنية كما قال المفسرون هي الحقد والرياء والحسد والنفاق... .
ثانيا: أهميته في السنة :
الأحاديث التي وردت في النهي عن الحقد والكبر والرياء والحسد كثيرة منها:
قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)(1)[40]).
ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه)(2)[41]).
وكذلك الأحاديث التي تأمر بالتحلي بالأخلاق الحسنة والمعاملة الجيدة الطيبة فقد قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم)(3)[42]).
ويقول عليه الصلاة والسلام: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)(4)[43]).
أقوال العلماء في أهمية التصوف:
أجمع العلماء على أن الأمراض والآفات القلبية من الكبائر التي تحتاج إلى توبة مستقلة لأن أمراض الباطن كافية لإحباط أعمال العبد ولو كانت كثيرة.
__________
(1) 40]) رواه البخاري (5718) ومسلم (2559).
(2) 41]) رواه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد (23) باب ما جاء فيمن يقاتل رياء.
(3) 42]) رواه الإمام أحمد في مسنده (19/76)، والمنذري في الترغيب والترهيب (3/44)، والدارمي (2/323).
(4) 43]) رواه الترمذي (1988) وأحمد (5/53 و 158و 228 و 236).
(2/18)
________________________________________
قال الفقيه العلامة الكبير ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علم الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرض عين مثل غيرها من آفات النفوس كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة القسةوة وطول الأمل ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات في الإحياء قال فيه : ولا ينفك عنها بشر فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجا اليه وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها فإن من لا يعرف الشر يقع فيه)(1)[44]).
وإن التصوف هو الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية وتزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة.
ويقول صاحب مراقي الفلاح العلامة الشرنبلالي: (لا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة وبالإخلاص والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد وتطهير القلب عما سى الله من الكونين فيعبده لذاته لا لعلة مفتقرا إليه وهو يتفضل بالمن بقضاء حوائجه المضطر اليها عطفا عليه فتكون عبدا فردا للمالك الأحد الفرد لا يسترقك شيء من الأشياء سواه ولا يستملك هواك عن خدمتك إياه)(2)[45]).
نعم كما لا يحسن بالعبد أن يظهر أمام الناس بثياب ملطخة بالإذار والأوساخ وكذلك لا يليق به أن يتحرك وقلبه مسود بالظلمات مريض بالعلل والآفات ونفسه مشوبة بالكدورات ومتعلقة بالشهوات.
__________
(1) 44]) حاشية ابن عابدين المسماة رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ج1 ص 31.
(2) 45]) حاشية الطحاوي على مراقي الفلارح شرح نور الإيضاح ص 70 -71 .
(2/19)
________________________________________
ويقول صاحب الهدية العلانية: وقد تظاهرت نصوص الشرع والإجماع على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم والكبر والعجب والرياء والنفاق وجملة الخبائث من أعمال القلوب بل السمع البصر والفؤاد فكل ذلك كان عنه مسؤولا مما يدخل تحت الاختيار(1)[46]).
وقال صاحب جوهرة التوحيد الشيخ إبراهيم اللقاني:
وأمر بعرف واجتنب نميمة ... وغيبة وخصلة ذميمة
كالعجب والكبر وداء الحسد ... وكالمراء والجدل فاعتمد
يقول شارحها عند قوله: وخصلة ذميمة أي واجتنب كل خصلةذميمة شرعا وإنما خص المصنف ما ذكره يعد اهتماما بعيوب النفس لأن بقاءها مع إصلاح الظاهر كالذي يلبس ثيابا حنة وجسمه ملطخ بالأوساخ ويكون كالعجب أيضا وهو رؤية العبادة واستعظامها كما يعجب العالم بعلمه والعابد بعبادته فهذا كله حرام ومثل العجب الرياء واللم والبغي والكبر وداء الحسد والجدل والمراء(2)[47]).
والكبر من أمراض القلوب وهو وحده يكفي لدخول النار بدليل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر »(3)[48]).
يقول ابن ذكوان في أهمية التصوف وفائدته:
علم به تصفية البواطن ... من كدرات النفس في المواطن
__________
(1) 46]) الهدية العلانية ، علاء الدين عابدين ص 315.
(2) 47]) شرح الجوهرة للباجوري ص 120 – 122 .
(3) 48]) رواه مسلم (263) والترمذي (1998) مطولا.
(2/20)
________________________________________
قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت (التصوف علم يعرف به كيفية تصيفة الباطن من كدرات النفس أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب الطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله تعالى)(1)[49]).
وللسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوة والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة وقد قيل في حقهم:
قد رفضوا الآثام والعيوبا ... وطهروا الأبدان والقلوب
وبلغوا حقيقة الإيمان ... وانتهجوا مناهج الإحسان(2)[50])
فالتصوف اهتم بالجانب القلبي واهتم أيضا بما يقابله من العبادات المالية والبدنية وسهل ورسم الطريق الحقيقي العلمي المعلي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الإيماني الخلقي ولم يقتصر فقط على قراءة أوراد وحلقات أذكار فحسب بل التصوف منهج علمي وعملي صحيح شامل كامل يحقق تغير الإنسان إلى شخصية مسلمة متكاملة مثالية وسبب نجاح الصوفية في هذه الأعمال هو حرصهم وشدة اتباعهم لسيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويوقل الإمام السيد أحمد الرفاعي قدس الله سره : (الفقير (الصوفي) على الطريق ما دام على ا لسنة فمتى حاد عنها زل عن الطريق)(3)[51]).
__________
(1) 49]) النصرة النبوية للشيخ مصطفى إسماعيل لمدني على هامش شرح الرائية للفاسي، ص 26.
(2) 50]) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية للعلامة ابن عجيبة على هامش شرح الحكم لابن عجيبة ج1 ص 105.
(3) 51]) البرهان المؤيد ص 63.
(2/21)
________________________________________
فتجلى لنا إذا بعد كل هذه الألة وبوضوح أن التصوف هو روح الإسلام وقلبه السليم وليس أعمالا ظاهرية وأفعالا شكلية لا حياة فيها ولا روح.
وبفقد روح الإسلام وجوهره وصل المسلمون إلى درك من الانحطاط والضعف لذلك هم العلماء العاملون الصادقون أصحاب المبادئ والمرشدون المربون العارفون بنصح الناس بالالتزام مع الصوفية وصحبتهم ليتحققوا بأمر الله تعالى ?اتقوا الله وكونوا مع الصادقين?(1)[52]) لكي يحظوا برضاء الله ويتذوقوا معاني الصفاء القلبي والسمو الخلقي ويتعرفوا على الله تعالى معرفة حقيقية يقينية وحظوا بمحبته ومراقبته ودوام ذكره.
قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: بعد أخ اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته (الدخول مع الصوفية فرض عين إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)(2)[53]).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : (عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهاليكن وكلما استوحشت من تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغض الطرف عن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله تعالى شيئا وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت اليهم فإنك متى التفت اليهم أخذوك وعاقوك)(3)[54]).
ولما كان هذا الطريق صعب المسالك على النفوس الناقصة فعلى الإنسان أن يجتازه بعزم وصبر ومجاهدة حتى ينقذ نفسه من بعد الله وغضبه.
ما قيل في تعريف التصوف
يقول السهروردي(4)[55]) رضي الله تعالى عنه (قال المشايخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول).
__________
(1) 52]) سورة التوبة الآية (119).
(2) 53]) النصرة النبوية على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26.
(3) 54]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة ص 7.
(4) 55]) سهرورد: كلمة مركبة من ( سهر )بمعنى أحمر بالكردية و (ورد) بمعناها العربي أي الوردة الحرماء والتركيب من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
(2/22)
________________________________________
وقال الشيخ أحمد رزوق في قواعده: وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الأفين مرجع كلها صدق التوجه إلى الله وإنما هي وجوه فيه(1)[56]).
قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني رحمه الله : التصوف ليس ما أخذ عن القيل والقال ولكن أخذ من الجوع وقطع المألوفات والمستحسنات(2)[57]).
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : التصوف هو تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه أي تخليص القلب لله تعالى واعتقاد ما سواه اعتقادات أنه لا يضر ولا ينفع فلا يعول إلا على الله فالمراد باحتقار ما ساه اعتقاد أنه لا يضر ولا ينفع وليس المراد الازدراء التنقيص(3)[58]).
وقال الشيخ ابن عطاء الله السكندري: (التصوف هو الاسترسال مع الحق).
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى : (التصوف لب الإسلام).
وقال أيضا: التصوف : هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل وأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة(4)[59]).
وقال الشبلي رحمه الله تعالى (التصوف : ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك)(5)[60]).
وقال أيضا : (التصوف هو الجلوس مع الله بلا وهم).
وقال الشيخ معروف الكرخي رحمه الله تعالى : ( التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيد الخلائق)(6)[61]).
وقال أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى (التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبية)(7)[62]).
وقال الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى (التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا .
__________
(1) 56]) قواعد التصوف – القاعدة الثانية.
(2) 57]) قواعد التصوف – القادعدة الثانية.
(3) 58]) حكايا الصوفية ص 25 – 26 .
(4) 59]) معراج التشوف إلى حقائق التصوف ص 4.
(5) 60]) معيد النعم ومبيد النقم ص 94.
(6) 61]) تاريخ التصوف الإسلامي ص 17.
(7) 62]) نور التحقيق ص 93.
(2/23)
________________________________________
وقال أيضا: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف(1)[63]).
وسئل رويم عن التصوف فقال: (التصوف هو استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد).
وقال أيضا: (التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار(2)[64]) والتحقيق بالذل والإيثار وترك التعرض للاختيار).
وقال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى : (التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع) وقال أيضا (علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر والطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ).
وقال أيضا : (علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يسمع الحديث ويجلس ويأخذ أدبه من المتأدبين أفسد من اتبعه).
وقال أيضا: (التصوف أن يختصك الله بالصفاء فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي)(3)[65]).
وقال أيضا: (التصوف حفظ الأوقات).
وقال أيضا (التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقة واستعمال من هو ألى على الأبدية النصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة)(4)[66]).
وسئل الجنيد عن التصوف فغقال: (أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء ) أي أن تعتقد أنك فقير على وجه الحقيقة لا تملك شيئا والله سبحانه وتعالى هن المالك الحقيقي.
__________
(1) 63]) شرح كلمات الصوفية ص 326 -327 .
(2) 64]) الفقر عند السادة الصوفية هو الالتجاء إلى الله تعالى والافتقار اليه.
(3) 65]) مقدمة الشيخ عبدالحليم محمود رحمه الله تعالى على كتاب (غيث المواهب العلمية فيشرح الحكم العطائية) (1/26).
(4) 66]) التعرف لمذب أهل التصوف ص 20.
(2/24)
________________________________________
وقال الشبلي رحمه الله تعالى سمعت الجنيد يقول: (التصوف أن يميتك الحق عنك ويحييك به).
وسئل أبو محمد الجريري رحمه الله عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني.
وقال الشيخ عمر بن عثمان المكي رحمه الله تعالى : (التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت).
وقال أبو الحسن ابن أبي ذر في كتابه (منهاج الدين أنشدونا للشبلي):
علم التصوف علم لانفاد له ... علم سني سماوي ربوبي
فيه فوائد للأرباب يعرفها ... أهل الجزالة والصنع الخصوصي(1)[67])
وقال الشيخ أبو حفص رحمه الله تعالى : (التصوف كله آداب لكل وقت أجب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو القبول)(2)[68]).
وقال صاحب كشف الظنون: التصوف علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم إلى أن قال:
علم التصوف علم ليس يعرفه ... إلا أخو فطنة بالحق معروف
وليس يعرفه من ليس يشهده ... وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى : (التصوف علم قصد به صلاح القلوب وإرادها لله تعالى عما سواه والفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام والأصول (علم التوحيد) لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان والطب لحف الأبدان النحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك)(3)[69]).
وقال الشيخ حسين الزيباري العلواني رحمه الله تعالى: (ينحصر التصوف في أربع كلمات : أن تنصف الناس من نفسك ولا تطلب الإنصاف منهم وأن تبدي لهم شيئك وأن تكون من شيئهم آيسا)(4)[70]).
وقال الشيخ أبو يعقوب السوسي رحمه الله تعالى : (الصوفي هو الذي لا يزعجه سلب ولا يتعبه طلب).
__________
(1) 67]) التعرف لمذهب أهل التصوف ص 101.
(2) 68]) طبقات الصوفية ص 119.
(3) 69]) قواعد التصوف -0 قاعدة 13 ص 6.
(4) 70]) المراد بالشيء: متاع الدنيا.
(2/25)
________________________________________
وقال الشيخ أبو القاسم النصر أبادي رحمه الله: (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ورؤية أعذار الخلائق والمداومة على الأوراد وترك الرخص والتأويلات).
وقال أبو جعفر الحداد رحمه الله : (التصوف هو استقامة الأحوال مع الحق).
وقال المزين رحمه الله تعالى : (التصوف هو الانقياد للحق) .
وقال الشيخ علي بن بندار رحمه الله تعالى : (التصوف هو إسقاط الخلق ظاهرا وباطنا)(1)[71]).
وسئل أبو الحسن النوري رحمه الله : ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس.
وقال الشيخ أبو القاسم جعفر بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الحق(2)[72]).
وقال السيد الشريف الجرجاني: التصوف هو وقوف مع الآداب الشرعية اهرا فيسري حكمها من الظاهر إلى الباطن وباطنا فيسري حكمها من الباطن إلى الظاهر فيحصل للمتأدب بالحكمة كمال.
وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر الباطن لنيل السعادة الأبدية(3)[73]).
وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى : (التصوف اسم حادث لمسمى قديم إذ إن مسماه لا يعدو كنونه سعيا إلى تزكية النفس من الأوضار العالقة بها عادة كالحسد والتكبر وحب الدنيا وحب الجاه وكذلك ابتغاء توجيهها إلى حب الله عز وجل والرضا عنه والتوكل عليه والإخلاص له)(4)[74]).
وقال الشيخ محمد بدر الدين الحامد رحمه الله : (التصوف هو تنقية الظاهر والباطن من المخالفات الشرعية وتعمير القلب بذكر الله تعالى وخشيته ورجائه والسير في العبادات والأعمال على النهج الشرعي طبق السنة الشريفة... ).
__________
(1) 71]) معيد النعم ومبيد النقم ص 94.
(2) 72]) طبقات الصوفية ص 511.
(3) 73]) الرسالة القشيرية ص 7.
(4) 74]) كتاب السلفية للدكتور محمد سعيد رمضان البوي ص 189.
(2/26)
________________________________________
وقال الدكتور محمد حسن الذهبي : التصوف (هو مناجاة القبلب ومحادثة الروح وفي هذه المناجاة طهر لمن شاء أن يتطهر وصفاء لمن أراد التبرأ من الرجس والدنس وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة والصعود إلى عالم الفيض والإلهام..)(1)[75]).
وقال العلامة حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق: (التصوف هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس للفضائل واقتلاع للرذائل وقمع للشهوات وتدريب على الصبر والرضا والطاعات...)(2)[76]).
وقيل إن التصوف هو :
الافتقار إلى الله تعالى .
تصفية القلوب من غير الله تعالى ، ثم الصعود بالروح إلى عالم التقديس بإخلاص العبودية للخالق المعبود والتجريد من السوى.
قلوب منكسرة بما عملت لما منه حذرت.
سخاء ووفاء وسلوك طريق المصطفى عليه الصلاة والسلام.
الرغبة في المحبوب لدرك المطلوب ثم مفارقة الأشرار ومصادقة الأخيار.
صدق في المعاملة لا تزين ولا محاولة.
بذل الروح طول مدة الحياة وتبديدها استعدادا لسكرة الممات.
رتوع القلب الهائم في مرتع العز الدائم.
جباه ساجدة وقلوب هالعة والعة.
أنس بعد بأس وسرور بعد يأس.
خوف ورهبة وأدب ورغبة.
التزام الصمت واغتنام الوقت.
عفة بالنفوس وشهامة بالرؤوس.
أرواح متعشقة وباسم الذات متحققة.
رقة وشوق وترقي وذوق.
نقاء الأفكار وسلوك الأبرار.
الموافقة للحق في مفارقة الخلق.
حسن الصحبة والقيام بحقها.
علم وحكمة وتبصرة وهداية وتربية وتهذيب وعلاج ووقاية وتقوى واستقامة وصقبر واجتهاد وفرار من فتنة الدنيا وزينتها وابتعاد.
العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى .
__________
(1) 75]) التفسير والمفسرون (2/324 - 325).
(2) 76]) السالكون إلى الله ص 15.
(2/27)
________________________________________
ثورة على التكلف ودعوة إلى التقشف ثورة على الحقد ودعمة إلى الحب ، ثورة على الجاه ودعوة إلى الله ، ثورة على الجدل ودعوة إلى لعمل ، ثورة على الظلم ودعوة إلى العلم، ثورة على الشكوى ودعوة إلى التقوى، ثورة على الشر ودعوة إلى البر، ثورة على التكبر ودعوة إلى التفكر ثورة على التملق ودعوة إلى التذوق ثورة على الكذب ودعوة إلى الصدق.
العمود الفقري للإسلام وهو طريق الأبرار الأخيار المقتبس من أعمال الصحابة الكرام فهو طريق الحق والهداية.
الصدق مع الحق وحسن الخلق مع الخلق.
لب الشريعة وروجها وثمرتها وحكمتها.
الإكباب على العمل والإعراض عن العلل.
أن تبتعد عن الكذب ما ساتطعت وإن ظننت ان فيه نجاتك وتدنو من الصدق ما استطعت وإن تيقنت أن فيه هلاكك.
حفظ حواسك ومراعاة أنفاسك.
ترك الاختيار.
الجد في السلوك إلى حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل.
أن تصفي قلبك من الأكدار وعملك من الأعذار وتخلص لله الجبار وتعلم أنه لا هادي ولا ولي ولا ناصر ولا غافر إلا الله ولا ملجأ ولا منجي منه إلا اليه.
أن تعرف ربك بالبقاء ونفسك بالفناء والبقاء الحقيقي هو بروز أوصافك المحودة والفناء الحقيقي هو سقوط أوصافك الذميمة فمن ترك أفعاله الذميمة فني عن شهاته وبالتالي بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته.
تعاليم روحية مستمدة من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام إنه مرتبة الإحسان التي أشار اليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فغن لم تكن تراه فإنه يراك»(1)[77]).
قطع الشهوات وترك الدنيا والمستحسنات والميل عن المألوفات(2)[78]).
تصفية القلب من أوضار المادة وقوامه صلة الإنسان بالخالق العظيم.
__________
(1) 77]) مر تخريج باب التصوف ومنشؤه.
(2) 78]) قطع الشهوات: أي قطع حبها عن القلب لا تركها بالكلية لأنه لا رهبانية في الإسلام.
(2/28)
________________________________________
التمسك بكتاب الل عز وجل والاقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم واكل الحلال وكف الأذى اجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق.
ما قيل في تعريف الصوفي
قال الإمام الرفاعي الكبير قدس الله سره: الصوفي من صفى سره من كدورات الأكوان، وما رأى لنفسه على غيره مزية(1)[79]).
وقال رضي الله عنه يذكر علامة الصوفي الصادق: الصوفي هو الصادق في جميع الحركات، المتقلل من المباحات والصمم عن كثير من المسموعات وأن لا يطلب المعدوم حتى يبذل المجهول والموجود(2)[80]) ويقطع الحيلة حتى لا يرى في أحواله وشدته ورخائه وتقلبه غير خالقه ومكونه وإن الفقير متى نظر إلى ما يلبس التبس عليه أمهر ومتى رأى الخلق من دونه هرت عيوبه . الفقير ابن وقته يرى كل نفس من أنفاسه أعز من الكبريت الأحمر ، يودع لكل ساعة ما يصلح لها ، ولا يضيع شيئا(3)[81]).
وقال أيضا: الصوفي لا يسلك غير طريق الرسول المكرم صلى الله عليه وآله وسلم فلا يجعل حركاته وسكناته إلا مبنية عليه.
وقال أيضا: الصوفي يتجنب مخالطة الخلق مهما أمكن لأن الصوفي كملا زاد اختلاطه بالخلق ظهرت عيوبه والتبس عليه الأمر وإذا خالط البعض فليختر لنفسه صحبة الصالحين فإن المرء على دين خليله.
وقال أيضا: الصوفي لا يصرف الأوقات في تدبير أمور نفسه لعلمه أن المدبر: هو الحق عز وجل، ولا يلجأ في أموره ولا يعول على غير الله تعالى(4)[82]) .
وقال الإمام محمد بهاء الدين الرواس قدس الله سره : الصوفي التقي: الذي لا يريد فسادا في الأرض ولا علوا ، ومن رؤية أبيه وجده وطوره ومقامه الذي يصير مع الحق أين كان ولا ينحرف عنه.
__________
(1) 79]) البرهان المؤيد ص 69.
(2) 80]) أي لا يطلب الرزق الغائب حتى ينفق الحاضر.
(3) 81]) النظام الخالص لأهل الاختصاص ص 59- 60 .
(4) 82]) حكم السيد أحمد الرفاعي ص (49 - 50) .
(2/29)
________________________________________
وقال أيضا: المتصوف المتلصص: المحجوب بزيه وأبيه وجده أو شيخه وعمله فإن ذلك من المتصنمين الذي لا خير فيهم ولا في صحبتهم والعاقبة للمتقين(1)[83]).
وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى : الصوفي إذا نطق أبان منطقه عن الحقائق وإذا سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق أي أن الصوفي بين حالتين إما أن يتكلم أو يلزم الصمت فغن تكلم لم يقل إلا حقا وإن سكت عهن الكلام نطقت جوارحه فهو مشغول بالله في الحالتين حالة نطقه وحالة سكونه(2)[84]).
وقال الشيخ بشر بن الحارث الصوفي من صفا قلبه لله.
وسئل الشيخ سهل بن عبدالله التستري من الصوفي؟ فقال: من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى نده الذهب والمدر(3)[85]).
وقال أبو تراب النخشبي: الصوفي لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء(4)[86]).
وقال الإمام الشبلي : الصوفي منقطع عن اللق متصل بالحق لقوله تعالى ?واصطنعتك لنفسي?(5)[87])، قطعه عن كل غير ثم قال لن تراني(6)[88]).
وقال أبو علي الروذباري: الصوفي من لبس الصوف على الصفا، وأذاق الهوى طعم الجفا، ولزم طريق المصطفى ، وكانت الدنيا منه على القفا(7)[89]).
__________
(1) 83]) بوارق الحقائق ص 315.
(2) 84]) في رحاب الله ص 10.
(3) 85]) المدر: قطع الطين اليابس وقيل الطين العلك الذي لا رمل فيه ( لسان العرب- مادة مادة مدر).
(4) 86]) الرسالة القشيرية ص 218.
(5) 87]) سورة طه الآية (41).
(6) 88]) تاريخ التصوف الإسلامي (16).
(7) 89]) معيد النعم ومبيد النقم ص (94).
(2/30)
________________________________________
وقال السهروردي رحمه الله تعالى : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية ولا يزال يصفي الأوقات من شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس ويعينه على كل هذا دوام افتقاره إلى مولاه فبدوام الافتقار ينقي الكدر وكلما تحركمت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها لربه فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه قال الله تعالى ?كونوا قامين بالقسط?(1)[90]) وهذه القوامية لله على النفس هي التحقق بالتصوف.
وقال النوري : نعت الصوفي:/ في السكن عند العدم والإيثار عند الوجود.
وقال الشيخ الشعراوي: الصوفي هو الذي يتقرب إلى الله بفروض الله ثم يزيدها بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام من جنس ما فرض الله وأن يكون عنده صفاء في استقبال أقضية العبادة فيكون صافيا لله والصفا هو كونك تصافي الله(2)[91]).
وقيل إن الصوفي:
الذي يعطي كل ذ1ي حق حقه جمع بين الدنيا والآخرة بظاهره توجه إلى الدنيا وبقلبه توجه إلى خالقه.
أن يكون مع الناس ببدنه ومع الله بروحه شهد المكون فغاب عن الأكوان شهد الله فغاب عما سواه فكلما ازداد الصوفي بعدا عن الخلق ازداد قربا من الخالق.
من صفت لله معاملته فصفت له من الله عز وجل كرامته.
حكيم ذو حكمة فإن لم يكن حكيما ورعا زاهدا صواما قواما فلاحظ له بهذا اللقب لأنه صفاء القلب وتزكية النفس وجهاد الهوى وأن يكون له عقل راجح وحضور وتمكن قوي من نفسه حتى لا تحكم عليه الأغراض النفسية فهو الخليفة المختار دون غيره من المخلوقين الأمين على خلق الله تعالى فلا يعدل بهم عن سنة الله فكل الموجودات بيد الإنسان أمانة عرضت عليه فحملها فغن أداها فهو الخليفة الأمين، وإن لم يؤدها فهو الظلوم الجهول ولا تطمع بأن ترى هذه الأوصاف في غير الرجال الكمل أهل التحقيق والعرفان السادة الصوفية(3)[92]).
__________
(1) 90]) سورة النساء الآية (135).
(2) 91]) أصول الوصول ص 337.
(3) 92]) حقيقة التصوف ص 3.
(2/31)
________________________________________
من كان صافيا من آفات النفس خاليا من مذموماتها(1)[93]).
الصوفي كثير الاستغفار في الليل والنهار في إقبال قلبه والإدبار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 6:00 pm

ما قيل في تعريف الصوفية
قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى : الصوفية أطفال في حجر الحق(2)[94]).
وقال ذو النون: الصوفية هم قوم آثروا الله تعالى على كل شيء فآثرهم الله على كل شيء.
وقيل لعبدالواحد بن زيد: من الصوفية عندك؟ فقال: القائمون بعقولهم على همومهم والعاكفون عليها بقلوبهم المعتصمون بسيدهم من شر نفوسهم هم الصوفية.
وقال السراج: إذا قيل لك : الصوفية من هم في الحقيقة؟ صفهم لنا فقل: هم العلماء بالله وبأحكام الله العاملون بما علمهم الله تعالى المتحققون بما استعملهم الله عز وجل(3)[95]).
وقال ذو النون: رأيت ارمأة ببعض سواحل الشام فقلت لها: من أين أقبلت رحمك الله ؟ قال: من عند قوم تتافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا قلت: وأين تريدين؟ قالت إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قلت : صفيهم لي فأنشأت تقول:
قوم همومهم بالله قد علقت ... فما لهم همم تسموا إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيدهم ... يا حسن مطلبهم للواحد الصمد
ما إن تنازعهم دنيا ولا شرف ... من المطاعم واللذات والولد
ولا للبس ثياب فائق أنق ... ولا لروح سرور حل في بلد
إلا مسارعة في إثر منزلة ... قد قارب الخطو فيها باعد الأبد(4)[96])
__________
(1) 93]) التصوف منشؤه ومصطلحاته ص 32.
(2) 94]) هذه إشارة للتسليم المطلق منهم لله عز وجل.
(3) 95]) اللمع ص (47).
(4) 96]) التعرف (ص 20 - 21).
(2/32)
________________________________________
وقيل هم الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالصحابة أهل الصفة والتابعين وتابع التابعين كالجنيد البغدادي وأقرانه إلى يومنا هذا فهؤلاء قوم قلوبهم وعزائمهم صاعدة إلى الملأ الأعلى بالشهود التوحيدي لا يستنكفون عن العبادة ولا يفترون عن الذكر فقوتهم الطاعة ومناجاتهم حب ووجد بقرب وحياة بعبادة وذوق بعلم وبسط بأنس وخلق بقرآن أي بفهم له أمناء للخلق وخزنة للسر وصفوة للخلق عملوا وتحققوا بالأخوة الروحية والقيم الإنسانية.
أهل مبادئ يعبرون عن روح القرآن وجوهر السة ورثوا أخلاقا حميدة وإيمانا خالصا بهديه عليه الصلاة والسلام فبرز النور المحمدي فيهم وانطلقت أرواحهم تجول بحب وإحساس وقرب مقدس فم أهل ذوق ووجدان ومشاهدة يترنمون بأفكارهم في تجلي الجلال والجمال والكمال حكماء ربانيون أرباب فتوة قائمون بعقولهم على همهم عاكفون عليه بقولهم معتصمون بسيدهم من شر نفوسهم فهم خير أمة أخرجت للناس.
وقيل: الصوفية هم المجتمعة على الله هممهم المتعلقة بعظمته وحكمته ألبابهم الذين لا تشهد سوى الله أسرارهم وليس إلا إليه غدوهم ورواهم فهم أحكم الناس وأعقلهم(1)[97]).
وقيل أيضا : إن اصوفية هم بقية من بقايا أهل الصفة(2)[98]).
وقيل : الصوفية أوفر الناس حظا في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحقهم بإحياء سنته والتخلق باخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حسن الاقتداء به وإحياء سنته(3)[99]).
عقيدة الصوفية
سدينا الإمام الرفاعي:
قال رضي الله عنه معرفا التوحيد: هو وجدان تعظيم في القلب يمنع من التعطيل والتشبيه.
__________
(1) 97]) المدخل إلى التصوف (ص 9).
(2) 98]) اللمع ص 47.
(3) 99]) عوارف المعارف (229).
(2/33)
________________________________________
وقال في البرهان المؤيد: صونوا قعائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، لأن ذلك من أصول الكفرن قال تعالى : ?فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله?(1)[100]) –والواجب عليكم وعلى كل مكلف في المتشابه الإيمن بأنه من عند الله أنزله على عبده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كلفنا سبحانه وتعالى تفصيل علم تأويله قال جلت عظمته: ?وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا?(2)[101]) فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالى عما دل عليه ظاهره وتفيض معناه المراد منه إلى الحق تعالى وتقدس وبهذا سلامة الدين.
وقال: أي سادة نزهوا الله عن سمات المحدثين وصفات المخلوقين وطهروا عقائدكم من تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحول تعالى لله عن ذلك. وإياكم والقول بالفوقية والسفلية والمكان واليد والعين بالجارحة والنزول بالإتيان الانتقال فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره على ما ذكر فقد جاء ي الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود فما بقي إلا ما قال صلحاء السلف وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد حكم المراد منه إلى الله ورسوله مع تنزيه الباري تعالى عن الكيف وسمات الحدوث وعلى ذلك درح الأئمة وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله ولكم حمل المتشابه على ما يوافق أصل المحكم لأنه أصل الكتاب والمشتابه لا يعارض المحكم.
__________
(1) 100]) سورة آل عمران الآية 7.
(2) 101]) سورة آل عمران الآية 7.
(2/34)
________________________________________
وقال الصوفي يتباعد عن الأوهام والشكوك ويقول بوحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله لأنه ليس كمثله شيء يعلم ذلك يقينا ليخرج من باب العلم الني وليخلع من عنقه ربقة القليد(1)[102]).
الإمام محمد مهدي بهاء الدين الشهير بالرواس:
قال رضي الله عنه يقول رجال هذه الطائفة رضي الله عنهم : الحمد لله نزمن بالله ونشهد أنه لا شريك له لا في السماء ولا في الأرض تنزه وتقدس عن أن يشاركه فيهما أحد ?لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا?(2)[103]) ونؤمن بما جاء به عن الله الأنبياء والمرسلون وننزهه في ذاته وصفاته عن النظير في الدنيا والآخرة ونقدسه عن الجهات ومجانسة الحادثات ونؤمن بكتابه كله بأنه من عنده أنزله على عبده ونرد تفصيل علم تأويله إلىه وننزهه عما دل عليه ظاهره ونفوض المعنى المراد منه اليه تعالى وتقدس ونؤمن بنبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ونشهد بأنه رسول الل وأفضل المرسلين والرحمة العامة للعالمين ونؤمن بأنه رأى ربه بعين بصره وبصيرته ?دنا فتتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى?(3)[104]) وأنه صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب بن هاشم قرشي عربي بشر فضله الله على خلقه كلهم واختاره لجنابه اصطفاه لذاته وأعطاه الوسيلة الكبرى والشفاعة العظمة وقدمه على النبيين والمرسلين في الآخرة والأولى ونعتقد أنه هو وةإخوانه النبيون والمرسلون معصومون عن الكبائر مطلقا ونبوته عليه الصلاة والسلام باقية وشريعته ناسخة ويقولون نعتقد أن الله تعلى أرسل قبل رسوله ونبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم رسلا أولهم آدم عليه السلام وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكلهم جاؤوا بالحق وتكلموا بالصدق وبلغوا الرسالة وصدقوا فيما بلغوا عن ربهم عز وجل وكل ما أنزل اليهم من
__________
(1) 102]) حكم السيد الإمام أحمد الرفاعي قدس الله سره )ص 48*.
(2) 103]) سورة الأنبياء الآية (22).
(3) 104]) سورة النجم الآية ( 8 -9).
(2/35)
________________________________________
الكتب والصحف حق وأن المعراج حق وأن الصالحين معل علو منزلتهم وقربهم من ربهم لا يسقط عنهم شيء من الفرائض والواجبات من الصلاة والزكاة والحج والصيام وغير ذلك ومن زعم أنه صار وليا وسقطت عنه الفرائض فقد كفر وإن الولي كبقلة تحت شجرة النبوة وإن البعث حق والعرض حق والحساب حق وإن الجنة ونعيمها حق والنار وعذابها حق وأهل الجنة يرون ربهم بعينهم من غير إدراك ولا إحادة ولا كيفية ولا مقابلة ولا على مكان ولا في جهة وإن قراءة الكتب حق يؤتى المؤمن كتابه بيمينه والكافر بشماله والميزان حق الصراط ق وحوض الكوثر حق الشفاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حق وشقفاعة المؤمنين حق ومحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على العموم حق وكلم على هدى وأن أبا بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته وخلافته حق وبعده خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق وبعده خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه تحق وبعده خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه عنه حق وأفضل الخلق بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين(1)[105]).
وقال رضي الله عنه : في لا إله إلا الله القول بوحدانية الواحد الأحد الفرد الصمد ألا وهو الذي لا إله إلا هو الذي لا شريك له ولا نير له ولا ند له ولا ضد له الذي يحي ويميت وهو على كل شيء قدير(2)[106]).
وقال رضي الله عنه: بويعت على تنزيه الله تعالى عن افوقية والجهة والجسم والمكان ?ليس كمثله شيء وهو السميع البصير(3)[107])?(4)[108]) .
الإمام عبدالقادر الجيلاني:
__________
(1) 105]) مسلك ناجية الفطين في مراحل السالكين للسيد محمد مهدي الرواس (ص 79- 81).
(2) 106]) المرجع السابق (ص15).
(3) 107]) سورة الشورى الآية(11).
(4) 108]) بوارق الحقائق ص 313.
(2/36)
________________________________________
قال رضي الله عنه: أخرج عن الخلق جدا واجعلهم كالباب يرد ويفتح وشجرة توجد فيها ثمرة تارة وتحيل أخرى وكل ذلك بفعل فاعل وتدبير مدبر وهو الله عز وجل فإذا صح لك هذا كنت موحدا للرب عز وجل.
ولا تنس مع ذلك كسبهم لتتخلص من مذهب الجبرية واعتقد أن الأفعال لا تتم بهم دون الله عز وجل لكيلا تعبدهم وتنسى الله ، ولا تقل فعلهم دون فعل الله فتكفر فتكون قدريا ولكن قل هي لله خلقا وللعباد كسبا كما جاءت به الآثار ، ولبيان موضع الجزاء من الثواب العقاب..(1)[109]).
الإمام الشعراني:
قال رضي الله عنه: اعلم يا أخي أن القوم أجمعوا على أن الله تعالى إله واحد لا ثاني، تنزه عن الصاحبة والولد مالك لا شريك له صانع لا مدبر معه موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده بل ك موجود مفتقر اليه في وجوده فالعامل كله موجود به وهو تعالى مطلق مستمر قائم بنفسه ليس بجوهر فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء مقدس عن الجهة والأقدار مرئي بالقلوب والأبصار استوى تعالى على عرشه كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده كما أن العرش وما حواه به استوى، له الآخرة والأولى ليس له مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول، ولا يحده زمان ولا يقله مكان، وهو الآن على ما عليه كان..، علم الأشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما هي عليه، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الأشياء أتقن الأشياء وأحكمه يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق فهو عالم الغيب والشهادة، فتعالى عما يشركون...، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه أو أن يفعلوا شيئا لم يرد الله إيجاده أو أرادوه ما فعلوه ولا استطاعوه ولا أقدرهم عليه.
__________
(1) 109]) آداب السلوك للإمام الجيلاني (ص 67- 68).
(2/37)
________________________________________
وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية كذلك نشهد لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه وأدى أمانته ونصح أمته ، ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما علمنا ومما لم نعلم(1)[110]).
الإمام الجنيد:
قال رضي الله عنه: التوحيد هو إراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته ، أنه هو الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال رضي الله عنه: التوحيد إفراد القدم عن الحدث.
الإمام القشيري:
قال رضي الله عنه: إن شيوخ هذه الطائفة بنوا عقائدهم على أحوال صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل وعرفوا ما ه حق القدم وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العد.
الشيخ حسين منصور الحلاج:
__________
(1) 110]) الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية للشعراني ( ص 20- 25).
(2/38)
________________________________________
قال رضي الله عنه: الزم الكل الحدث لأن القدم له فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه والذي بالأداة اجتماه فقواه تمسكه والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت والذي يقيمه غير فالضرورة تمسه والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي اليه ومن آواه محل أدركه أين إنه سبحانه وتعالى لا يظله فوق ولا يقله تحت ولا يقابله ولا يزاحمه عند ، ولا يحده أمام، ولم يظهره قبل، ولم يفنه بعد، ولم يجمعه كل، ولم يوجده كان، ولم يفقده ليس، وصفه لا صفة له، وفعله لا علة له، وكونه لا أمد له، تنزه عن أحوال خلقه، ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج باينهم بقدمه كما باينوه بحدثهم إن قلت متى؟ فقد سبق الوقت كونهن وإن قلت هو فالهاء والواو من خلقه وإن قلت أين فقد تقدم المكان وجوده فالحروف آياتهن ووجوده إثباته ومعرفته توحيده وتوحيده تمييزه عن خلقه ما تصور بالأوهام فهو بخلافه كيف يحل به ما منه بداه أو يعود إليه ما هو أنشأه لا تراه العيون ولا تقابله الظنون علوه من غير توقل(1)[111])،ومجيؤه من غير تنقل هو الأول والآخر والظاهر الباطن والقريب والبعيد الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
الشيخ أبو محمد سهل بن عبدالله التستري:
قال رضي الله عنه حين سئل عن الله عز وجل: ذات موصوفة بالعلم غعير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا وهو موجود في حقائق الإيمان من غير حد ولا حلول تراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكوته وقدرته لقد حجب سبحانه وتعغالى الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته.
الشيخ أبو الحسن البوشنجي:
قال رضي الله عنه: التوحيد أن تعلم أنه غير مشبه للذوات ولا منفي الصفات.
الشيخ أبو محمد الحريري:
قال رضي الله عنه: من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة التلف ومن لم يتأمل التوحيد سقط عن سنن النجاة ووقع في أسر الهلاك.
الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني:
__________
(1) 111]) وقل في الجيل: يقل صعد ورفع رجلا وأثبت أخرى
(2/39)
________________________________________
قال رضي الله عنه: جميع ما قاله المتكلمون في التوحيد قد جمعه أهل الحقيقة في كلمتين: الأولى: اعتقاد أن كل تصور في الأوهام فالله بخلافه، والثانية: أن ذاته تعالى غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات.
الشيخ أبو بكر محمد الكلاباذي:
قال رضي الله عنه: اجمعت الصوفية على أن الله واحد أحد فرد صمد عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل جواد رؤوف متكبر جبار باق أول إله سيد مالك رب رحمان رحيم مريد حكيم متكلم خالق رازق موصوف بكل ما وصف به نفسه من صفاته مسمى بكل ما سمي به فنسه لم يزل قديما بأسمائه وصفاته غير مشبه بالخلق بوجه من الوجوه لا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدثهم لم يزل سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل كل شيء لا قديم غيره ولا إله سواه ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا اجتماع له ولا افتراق لا يتحرك ولا يسكن لا ينقص ولا يزيد ليس بذي أبعاد ولا أجزاء ولا أعهضاء ولا بذي جهات ولا أماكن لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان ، لا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن لا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الأبصار.
قيل:
التوحيد: هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتا وصفات وأفعالا.
أخلاق الصوفية
ويفصل السهروردي بيان أن ما دعا اليه الصوفية من أخلاق هي نفس ما تخلق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه ودعا إليه في أحاديثه ومن ذلك:
(2/40)
________________________________________
أن من أخلاق الصوفية: التواضع وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض(1)[112])،»وكان من تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب دعوة الحر والعبد ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها ويأكلها ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
ومن أخلاقهم المداراة واحتمال الأذى من الخلق: قال رسول الهل صلى الله عليه وآله وسلم : «المؤمن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»(2)[113]).
ومن أخلاقهم الإيثار والمواساة ويحملهم على ذلك فرط الشفقة والرحمة طبعا وقوة اليقين شرعا(3)[114]) وفي هذا المعنى نزلة الآية: ?ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة?(4)[115])، ويؤثرون بالموجود ويصبرون على المفقود.
ومن أخلاقهم التجاوز والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة، وقد روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت : يا جبريل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس »(5)[116]).
__________
(1) 112]) أخرجه مسلم (7139) والبخاري في الأدب المفرد (428)، وأبو داود (4895)، والطبارني في الكبير (17/1000) وابن ماجه (4179)، وأحمد (4/162)، والنسائي في فضائل القرآن (95).
(2) 113]) أخرجه البخاري في الأدب (388)، والترمذي (2507)، وابن ماجه (4022)، وأحمد (2/42).
(3) 114]) عوارف المعارف (ص247).
(4) 115]) سورة الحشر الآية (9).
(5) 116]) عوارف المعارف ص 253 والحديث في كنز العمال (7016).
(2/41)
________________________________________
ومن أخلاقهم البشر وطلاقة الوجه، فالصوفي بكاؤه في خلوته وبشره وطلاقة وجهه مع الناس(1)[117]). وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق(2)[118])»(3)[119]) .
ومن أخلاقه من غير افتقار وترك الادخار، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى خادمه عن الادخار قائلا: «ألن أنهك أن تخبئ شيئا لغد؟ فإن الله تعالى يأتي برزق كل غد» وورد أيضا أنه قال : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا(4)[120]).»(5)[121]).
ومن أخرقهم التودد والتآلف والموافقة مع الإخوان وترك المخالفة وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»(6)[122]).
ومن أخلاقهم رضي الله عنهم غيرتهم لله تعالى: إذا انتهكت حرماته نصرة للشريعة المطهرة فكانوا لا يفعلون فعلا ولا يصحبون أحدا إلا إذا علموا رضا الله تعالى فيه، فلا يحبون أحدا ولا يبغضونه لعلة دنيوية.
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما يقول: لا يصطحب اثنان على غير طاعة الله إلا تفرقا على غير طاعة الله.
وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: إذا أحدث الرجل حدثا ولم يبغضه من زعم أنه أخوه فمحبته لغير الله إذ لو كانت لله لغضب على من عصاه.
__________
(1) 117]) عوارف المعارف ص 254.
(2) 118]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 304)، والترمذي (1970)، وقال حديث حسن، وأحمد (2/344)، وعبد ابن حميد (1090).
(3) 119]) عوارف المعارف (255ص.
(4) 120]) أخرجه البخاري (6460)، ومسلم (2424)، والترمذي (2361)، وابن ماجه (4139)، وأحمد (2/232)، وفي الزهد ص (Cool، ووكيع في الزهد (119)، وابن أبي شيبة (13/240، 241)، وابن حبان (6344)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص (268)، والبيهقي (2/150، وفي دلائل النبوة (6/87).)
(5) 121]) عوارف المعارف ص (261).
(6) 122]) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (9147) ورمز لصحته.
(2/42)
________________________________________
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: من ادعى أنه يحب عبدا لله تعالى ولم يبغضه إذا عصى الله تعالى ففد كذب في دعواه أن يحبه لله.
وقد كان مالك بن دينار رحمه الله تعالى لا يطرد الكلب إذا جلس بحذاءه ويقول: هو خير من قرين السوء (وكفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين).
وكان أحمد بن حرب رحمه الله تعالى يقول: ليس شيء أنفع لقلب العبد من مخالطة الصالحين والنظر إلى أفعالهم وليس شيء أضر على القلب من مخالطة الفاسقين والنظر إلى أفعالهم.
ومن أخلاقهم رضي الله عنهم قلة الضحك وعدم الفرح بشيء من الدنيا: بل كانوا ينقبضون بكل شيء حصل لهم من ملابسها ومراكبها ومناكحها عكس ما عليه أبناء الدنيا كل ذلك خوفا أن يكون من جملة ما عجل لهم من نعيم الآخرة وكيف يفرح بشيء من هو في السجن محبوس عن لقاء الله عز وجل فكما يحزن المحبوس عن داره وعياله ويتكدر كذلك يحزن أولياء الله تعالى على طول عمرهم وسجنهم في هذه الدار عن لقاء ربهم عز وجل.
وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى لا يراه أحد إلا ظن أنه قريب عهد بمصيبة لما يرى به من شدة الحزن والخوف.
وكان الفضيل بن عياض رحمه الهل تعالى يقول: رب ضاحك وأكفانه قد خرجت من عند القصار(1)[123]).
ومن أخرقهم رضي الله عنهم كثرة الخوف من الله تعالى أن يعذبهم على ما جنوه من مظالم نفوسهم ومالم العباد: ولو عود خلال لأحد أو إبرة يخيطون بها لاسيما إن كان أحدهم يتقل أعماله الصالحة في عينه فإنه يشتد خوفه وكربه لعدم أن يكون معه شيء من الحسنات يعطي منها الخصوم يوم القيامة ، وربما شح أحد المظلومين يوم القيامة فلا يرضى بجميع أعمال الظالم الصالحة في مظلمة واحدة من مال أو عرض أو لطمة.
__________
(1) 123]) تنبيه المغترين للشعراني (ص 47- 48).
(2/43)
________________________________________
وكان الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يقول: بلغنا أنه تاب كيال عن الكيل وأقبل على عبادة ربه عز وجل ، فلما مات رآه بعض أصحابه في منامه فقالوا له: ما فعل الله بك يا فلان؟ قال أحصى علي خمسة عشر قفيزا من أنواع الحبوب التي كنت أكتالها، فقال له : كيف ذلك؟ قال: كنت أغعفل عن تعاهد الكيل بالنقص من الغبار فيتراكم في قعره التراب، فكانت كل كيلة تنقص بقدر ما في القعر من التراب.
(وكان ميمون بن مهران رحه الله تعالى يقول: إن الرجل ليلعن نفسه في الصلاة ولا يشعر ، فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال يقرأ: ?ألا لعنة الله على الظالمين?(1)[124]) وهو قد ظلم نفسه بالمعاصي وظلم الناس بأخذ أموالهم والوقوع في أعراضهم).
وكان أحمدبن حرب رحمه الله تعالى يقول: يخرج من الدنيا أقوام أغنياء من كثرة الحسنات فيأتون يوم القيامة مفاليس من أجل تبعات الناس.
وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: لأن تلقى الله تعالى بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد.
ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم : كثرة الخوف من الله تعالى إذا ذكروا أهوال القيامة وكثرة الغشيان إذا سمعوا القرآن والذكر: وقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما قوله تعالى : ?إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما?(2)[125]) وكان وراءه حمران بن أعين فخر ميتا رضي الله عنه(3)[126]).
ومن أخلاقهم رضي الهل تعالى عنهم: تقديم أعمال الآخرة دائما علىأعمال الدنيا: فيقدم أحدهم ورده بعد صلاة الصبح على سائر مهماته كما يقدم التهجد في الليلة الباردة على نومه تحت اللحاف وعلى ذلك درج السلف الصالح كلهم رضي الله عنهم فمن أصبح وهمته الدنيا فهو خارج عن طريقهم.
__________
(1) 124]) سورة: هو الآية (18).
(2) 125]) سورة المزمل الآية (12 - 13)..
(3) 126]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (917).
(2/44)
________________________________________
وكان يونس بن عبيد رحمه الله تعالى يقول: من لم تكن عنده تسبيحة أو تهليلة واحدة خيرا من الدنيا وما فيها فهو ممن آثر الدنيا على آخرته.
وكان سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: الدنيا ابنة إبليس فمن خطبها كثر تردد أبيها اليه ، فإن دخل بها أقام عنده بالكلية قلت المراد (بخطبته الدنيا) تمنيها، و (بالدخول بها) إمساكها أي إمساك الفاضل منها عن حاجته لغير غرض شرعي فعلم أن من أراد أن إبليس لا يسكن عنده مع تزويجه ابنته فقد رام المحال ولذلك كان يتوسوس في الصلاة والوضوء والنيات كلها كثير من الناس الذين يحبون الدنيا بقلوبهم.
ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم عدم غفلتهم عن ذكر الله تعالى نوعن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس جلسوه: عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يجلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم تره/ [أي : تبعة ونقصا] يوم القيامة»(1)[127]).
وأيضا عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها(2)[128]).
وكان داود الطائي رحمه الله يقول: كل نفس تخرج من الدنيا عطشانة إلا نفس الذاكرين. وكان ثابت البناني رحمه الله تعالى يقول: (إني لأعرف متى يذكرني الله تعالى ، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا ذكرته سبحانه وتعالى ذكرني قال تعالى ?فاذكروني أذكركم?(3)[129]).
__________
(1) 127]) أخرجه أحمد (2/463) وكذا في مجمع الزوائد (16786) ورجاله رجال الصحيح وأخرجه أيضا ابن المبارك في الزهد (962).
(2) 128]) أخرجه الطبراني في الكبير (20/182) ورجاله ثقات كذا في مجمع الزوائد (10/رقم 16746) وابن السني في عمل اليوم والليلة (3).
(3) 129]) سورة البقرة الآية (152).
(2/45)
________________________________________
وكان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول: حادثوا القلوب بذكر الله فإنها سريعة الغفلة وكان وهب بن منبه رحمه الله تعالى يقول: واعجبا من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد(1)[130]).
ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم دقة قلوبهم وكثرة بكائهم: على تفريطهم في حقوق الله تعالى لعل الله أن يرحمهم.
وكان على هذا المقام الإمام أبوبكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وأبو الدرداء رضي الله عنهم.
ومن أخلاقهم رضي الله عنهم نصح بعضهم بعضا: فكان الكبير لا يتكدر من نصح الصغير له ، وبالعكس.
وكان يحيى بن معاذ يقول: ما أمر الإنسان في هذه الدار ولو طال إلا كنفس واحد في جنب عيش الجنة، ومن ضيع نفسا واحدا يعيش به عيش الأبد إنه والله من الخاسرين.
ومن أخلاقهم رضي الله عنهم شدة خوفهم من الله تعالى أن يختم لهم بسوء: فيكونوا من اللمحجوبين عنه في النار وكان أحدهم يأخذ في التفكير والحزن ححتى يغيب عن الحاضرين.
وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: أكثر ما يسلب من الناس الإيمان عند الموت وبكى سفيان الثوري مرة حتى غشي عليه فقيل له: علام تبكي؟ فقال: بكينا على الذنوب زمانا ، ونحن الآن نبكي على الإسلام – أي : خوفا أن يذهب منا. وكان موسى بن مسعود يقول: شكنا إذا جلسنا عند سفيان الثوري فكأنما نار أحاطت بنا لما نرى عليه من شدة الخوف والجزع.
وكان الفضيل بن عياض يقول: خوف العبد من الله على قدر معرفته به(2)[131]).
__________
(1) 130]) تنبيه المغترين ص (118- 119).
(2) 131]) تنبيه المغترين للشعراني ص(88- 91).
(2/46)
________________________________________
ومن أخرقهم رضي الله تعالى عنهم أن يكون أحدهم هينا لينا ينقاد للصغير كما ينقاد الجمل: وفي الحديث الذي فه الأمر بتسوية الصفوف: (وللينوا في يد إخوانكم)(1)[132])، وفي القرآن العظيم ?ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك?(2)[133]) إذا علمت ذلك فاعلم أن من جملة لين الفقراء أن أحدهم إذا دخل على جماعة يذكرون الله تعالى كذكر الأعاجم أو المغاربة أو الشناوية أو المطاوعة مثلا أن يذكر معهم كهيئتهم في الصورة بطرقة الشرعي وكذلك يوافقهم في ذكرهم الذي لقنوه حين دخلوا في الطريق من نفي أو إثبات، ولا يقول إن هذه الكيفية ليست طريقة شيخنا كما يقع في ذلك كثير من الناس، فيفوتهم الأجر مع وقوعهم في الجفاء وغلظ الطبع فالعم ذلك واعمل عليه ، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم رؤية محاسن الناس والتعامي عن مساويهم: حتى إن أحدهم لا يكاد يرى في أخيه المسلم عيبا يهجوه به أبدا ويصير الناس كلهم عنده صالحين فعلم أن الصالحين لا يعادون أحدا لفحظ نفس وإما الناس هم الذين يعادونهم حسدا وعدوانا فإن قيل: إن صاحب هذا المقام يقل نفعه لأصحابه من حيث عدم النصح والتحذير من المنكر فيصير هذا مرتكبا للمعاصي على الدوام ولا يهتدي لتحذيره عنها لعدم شهودها فيه إذا حمله على المحامل الحسنة! فالجواب أنه يهتدي للتحذير بالإلهام الصحيح بواسطة رابطته به ، أو بقياسه على نفسه ويقول: كما أني ارتكب المعاصي مثلا فكذلك أخي قد لا يخلو منها فإن ما جاز في حقي جاز في حق غيري ومعلوم عند القوم أن ذكرهم نقائص إخوانهم لا يكون إلا على وجه التحذير دون التشفي لبراءتهم من مثل هذا الفعل.
__________
(1) 132]) قطعة من حديث مطلعه (أقيموا الصفوف) أخرجه أبو داود (166)، والنسائي: ( 820)، وأحمد في المسند (2/97).
(2) 133]) سورة آل عمران الآية(159).
(2/47)
________________________________________
ومن أخرقهم رضي الله تعالى عنهم : كثرة أدبهم مع من علمهم سورة أو آية من القرآن وهم أطفال: فلم يزل أحدهم يتأدب مع من علمه السورة أو الآية أو الباب من العلم حتى إنه لا يقدر يمر عليه راكبا ولا يتزوج له مطلقة ولو صار من مشايخ الإسلام(1)[134]).
فأخلاق أهل التصوف كثيرة جدا وما هي إلا صورة عن أخلاق سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم الذي وصفه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله ?وإنك على خلق عظيم?(2)[135]).
أقوال الأئمة والعلماء في التصوف
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى(3)[136]): صحبت الصوفية فاستفدت منهم ثلاث كلمات:
قولهم: الوقت سيف إذا لم تقطعه قطعك.
وقولهم: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وقولهم: العدم عصمة(4)[137]).
وقال أيضا: حبب إلي من دنياكم ثلاث: ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف والاقتداء بطريق أهل التصوف(5)[138]).
الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال:
(أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي وهو من داود الطائي ، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله)(6)[139]).
الإمام مالك رحمه الله تعالى:
__________
(1) 134]) تنبيه المغترين للشعراني (ص 100- 104).
(2) 135]) سورة القلم الآية 4.
(3) 136]) الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي في مصر سنة 204هـ
(4) 137]) تأييد الحقيقة العلية للإمام جلال الدين السيوطي ص 15.
(5) 138]) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للإمام العجلوني المتوفي سنة 1662هـ، ج/ ص 341.
(6) 139]) الدر المختار ج1 – ص 43 وعليه حاشية ابن عابدين.
(2/48)
________________________________________
يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى : (من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق)(1)[140]).
الإمام أحمد رحمه الله تعالى :
كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى(2)[141]) قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبدالله رحمه الله تعالى : (يا ولدي عليك بالحديث وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية فإنهم ربما كان أحدهم جاهلا بأحكام دينه فلما صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي وعرف أحوال القوم أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة)(3)[142]).
وكان الإمام أحمد بن حنبل مع جلالة قدره إذا توقف في مسألة يقول أبي حمزة البغدادي رضي الله عنه: ما تقول في هذه المسألة يا صوفي؟ فمهما قال له اعتمده.
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى عن إبراهيم بن عبدالله العلاني رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال عن الصوفية (لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل إنهم يستحيون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة... )(4)[143]).
ابن تميمية رحمه الله تعالى :
__________
(1) 140]) حاشية العلامة علي العدوي على شرح الإمام الزرقاني في الفقه المالكي ج3 ص 95 وشرح عين العلم وزين الحلم للإمام ملا علي القاري المتوفي 114هـ ج1 ص 33 والإمام مالك رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 179هـ في المدينة المنورة.
(2) 141]) الإمام أحمد رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 241هـ.
(3) 142])تنوير القلوب ص 405 للعلامة الشيخ أمين الكردي المتوفي سنة 1332هـ.
(4) 143]) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ج1 ص 120.
(2/49)
________________________________________
تحدث أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة في الجزء العاشر من مجموع فتاويه فقال: فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي، والسري السقطي ، والجنيد بن محمد ، وغيرهم من المتقدمين ومثل الشيخ عبدالقادر الجيلاني والشيخ حماد والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين فلا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يجرخ عن الأمر والنهي الشرعيين بل علهي أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وهذا كثير في كلامهم(1)[144]).
ويصفهم أيضا بانهم من أكمل صديقي زمانهم(2)[145]).
ويقول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد عن الصوفية:
أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء (الصوفية) ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء ولكهم رضوا أن يكونا لهم أولياء وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء فكثير منهم نال حظه من الأنس بما يقارب تلك الحال في النوع أو الجنس لهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع فهم لذلك لا يستبعدون شيئا مما يحدث به عن الأنبياء صلوات الله ولامه عليهم ومن ذاق عرف ومن حرم انحرف ودليل صحته ما يتحدثون به ومنه ظهور الأثر الصالح منهم وسلامة أعمالهم مما يخالف شرائع أنبيائهم وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح أو يمجه الذوق السليم.
وقال أيضا فيما يرويه تلميذه محمد رشيد رضا عنه في كتاب (تاريخ الأستاذ الإمام) ص 928، لا يوجد في أمة من الأمم من يضاهي الصوفية في علم الأخلاق وتزكية النفوس وإنه بضعف هذه الطبقة وزوالها فقدنا الدين وكل ما أنا فيه من نعمة في ديني أحمد الله فسببها الصفوية ؟
__________
(1) 144]) مجموع فتاوي أحمد بن تيمية ج1 س516 – 517.
(2) 145]) الفتاوي (11/ 17).
(2/50)
________________________________________
ويقول تلميذه محمد رشيد رضا في الكتاب السابق ذكره ص 126 وقد بينا في أول الفصل أن الأستاذ الإمام رحمه الله قد ربى تربية صوفية وأنه كان صوفيا صفيا خفيا وأنه كان يرى وجوب كتمان كل ما يؤتاه المرء من ثمرات التصوف وإن كان مع الناس فيما يشاركهم فيه من الصفات والأحوال.
تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى :
وقال الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في كتابه معيد النعم ومبيد النقد تحت عنوان (الصوفية) حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعبا ناشئا عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها إلى أن قال وإنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة .. ثم تحدث عن تعاريف التصوف إلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجي الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي الله عنهم وعنا بهم(1)[146]).
الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى:
قال العلامة الكبير والمفسر الشهير الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين : (الباب الثامن في أحوال الصوفية: اعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة لم يذكر الصوفية وذلك خطأ لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية وهذا طريق حسن.. وقال أيضا: والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية ويجتهدون أن لا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل وهؤلاء هم ير فرق الآدميين)(2)[147]).
الإمام الشاطبي رحمه الله
__________
(1) 146]) كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص 119، للإمام تاج الدين عبدالوهاب السبكي المتوفي سنة 771هـ
(2) 147]) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإمام فخر الدين الرازي ص 72 – 73 توفي سنة 606هـ.
(2/51)
________________________________________
ذكرت مجلة المسلم ، العشيرة المحمدية(1)[148]) تحت عنوان (الإمام الشاطبي(2)[149])) صوفي سلفي للسيد أبي التقي أحمد خليل: كتاب الاعتصام من الكتب التي يعتبرها المتسلفة مرجعا أساسيا لبعض آرائهم ويرون في الشيخ أبي إسحاق الشاطبي إماما لهم وقد عقد الإمام الشاطبي في كتابه هذا فصولا كريمة عن التصوف الإسلامي وأثبت أنه من صميم الدين وليس هو مبتدعا ووفي المقام هناك بما تسلم له العقول والقلوب فاستمع إلى الإمام الشاطبي يقول:
إن كثيرا من الجهال يعتقدون في الصوفية أنهم متساهلون في الاتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوابه : فأول شيء بنوا عليه طريقهم اتباع السنة واجتناب ما خالفها حتى زعم مذكرهم وحافظ مأخذهم وعمود نحلتهم أبو القاسم القشيري أنهم إنما اخصتوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البد فذكر أن المسلمين بعد رسول الهل صلى الله عليه وآله وسلم لم يسم أفاضلهم في عصرهم باسم علي سوى الصحبة إذ لا فضيلة فوقها ثم سمي من يليهم التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين: الزهاد والعباد قال ثم ظهرت البدع وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله، والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف، فتأمل تغنم والله أعلم.
ابن خلدون رحمه الله تعالى:
__________
(1) 148]) مجلة المسلم ، العشيرة المحمدية ، عهدد ذي القعدة سنة 1373هـ
(2) 149]) الشاطبي هو إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المتوفى سنة 790هـ.
(2/52)
________________________________________
وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى في كلامه عن علم التصوف: هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة فيالملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الحصابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف ، فلما فشي الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح النا إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية(1)[150]).
العلامة الشريف الجرجاني في (التعريفات) ص 52:
يقول : التصوف مذهب كله جد فلا يخلطونه بشيء من الهزل وهو تصفية القلب عن مواقف البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد صفات البشرية ومجانبة الدعاوي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بعلوم الحقيقة واستعمال ما هو أولى على السرمدية والنصح لجميع الأمة والوفاء لله تعالى على الحقيقة واتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشريعة.
الإمام أبو حامد الغزالي:
__________
(1) 150]) مقدمة ابن خلدون ص 328 وهو عبدالرحمن ابن الشيخ أبي بكر محمد بن خلدون الحضرمي توفي 808هـ.
(2/53)
________________________________________
يقول الإمام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) بعد أن فرغ من علوم الشريعة بكتاب (الأربعين) وعلوم الفلسفة القديمة بكتاب (مقاصد الفلاسفة) وكذلك التاهفت يقول واصفا التصوف والصوفية: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية ، وعلمت أن طريقهم إنما يتم بعلم وعمل، وكان حاصل ععلمهم قطع عقبات النفس والنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب من غير الله تعالى وتحليته بذكر الله وكان حينئذ العلم أيسر علي من اغلعمل فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي وغير ذلك من كلام مشايخهم حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، حصلت على ما يمكن أن يحصل المرء من طريقتهم بالتعليم والسماع فظهر لي أن أخص خصائصهم لا يمكن الوصول اليه بمجرد العلم بل بالذوق والحال، وتبدل الصفات ، فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال.
والقدر الذي أذكره لينتفع به هو أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى.
(2/54)
________________________________________
وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخرقهم أزكى الأخرلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا وإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به، فأيقنت أنهم الفرقة الناجية ومذا يقول القائلون في طريقة أول شروطها: تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، وعمادها ومفتاحها الجاري منها مجرى الإحرام في الصلاة: استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله(1)[151]).
الإمام القشيري رحمه الله تعالى:
وقال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثا عن الصوفية: جع الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره فهم الغياث للخلق والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق صفاهم من كدورات البشرية ورقاهم إلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية ووفقهم للقيام بآلآداب العبودية وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف ثم رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانسكار ولم يتكلموا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال علما منهم بانه جل وعلا يفعل ما يريد ويختار من يشاء من العبيد لا يحكم عليه خلق ولا يتوجه عليه لمخلوق حق ثوابه ابتداء فضل وعذابه حكم بعدل وأمره قضاء فصل(2)[152]).
العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى :
__________
(1) 151]) المنقذ من الضلال للإمام الغزالي تحقيق الدكتور عبدالرحيم محمود ص (145).
(2) 152]) الرسالة القشيرية للإمام القشيري ص 2.
(2/55)
________________________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 6:08 pm

قال سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله تعالى : قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تنهدم دنيا وأخرى وقعد غيرهم على الرسوم ومما يدلك على ذلك ما يقع على يد القوم من الكرامات وخوارق العادات فإنه فرع عن قربات الحق لهم ورضاه عنهم ولو كان العلم من غير عمل يرضي الحق تعالى كل الرضى لأجرى الكرامات على أيدي أصحابهم ولو لم يعملوا بعلمهم هيهات هيهات(1)[153]).
الإمام ابن عابدين
وتحدث خاتمة المحققين العلامة الكبير والفقيه الشهير الشيخ محمد أمين المشهور بابن عابدين رحه الله تعالى في كتابه المسمى مجموعة رسائل ابن عابدين الرسالة السابعة (شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل) عن البدع الدخيلة على الدين مما يجري في المآتم والختمات من قبل أشخاص تزيوا بزي العلم وانتحلوا اسم الصوفية ثم استدرك الكلام عن الصوفية الصادقين حتى لا يظن أنه يتكلم عنهم عام فقال:
(ولا كلام لنا مع الصُّدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلردية، فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواما يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحوه فإنهم قوم قطعت الطريق أكبادهم ومزق النصب فؤادهم وضاقوا ذرعا فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مدااة لحالهم ولو ذقت مذاهقم عرتهم في صياحهم.. وبمثل ما ذكره الإمام الجنيد أجاب العلامة النحرير ابن كمال باشا لما استفتي عن ذلك حيث قال:
ما فيا لتواجد إن حققت من حرج ... ولا التمايل إن أخلصت من باس
فقمت تسعى على رجل وحق لمن ... دعاه مولاه أن يسعى على الرأس
__________
(1) 153]) نور التحقيق للشيخ حامد صقر ص 96.
(2/56)
________________________________________
للرخصة فيما ذكر من الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال فهم لا يستمعون إلا من الإله ولا يشتاقون إلا له إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا وإن وجدوه صاحوا وإن شهدوه استراحوا وإن سرحوا في حضرات قربه ساحوا إذ غلب عليهم الوجد بغلباته وشربوا من موارد إرادته فمنه من طرقته طوارق الهيبة فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب ومنهم من طلع عليهم الحب من مطلع القرب فسكر وغاب هذا ما عن لي في الجواب والله أعلم بالصواب.
وأيضا فإن سماعهم ينتج المعارف الإلهية والحقائق الربانية ولا يكون إلا بوصف الذات العلية والموعظة الحكيمة والمدائح النبوية .
ولا كلام لنا أيضا مع من اقتدى بهم ، وذاق من مشربهم ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام وسيأتي الكلام عن أدلة جواز الحركة في الذكر في بابها الاص بها إن شاء الله تعالى .. الخ(1)[154]).
محمد الحامد رحمه الله تعالى:
يقول فضيلة الشيخ الحموي محمد الحامد رحمه الله فيما نقله لنا صاحب كتاب: (المحامد من حياة الشيخ محمد الحامد): اعلم أن التصوف هو تنقية الظاهر والباطن من المخالفات الشرعية، وتعمير القلب بذكر الله تعالى وخشيته ورجائه والسير في العبادات والأعمال على النهج الشرعي طبق السة الشريفة وخلافا للبدعة السيئة التي يحظر الإسلام التلبس بها.
الدكتور أبو الوفا التفتازاني:
يقول فضيلة الدكتور أبو الوفا التفتازاني في كتابه (مدخل إلى التصوف الإسلامي):
ليس التصوف هروبا من واقع الحياة كما يقول خصومه وإنما هو محاولة الإنسان للتسلح بقيم روحية جديدة تعينه على مواجهة الحياة المادية ، وتحقق له التوازن النفسي حتى يواجه مصاعبها ومشكلاتها.
__________
(1) 154]) الرسالة السابعة شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل ص (172 - 173)، للفقيه الكبير ابن عابدين المتوفى سنة 1252هـ.
(2/57)
________________________________________
وفي التصوف الإسلامي من المبادئ الإيجابية ما يحقق تطور الجتمع إلى الأمام فمن ذلك أه يؤكد على محاسبة الإنسان لنفسه باستمرار ليصحح أخطاءها ويكملها بالفضائل ويجعل فطرته إلى الحياة معتدلة فلا يتهالك على شهواتها وينغمس في أسبابها إلى الحد الذي ينسى فيه نفسه وربه فيشقى شقاء لا حد له. والتصوف يجعل من هذه الحياة وسيلة لا غاية وبذلك يتحرر تماما من شهواته وأهوائه بإرادة حرة.
الشيخ محمد أبو زهرة:
نحن في عصرنا هذا أشد الناس حاجة إلى متصوف بنظام التصوف الحقيقي وذلك لأن شبابنا قد استهوته الأهواء وسيطرت على قلبه الشهوات.. وغذا سيطرت الأهواء والشهوات على جيل من الأجيال أصبحت خطب الخطباء لا تجدي وكتابة الكتاب لا تجدي ومواع الوعاظ لا تجدي وحكم العلماء لا تجدي وأصبحت كل وسائل الهداية لا تجدي شيئا.
إذا لابد لنا من طريق آخر للإسلاح هذا الطريق أن نتجه إلى الاستيلاء على نفوس الشباب وهذا الاسيتلاء يكون بطريق الشيخ ومريده بحيث يكون في كل قرية وفي كل حي من أحياء المدن وفي كل بيئة علمية أو اجتماعية رجال يقفون موقف الشيخ الصوفي من مريديه.
إن العلاقة بين المريد والشيخ ، وبين مراتب هذا المريد هي التي يمكن أن تهذب وأن توجه.
يقول الشاطبي في كتابه (الموافقات) إن بين المعلم والمتعلم روحانية تجعله ينبطع بفكره وينطبع بكل ما يلفته من معلومات نحن بحاجة إلى هؤلاء الذي يستهون الشباب ليصرفوهم عن هذا الهوى الماجن ويوجهوهم(1)[155]).
الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى:
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي فيما يرويه لنا كتاب (أصول الأصول) للشيخ زكي إبراهيم ص 177:
__________
(1) 155]) ملة لواء الإسلام، العدد الثاني شبعان 1379هـ الموافق 1960م ندوة لواء الإسلام، التصوف في الإسلام.
(2/58)
________________________________________
.. الصوفي يتقرب إلى الله بفروض الله ، ثم يزيدها بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام من جنس ما فرض الله وأن يكون عنده صفاء في استقبال أقضية العبادة فيكون صافيا لله والصفاء هو كونك تصافي الله فيصافيك الله.
والتصوف رياضة روحية لأنها تلزم الإنسان بمنهج تعبدي لله فوق ما فرضه.. وهذه خطوة نحو الود مع الله ..
وهكذا يمن الله تعالى على هؤلاء المتصوفين ببعض العطاءات التي تثبت لهم أنهم على الطريق الصحيح نتلك العطاءات هي طرق ناموس ما في الكون ويكون ذلك على حسب قدر صفاء المؤمن فقد يعطي الله صفحة من صفحات الكون لأي إنسان فيبنئه به أو يبشره به ليجذبه إلى جهته .
وعندما يدخل الصوفي في مقامات متعددة وجئنا بمن لم يتريض ولم يدخل في مقامات الود وحدثناه بها فلا شك أنه يكذبها ولكن تكذيبها دليل حلاوتها.
والمتصوف الحقيقي يعطيه الله أشياء لا تصدقها عقول الآخرين ولذلك فعليه أن يفرح بذلك ولا يغضب من تكذيب الآخرين له.
أبو الحسن الندوي:
يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي (عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ومعتمد ندوة العلماء بالهند) : إن هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس على التوحيد والإخلاص واتباع السنة والتوبة عن المعاصي والظلم والقسوة ويرغبونهم في التحلي بالأخلاق الحسنة والتخلي عن الرذائل مثل الكبر والحسد والبغضاء واللم وحب الجاه وتزكية النفس وإصلاحها ويعلمونهم ذكر الله والنصح لعباده والقناعة والإيثار وعلاوة على هذه البيعة التي كانت رمز الصلة العميقة الخاصة بين الشيخ ومريديه ، إنهم كانوا يعظون الناس دائما ويحاولون أن يلهبوا فيهم عاطفة الحب لله سبحانه والحنيني إلى رضاه ورغبة شديدة لإصلاح النفس وتغير الحال.. .
(2/59)
________________________________________
ثم تحدث عن مدى تأثير أخرقهم وإخلاصهم وتعليمهم وتربيتهم ومجالسهم في المجتمع والحياة ، وضرب عض الأمثلة التي تلقي الضوء على هذا الواقع التاريخي ثم تحدث عن الشيخ أحمد الشهيد رحمه الله تعالى فقال: إن النسا أقبلوا عليه إقبالا منقطع النظير وإنل لم يمر ببلدة إلا وتاب على يديه وبايعه عدد كبير من الناس وإنه أقام في كلكتا شهرين ويقدر أن الذين كانوا يدخلون في البيعة لا يقل عددهم عن ألف نسمة يوميا وتستمر البيعة إلى نصف الليل وكان من شةة الزحام لا يتمكن من مبايعتهم واحدا واحدا فكان يمد سبعة أو ثمانية من العمائم والناس يمسكونها ويتوبون ويعاهدون الله وكان هذا دأبه كل يوم سبع عشر أو ثماني عشرة مرة.
وتحدث عن شيخ الإسلام علاء الدين رحمه الله تعالى فقال إن السنوات الأخيرة من عهده تمتاز بأن كسدت فيها سوق المنكرات من الخمر والحرام والفسق والفجور والميسر والفحشاء بجميع أنواعها ولم تنطق الألسن بهذه الكلمات إلا قليلا وأصبحت الكبائر تشبه الكفر في أعين الناس وظل الناس يستحيون من التعامل بالربا والادخار والاكتناز علنا وندرت في السوق حوادث الكذب والتطفيف والغش... .
ثم قال إن تربية هؤلاء الصوفية والمشايخ ومجالسهم كانت تنشيء في الإنسان رغبة في إفادة الناس وحرصا على خدمتهم ومساعدتهم.
(2/60)
________________________________________
وذكر الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (ربانية لا رهبانية ) ص 17 – 18 فلا شك أنه لولا هؤلاء الصوفية أصحاب النفوس المسماة الذين وصلوا إلى درجة الإحسان وفقه الباطن لانهار المجتمع الإسلامي إيمانا روحانيا وابتلعت موجة المادية الطاغية العاتية الباقية من إيمان الأمة الأمة وتماسكها وضعفت صلة القلوب بالله والحياة بالروح والمجتمع بالأخلاق وفقد الإخلاص والاحتساب وانتشرت الأمراض الباطنة واعتلت القلوب والنفوس وفقد الطبيب وتكالب الناس على حطام الدنيا وتنافس أهل العلم في الجاه والمال والمناصب وغلب عليهم الطخمع والطموح وتعطلت شعبة من أهلم شعب النبوة وبنيانها وهي (تزكية النفوس والدعوة إلى الإحسان وفقه الباطن) .
ثم بين الأستاذ الندوي أن تأثير هذه المواعظ ودخول الناس في الدين وانقادهم للشرع أدى إلى تعطيل تجارة الخمر وكساد سوقها في كلكتا وهي كبرى مدن الهند ومركز الإنجليز وكسدت سوقها وأفقرت الخانات واعتذر الخمارون عن دفع الضراسب للحكومة متعللين بكساد السوق وتعطيل تجارة الخمر ...
ثم قال: إن هذه الحالة كانت نتيجة أخلاق هؤلاء المصلحين والدعاة الصوفية والمشايخ وروحانيتهم أن اهتدى بهم في هذه البلاد الواسعة عدد هائل من الناس وتابوا عن المعاصي والمنكرات واتباع الهوى.
وفي ختام البحث قال الأستاذ الندوي حفظه الله تعالى : لقد كانت هناك بجهود هؤء الصوفية أشجار كثيرة وارفة الظلال في مائات من بلاد الهند استراحت في ظلها القوافل التائهة والمسافرون المتعبون ورجعوا بنشاط جديد وحياة جديدة(1)[156]).
__________
(1) 156]) المسلمون في الهند ص (140 - 146) للعلامة الكبير أبي الحسن الندوي.
(2/61)
________________________________________
وتحدث الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) عن الصوفية وأثرها في نشر الإسلام بصدر حديثه عن الصوفي الشهير والمرشد الكبير سيدي الشيخ عبدالقادر الجيلاني قدس الله روحه فقال : وكان يحضر مجلسه نحوا من سبعين ألفا وأسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى وتاب على يديه من العيارين أو المسالحة(1)[157]) أكثر من مائة ألف وفتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه فدخل فيه خلق لا يحصيهم إلا الله وصلحت أحوالهم وحسن إسلامهم وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم ويشرف عليهم وعلى تقدمهم وأصبح هؤلاء التلاميذ الروحانيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان ثم يجيمز الشيخ كثيرا منهم ممن يرى فيه النبوغ والاستقامة والمقدرة على التربية فينتشرون في الآفاق يدعون الخلق إلى الله ويربون النفوس ويحاربون الشرك والبدع والجاهلية والنفاق فتنتشر الدعوة الدينية وتقوم ثكنات الإيمان ومدارسالإحسان ومرابط الجهاد ومجامع الأخوة في أنحاء العالم الإسلامي(2)[158]).
وتحدث الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه روائع إقبال فقال: إنني أقول دائما: لولا وجوهم وجهادهم لابتلعت الهند وحضارتها وفلسفتها الإسلام(3)[159]).
الأستاذ عبدالباري الندوي:
__________
(1) 157]) المسالح: الجماعة أو القوم ذوو الصلاح.
(2) 158]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام ص (248 - 250).
(3) 159]) روائع إقبال للأستاذ أبي الحسن الندوي / ص 7.
(2/62)
________________________________________
ويقول الأستاذ عبدالباري الندوي في كتابه (بين التصوف والحياة) في عدة صفحات متفرقة من كتابه : يجب أن يعرف المسلمون أنه لا حظ لهم من الدنيا إذا لم يتمكن في أعماق نفوسهم الإيمان الخالص ومن الظلم والجور العظيمين أن تنفق في تحصيل العلم الظاهر سنوات عديدة ولا تبذل لإصلاح الباطن عدة شهور إن التصوف أو العلم الباطني بالغ فيه الناس مبالغة عظيمة وصورة تصويره شائها وشرحوه شرحا طبعه بطابع الضلالة إلا أنه قانون لأعمال القلب والباطن.. وتجد تفاصيل أحكام التصوف منصوصة في الكتاب والسنة مثل ما نجد أحكام الفقه تماما وتتبين أهمية أحكام التصوف وأفضليته من نصوص القرآلآن والحديث اغلتي تصرح بها أو تلمح إليها.. .
فإن أبى شخص أن يعترف بالتصوف كعلم بعينه وفن بذاته فلم لا ينفر ويشمئز من المصطلحات الدينية الأخرى ن من تفسير ومفسر ، وتجويد ومجود ولام ومتكلم وغيرها أما أولئك الذين رأوا التصوف والطريقة والحقيقة والمعرفة ضدا للبشرية فهؤلاء الذين وقعوا في ضلالة أشد خطأ وأطم.
أحمد الشرباصي:
قال الأستاذ الشيخ أحمد الشرباصي الكاتب الإسلامي المعروف والمدرس في الأزهر الشريف في مجلة الإصلاح الاجتماعي تحت عنوان (الأخلاق عند الصوفية) بعد أن تحدث عن التصوف وتعريفه واشتقاقه : وأنا أعتقد أن حقيقة التصوف الكاملة هي مرتبة الإحسان الذي حدده رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلامفي حديث جبريل حين قال :«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(1)[160]).
__________
(1) 160]) مر تخريجه في باب التصوف ومنشؤه.
(2/63)
________________________________________
وقال الأستاذ أيضا في مقدمته لكتاب نور التحقيق : أرأيت إلى كنز وسيع عجيب فيه المال الغزير الذي لا يحصى وفيه أدوية الجسم الشافية التي لا تخون وفيه نور القلب الذي لا يخبو ... ماذا يكون شأنك لو أن إنسانا أخبرك بوجود هذا الكنز بمكان ما ورسم لك الطريق اليه وذكر لك ما تحتاجه الرحلة من مجهود وتكاليف ألا تحاول أن تبذل جهدك وتستفيذ طاقتك وتعمل وسعك حتى تصل إلى هذا الكنز الذي ستجد فيه جاه الدنيا وعز الآخرة؟ كذك شأن التصوف يا صاح إنه الدواء المخفي والكنز المطوي والسر العلمي إنه الدواء الذي يحتاج اليه جسمك وفهمك وخلقك ولكنك لن تصل اليه ولن تنفع به حتى تتجه بمشارعرك نحوه وحتى تقبل ببصرك وبصيرتك عليه وحتى تبذل من ذات يدك وذات نفسك ومن وقتك وبحثك ما يهيء لك البلوغ اليه والوقوف عليه فهل فعلت من ذلك شيئا وقد عرفت الطريق إلى النعيم؟!
يهمني أن تكون على بصيرة من أمرك وأن لا تجهل شيئا جليلا يطالبك دينك وعقلك بأن تعرفه ومن هنا يتحتم عليك أن تدرس التصوف لتتصوره وتفهمه وتفقهه وبعد ذلك تحكم له أو عليه أوزيدك بيانا فأقول لك:" إنه قد يكون في التصوف وتاريخه وسير رجاله ما أضيف اليه أو افتراه المفترون عليه، ومن هنا يستتر حق وراء باطل ومن هنا أيضا يطالبك دينك بان تقوم لتهتك حجاب الباطل وتستضيء بنور الحق فهلا يكفي ذلك لتحريضك على رداسة التصوف؟؟!!
يا أبناء الإسلام: إن التصوف يحتل من أخرقكم وتاريخكم جانبا كبيرا وقد ضيعتموه زماانا طوالا ، فحسبكم ما كان ، وأقبلوا على التصوف ففيه إذاء ودواء والله الهادي إلى سبيل السواء(1)[161]).
الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى:
__________
(1) 161]) تصدير كتاب نور التحقيق للشيخ حامد إبراهيم محمد صقر ص (1 - 3) بتصرف.
(2/64)
________________________________________
ويقول الشيخ أشرف علي التهانوي ( ت – سنة 1362هـ) في أكثر من كتاب له : التصوف ليس إلا تعبيرا للشريعة الإسلامية وتفسيرا لها لأجل ذلك يجب أن يدرس الناس كتب التصوف مثل كتاب (قوت القلوب) للمكي (والعوارف) للسهروردي ، وكتب الغزالي ، تماما كما يدرسون كتب الفقه فالتصوف للا يمكن أن يصلح الأمر بغيره لأن أول شيء في طريق التصوف هو تعليم التواضع وعنوانه في التصوف : الفناء.
التصوف هو عنوان للأحكام التي تعالج الباطن والقلب كما تعالج أحكام الفقه الحياة الدينية الظاهرة وإن أحكام التصوف منصوصة في القرآن والحديث مثل أحكام الفقه.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله :
وقال فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (هذا والدي) ص 98 – 99 كان أبي رحمه الله يجزم بأن التصوف النقي هو جوهر الإسلام ولبابه وكان يؤكد أن المسلم إذا لم يكن قد تشرب حقيقة التصوف فقد حبس نفسه في معاني الإسلام ولم يرق صعدا إلى حقيقة الإيمان.
وقال: التصوف الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون مأخوذا من كتاب الله وسنة رسوله ذلك لأن السعي إلى الوصول إلى ثمرات الإيمان بالله في القلب واجب رسمه القرآن واكدته السنة ولم يكن رحمه الله يقيم وزنا لتصوف لم ينهض على أساس من العلم السليم بكتاب الله وسنة رسوله وكان يرى أن صدق الانفعال بثمرات الإيمان التي هي حقيقة التصوف ولبه لا يتي إلا من سعة العلم بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبالشرئاع والأحكام التي خاطب الله بها عباده(1)[162]).
__________
(1) 162]) هذا والذي ص 106.
(2/65)
________________________________________
وقال حفظه الله أيضا في كتاب (السلفية) ص 117 – 118 : التصوف بمعناه الحقيقي السليم هو لب الإسلام وجوهره الكامن في أعماق فؤاد الإنسان المسلم وبدونه يغدو الإسلام مجرد رسوم ومظاهر وشعارات يجامل بها الناس بعضهم بعضا وهذا اللباب يتمثل في الرغبة والرهبة إذ تهيمن على قلب المسلم حبا له ومخافة منه فيتظهر فؤاده من أدران الضغائن والأحقاد وحب الدنيا.. ولا توقفنك إزاء هذه الحقيقة مشكلة الاسم لقد كان التحلي بهذا اللباب في صدر الإسلام مسمى لا اسم له إلا الإسلام ثم سمي فيما بعد بسم الله الرحمن الرحيمـ (التصوف) . (بتصرف).
الشيخ كريم راجح شيخ قراء الشام حفظه الله تعالى:
وقال الشيخ كريم راجح: علم التصوف من أشرف العلوم وأجل الفهوم وخير ما كتب فيه الكاتبون وألف المؤلفون لأنه يتعلق بالإيمان فيقويه ويثبته وبالسلوك فيحسنه ويقومه وبالعلاقات مع الناس فيبنيها على الإخلاص والمبحة وهو علم يصفي المرء من كل الشوائب ويرفعه إلى أعلى المراتب في تواضع منقطع النظير وخدمة للآخرين لا تعرف الأنانية وتتبراأ من الذاتية فالصوفي الصادق أخ في الله وعلى الله يعطيك ولا يمن لن الذي اعطى على الحقيقة هو الله فهو ينفع الخلق ليتقرب من الخالق ويعيش خادما للناس من أجل رب الناس والصوفي هو الذي يتمسك بالكتاب فيحكمه في كل سلوكه ومعاملته وبالسنة فلا يجيد عنها طرفة عين ويسلك مسالك العلمءا فلا يبني عبادته على جهل(1)[163]).
الدكتور محمد عبداللطيف الفرفور حفظه الله
ويقول الدكتور محمد عبداللطيف الفرفور في كتابه (من ذخائر الفكر الإسلامي) ص 132- 135:
__________
(1) 163]) الصوفية والتصوف ص (5).
(2/66)
________________________________________
.. تعالوا بنا بعد ذلك إلى هؤلاء القوم (الصوفية) ويحاتهم وسلوكهم النقي فها هي كتب التراجم والتواريخ تشهد كلها متضافرة على استقامة ظواهرهم على الشريعة المطهرة وبواطنهم على الطهارة والتزكية والصفاء والنور فتحقق لديهم الفيض وواعدهم الفتح ونطقت عبائرهم رضي الله عنهم بما رزقهم الله تعالى من الأنوار والعلوم الوهبية ومن استقرأ حياة هؤلاء المشاعل وجدها منورة بالقرآن متوجة بالرضوان مكللة بإكليل الاتباع بعيدة كل البعد عن الابتداع فرضي الله عنهم ما أعرفه بربهم : ?رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه?(1)[164]).
... فلماذا إذن نحارب التربية الروحية بما فيها من سمو خلقي رفيع ومعان إنسانية ندر وجودها في أي دين آخر أو فلاسفة وضعية بحجة أن هذه التربية الروحية تشتمل بدعا وشوائب.
الشيخ عدنان حقي حفظه الله :
يقول الشيخ عدنان حقي حفظه الله تعالى : التصوف مذهب إسلامي أخلاقي اجتماعي نفسي له أسلوبه وطريقته وبراهينه وادلته ورجاله وأصله سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته والتابعين لهم بإحسان وهو طريق الحق والهداية والعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الناس من لذة ومال وجاه وهو لب الإسلام وروحه ويقول القرآن الكريم عنهم ?للذين أحسنوا الحسنى وزيادة?(2)[165]) ويقول: ?ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى?(3)[166]) .
والمتصوفون يحققون في أنفسهم صفات الإخلاص والمراقبة لله عز وجل وليس لقلقة وإنما هو أذواق ووجدان وهو مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسير التابعين وتابعيهم(4)[167]) .
الشيخ عبدالله التليدي:
__________
(1) 164]) سورة البينة الآية (Cool.
(2) 165]) سورة يونس الآية (26).
(3) 166]) سورة لقمان الآية (22).
(4) 167]) الصوفية والتصوف ص (162).
(2/67)
________________________________________
يقول الشيخ عبدالله التليدي في كتابه (أسباب هلاك الأمم): أفلا يعلمون أن التصوف هو روح الإسلام ولبه ، وهل الصوفية إلا أناس تخلوا عن الرذائل وتحلوا بالفضائل وبلغوا بفضل استقامتهم ومجاهداتهم الذروة العليا في الكمالات البشرية حتى يصبح أحدهم فانيا في الله غائبا فيه عن كونه وحسه وهل الصوفي إلا رجل تحقق بمقام ا؟لإحسان فعبد الله كأنه يراه وأخلص وصدق في توجهه وسيره إلى الله.
الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله تعالى:
يقول الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) ج2 ص 324 – 325 ما نصه : معنى التصوف – وكما قيل – مناجاة القلب ومحادثة الروح وفي هذه المناجاة طهر لمن شاء أن يتطهر وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرجس والدنس وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة وصعود إلى عالم الفيض والإلهام وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل والنظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض بيد أن الجسم والنفس متلازمان وتوأمان لا ينفصلان ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون الآخر فمن شاء لنفسه صفاء ورفعة فلابد له أن يبترأ من الشهوات وملذات البدن .. فالتصوف إذن فكر وعمل ودراسة وسلوك والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن النيا ومتاعبها آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف مبالغين في العبادة فكان منهم من يقوم الليل ويصوم النهار ومنهم من يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه وتهذيبا لروحه غير أنهم لم يعرفوا في زمنهم باسم الصوفية وكان هذا الاشتهار في القرن الثاني للهجرة .
العلامة أبو النصر مبشر الطرازي:
يقول العلامة أبو النصر مبشر الطرازي كبير علماء تركستان في كتابه : الإسلام الدين الفطري ج2 ص 35 -36 ما نصه:
(2/68)
________________________________________
.. هذا وقد امتثل بالسنن ونوافل العبادات وإيثار ذكر الله طائفة من خواص المسلمين منذ العهد الأول من عهود الإسلام إلى عهدنا هذا عرفهم التاريخ في الغابر والحاضر (الصوفية) فنالوا ما نالوا من المقامات عند ربهم في الدنيا والآخرة.
ثم يقول: ولسنا في صدد بيان مبادئهم التي تستند على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو خصالهم التي تتلخص في الزهد والتقوى والرياضة في سبيل تزكية النفس وتهذيبها والوصول بها إلى مقام الفناء في الله والحب في الله والبغض في الله وإرادة كل خير لخلق الله حتى يحصلوا على رضاء الله جل جلاله وعم نواله وعز ذكره ولا إله غيره ?رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم الملفحون?(1)[168])، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا معهم آمين.
الأستاذ أنور الجندي:
يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه (عالمية الإسلام):
ولا ريب أن مفهوم التصوف العملي إنما هو الذي جاء به الإسلام من خلال الانقطاع للعلم باعتباره عبادة وجهادا حيث لا غرض مادي ولا سعي لشهرة زائفة بل وقف العقل والنفس الحقائق ووجهة التعليم والعلم والتربية في ذلك هو مرضاة الله تعالى على أن يتم ذلك كله في إطار تقوى الله والخوف منه وفي محيط الأخلاق.
المفكر رجاء غارودي:
__________
(1) 168]) سورة المجادلة الآية (22).
(2/69)
________________________________________
يقول المكفررجاء غارودي في كتابه (ما يعد به الإسلام) ص 77: إن التصوف يعد من أبعاد العقيدة الإسلامية بل هو بعده (الجواني) وكل محاولة تجعل من التصوف (تيارا) مستقلا أو وظيفة منفصلة تحط حتما من قيمته فليس في الإسلام وهو دين الوحدة والتكامل الفصل بين التأمل والعمل وبين الذات والوجود وما التصوف إلا لون من ألوان الروحانية في الإسلام وهو التوازن الأساسي بين الجهاد الأكبر والصراع الداخلي ضد الرغبات التي تبعد الإنسان عن ذاته وبين الجهاد الأصغر ذلك النضال في سبيل الوحدة والانسجام في المجتمع الإسلامي ضد كل أشكال عبادة السلطة والمال والضلالات التي تبعد المؤمن عن طريق الله.
الأستاذ محمد الصادق عرجون:
يقول الأستاذ محمد الصادق عرجون في كتابه (التصوف في الإسلام) ص 72- 74 التصوف في الإسلام يقوم على إخلاص التعبد لله تعالى في كل أمر من أمور الدين والدنيا وهذه الدنيا عندهم دين لأنهم يأتون ما يأتون منها وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون لا يسارعون إلى الخيرات وهم لها سابقون.
ويقوم على الشفقة على خلق الله والرحمة لهم فهو عمل تطبيقي في واقع الحياة لسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة خاصة أصحابه وقد أخذه عنهم بحقيقته العابدون من تلاميذهم أهل المعرفة والعلم بالله ، ثم تلقاه مثلا حية من العمل في سيرة هؤلاء.
ثم يقول في خاتمة كتابه (اللهم إني أسألك مغفرة تطاولي إلى الحديث عن مقامات أولئك فإني أحبهم وقصدت تحبيبهم إلى من يريد سلك طريقهم في الوصول إلى رضاك).
الإمام أحمد السرهندي رحمه الله تعالى:
(2/70)
________________________________________
يقول الإمام أحمد السرهندي رحمه الله في كتابه (الأنوار القدسية) اعلم يا أخي أن الله كلفنا امتثال الأوامر واجتناب النواهي .. وإذا كنا مأمورين بالإخلاص في ذلك وهو لا يتصور بدون الفناء وبدنون المحبة الذاتية وجب علينا أيضا سلوك طريق الصوفية الموصلة للفناء والمحبة حتى نتحقق حقيقة الإخلاص ولما كانت طرق الصوفية متفاوتة الكمال والتكميل ان كل طريق تلتزم فيه متابعة السنة السينة وأداء الأحكام أولى وأنسب بالاختيار وإن هؤلاء الأكابر التزموا في هذه الطريقة متابعة السنة واجتناب البدعة ويجعلون الأحوال والمواجيد تابعة للحكام الشرعية .. والكتاب والسنة عندهم أولا قبل كل شيء.
والتصوف الذي أردت هو الإسلام الكامل في مقاصده وأهدافه والصوفية السابقون وكثير من اللاحقين استقام سلوكهم على هذا المبدأ في منهجه ولا شأن لي فيما شارك اسما وامتلأ بالدخائل والبدع فذلك ما لم أقصد اليه فإن التصوف حال أكثر منه قالا وإن من سلك سبيل القوم بصدق ذاق ما ذاقوه إن شاء الله تعالى له ذلك.
الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى:
(2/71)
________________________________________
قال الأستاذ والمؤرخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى في كتابه : (الثقافة الإسلامية) فإذا كان التصوف عبارة عن تزكية النفوس وتصفية الأخلاق فنعم المذهب ونعم المقصد وذلك هو الغاية من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(1)[169]) وقد تأملنا سيرة الصوفية في القرون الأولى من الإسلام فوجدناها سيرة حسنة جميلة مبنية على مكارم الأخلاق والزهد والورع والعبادة منطبقة على الكتاب والسنة وقد صرح بذلك سيد هذه الطائفة أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى كما في ترجمته في تاريخ ابن خلكان حيث قال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة وفي شرح الإحياء للعلامة الزبيدي (ج1 / ص 174) وقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي في ترجمته في (الرسالة القشيرية) ص 19 وفيها: قال الجنيد: من لم يحفظ القرىن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة ثم قال بعد السند عن الجنيد مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.
وقال الجنيد: علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال سري السقطي: التصوف اسم لثلاثة معان: هو الذي لا يطفيء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى ، وفي شذرات الذهب (ج 5 / ص279) في ترجمة أبي الحسن الشاذلي ومن كلامه (كل علم تسبق إليك فيه الخواطر وتميل النفس وتلتذ به فارم به وخذ بالكتاب والسنة).
__________
(1) 169]) رواه البخاري في الأدب المفرد وأحمد (2/382) والحاكم (2/613)، وصححه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في المجامع الصغير (2584) ورمز لصحته.
(2/72)
________________________________________
وهؤلاء فوق ما اتصفوا به من تهذيب النفس والورع والزهد والعبادة قد قاموا في عصورهم بالواجب عليهم ، من إرشاد الخلق إلى الحق والدعوة اليه وصدهم الناس عن التهافت على الدنيا وجمع حطامها من أي وجه كان ، والاسترسال في الشهوات والملذات مما يؤدي إلى الانهماك في المحرمات والغفلة عن الواجبات وما خلق الإنسان له وتكون نتيجة ذلك انتشار الفوضى وظهور الفساد، وكثرة البغي والهرج فكان هؤلاء بوعظهم وإرشادهم والحكم والحقائق التي تفجرت من ينابيع قلوبهم هم رحاس الأخلاق والآخذون بيد الأمة إلى مناهج الحق وسبل الرشاد والدعاة إلى السعادة الحقيقية وهي قيام الإنسان بجميع ما أمر به مع عدم نسيانه نصيبه من الدنيا فكانوا في جملة السامعين في هذه الأمة والمجيبين لقوله تعالى : ?ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون?(1)[170]) .
فسلف الصوفية هم أعلام الملة وسادة الأمة سراجها الوهاج ونورها الوضاح وبهم وبأمثالهم من المحدثين والفقهاء اهتدت اهتدت الأمة إلى الصراط المستقيم وسلكت المنهاج القويم وانتظمت أحوال معاشهم وصلحت أمور معادهم وفازوا فوزا عظيما.
وإذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم نجد أن الكثير منهم قد كان للواحد منهم أتباع يعدون بالألوف كلما انتسب اليه شخص الآخى بينه وبين سابقيه فتمكنت بين أتباعه والمنتسبين اليه أواصر الألفة وروابط المحبة وتواسوا فيما بينهم وتواصوا بالحق وعطف غنيهم على فقيرهم ورحم كبيرهم صغيرهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وصاروا كالجسد الواحد(2)[171]).
الأستاذ عباس محمود العقاد:
__________
(1) 170]) سورة آل عمران الآية (104).
(2) 171]) الثقافة الإسلامية للمؤرخ الكبير الأستاذ محمد راغب الطباخ ص (302 - 304) ولد عام 1293هـ وتوفي عام 1370هـ في حلب.
(2/73)
________________________________________
ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (الفلسفة القرآنية) التصوف في الحقيقة غير دخيل في العقيدة الإسلامية كما قلنا في كتابنا عن أثر العرب في الحضارة الأوربية ومثبوت في آيات القرآن الكريم مستكن بأصوله في عقائد صريحة.
الدكتور عبدالحليم محمود:
ويقول فضيلة الدكتور عبدالحليم محمود (شيخ الأزهر سابقا) في كتابه (قضية التصوف) ص 259/ التصوف لا يعدو أن يكون جهادا عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى السمو أو إلى الكمال الروحي ، ليكون عارفا بالله ، وإن الذين يربطون بين التصوف من جانب أو الكرامات وخوارق العادات من جانب آخر كثيرون ، ولكن التصوف ليس كرامات ولا خوارق للعادات.
أوب الأعلى المودودي:
قال العلامة الكبير الأستاذ أبو العلى المودودي في كتابه مبادئ الإسلام تحت عنوان التصوف: إن علاقة الفقه إنما هي باهر الإنسان فقط ولا ينظر إلا هل قمت بما أمرت به على الوجه المطلوب أم لا ؟ فإن قمت فلا تهمه حال قلبك وكيفيته أما الشيء الذي يتعلق بالقلب ويبحث عن كيفيته فهو التصوف.
(2/74)
________________________________________
إن الفقه لا ينظر في صلات مثلا إلا هل أتممت وضوءك على الوجه الصحيح أم لا؟ وهل صليت موليا وجهك شطر المسجد الحرام أم لا ؟ وهل أديت أركان الصلاة كلها أم لا؟ وهل قرأت في صلاتك بكل ما يجب أن تقرأ فيها أم لا ؟ فإ نقمت بكل ذلك فقد صحت صلاتك بحكم الفقه إلا أن الذي يهم التصوف هو ما يكون عليه قلبك حين أدائك هذه الصلاة من الحالة هل أنبت فيها إلى ربك أم لا؟ وهل تجرد قلبك فيها عن هموم الدنيا وشؤونها أم لا؟ وهل أنشأت فيك هذه الصلاة خشية الله واليقين بكونه خبيرا بصيرا وعاطفة ابتغاء وجهه الأعلى وحده أم لا ؟ والى أي حد نزهت هذه الصلاة روحه؟ والى أي حد جعلته مؤمنا صادقا عاملا بمقتضيات إيمانه؟ فعلى قدر ما تحصل له هذه الأمور وهي من غايات الصلاة وأغراضها الحقيقية في صلاته تكون صلاته كاملة في نظر التصوف وعلى قدر ما ينقصها الكمال من هذه الوجهة تكون ناقصة في نظر التصوف فهكذا لا يهم الفقه في سائر الأحكام الشرعية إلا هل أدى المرء الأعمال على الوجه الذي أمره به لأدائها أم لا .
أما التصوف فيبحث عما كان في قلبه من الإخلاص وصفاء النية وصدق الطاعة عند قيامه بهذه الأعمال ويمكنك أن تدرك هذا الفرق بين الفقه والتصوف بمثل أضربه لك:
إنك إذا أتاك رجل نظرت فيه من وجهتين : إحداهما: هل هو صحيح البدن كامل الأعضاء؟ أم في بدنه شيء من العرج أو العمى؟ وهل هو جميل الوجه أو ذميمه؟ وهل هو لابس زيا فاخرا أو ثيابا بالية.
والوجهة الأخرى: إنك تريد أن تعرف أخلاقه وعاداته وخصاله ومبلغه من العلم والعقل والصلاح فالوجهة الولى وجهة الفقه والوجهة الثانية وجهة التصوف وكذلك إذا أردت أن تتخذ أحدا صديقا لك فإنك تتأمل في شخصيته من كلا الوجهتين وتحب أن يكون جميل المنظر وجميل الاطن معا كذلك لا تجعل في عين الإسلام إلا الحياة التي فيها اتباع كامل صحيح لأحكام الشيعة من الوجهتين الظاهرة والباطنة.
(2/75)
________________________________________
[ثم قال: إنما التصوف عبارة – في حقيقة الأمر- عن حب الله ورسوله الصادق بل الولوع بهما والتفاني في سبيلهما والذي يقتضيه هذا الولوع والتفاني ألا ينحرق المسلم قيد شعرة عن اتباع أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فليس التصوف الإسلامي الخالص بشيء مستقل عن الشريعة وغنما هو القيام بغاية من الإخلاص وصفاء النية وطهارة القلب].
عبدالقادر البغدادي رحمه الله تعالى:
قال الإمام الكبير حجة المتكلمين عبالقادر البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه (الفرق بين الفرق) الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس: ذكر منها الصنف السادس قائلا: والصنف السادس منهم الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا ، واختبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسئول عن الخير والشر ومحاسب على مثاقيل الذر ، فأعدوا خير الإعداد ليوم المعاد وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشرارة على سمت أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء ولا يتركونه حياء، دينهم التوحيد، ونفي التشبيه ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى ، والتوكل عليه، والتسليم لأمره ، والقناعة بما رزقوا والإعراض عن الاعتراض عليه: ?ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(1)[172])?(2)[173]).
الإمام النووي رحمه الله تعالى:
وها هو الإمام الحجة أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي يقرر في رسالته (المقاصد) أصولا لطريق التصوف فيقول: إن أصول طريق التصوف خمسة:
تقوى الله تعالى في السر والعلانية.
اتباع السنة في الأقوال والأفعال.
الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار.
الرضى عن الله في القليل والكثير.
__________
(1) 172]) الفَرْقُ بن الفِرَقِ للإمام عبدالقاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ ص (189).
(2) 173]) سورة الجمعة الآية (4).
(2/76)
________________________________________
الرجوع إلى الله في السراء والضراء(1)[174]).
الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى:
ويقول الشيخ محمد الغزالي في بعض كتبه منها (الجانب العاطفي من الإسلام) ما نصه: هناك تصوف نبت في أكناف الإيمان والإسلام والإحسان ونما على أغذية جيدة من العلم والعمل واستطاع أن يكون المشاعر الإنسانية بصدق العبودية ودفعها إلى التفاني في مرضاة الله.. .
وإذا كان سعد زغلول قد وصف أدب الرافعي بأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم فإني مع إكباري للرافعي وأدبه أرى كلمة سعد أصدق ما تكون في حكم الصوفي ابن عطاء الله السكندري رحمه الله.
جلال الدين السيوطي رحمه الله:
وقال العلامة المشهور جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه (تأييد الحقيقة العلية) إن التصوف في نفسه علم شريف ، وإن مداره على اتباع السنة وترك البدع والتبري من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها والتسليم لله والرضى به وبقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه . وعلمت أيضا أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا باهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع ، فوجه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليعلم أهل الحق من أهل الباطل وقد تأملت الأمور اليت أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول بشيء منها ، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منهم(2)[175]).
الإمام القشيري رحمه الله تعالى:
__________
(1) 174]) مقاصد الإمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص 20، توفي رحمه الله سنة 676هـ في قرية من قرى الشام تسمى نوى.
(2) 175]) تأييد الحقيقة العلية ص (57) للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ.
(2/77)
________________________________________
قال رضي الله عنه: جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه، وجعل الله قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره فهم الغياث للخلق والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق(1)[176]).
العلامة حسنين محمد مخلوف (مفتي الديار المصرية الأسبق):
قال فضيلته : [التصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع للرذائل .. وتعرض نفحاته وهباته التي يخص بها أولياءه وأحبابه فضلا منه وكرما](2)[177]).
الدكتور مصطفى البغا حفظه الله تعالى:
سمعته يقول أنا صوفي وأخذت الطريقة الشاذلية.
وقال : أنا شيخي محمد الهاشمي والشيخ أبو الخير الميداني.
الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى:
على المسلم أن يتعلم الأشياء التي لابد منها في الشرع، منها:
ما يزكي به نفسه ويطهر به قلبه بان يعرف الفضائل (المنجيات ) ليتحراها ويتخلق بها، ويعرف الرذائل (المهلكات) لتجنبها ويتوقاها ويتعلم ما يضبط به سلوكه في علاقته مع نفسه أو مع أسرته أو مع الناس حكاما ومحكومين ، مسلمين وغير مسلمين، فيعرف في ذلك الحلال من الحرام والواجب من غير الواجب واللائق من غير اللائق .
ولا يضيرنا أن يدخل هذا القدر تحت اسم التوحيد أو الفقه أو التصوف أو الآداب الشرعية أو الزهد وغير ذلك.
فهذه التسميات مصطلحات محدثة ولم يتعبدنا الله بها وإنما يهمنا المضمون ولا عبرة بالأسماء والعناوين متى وضحت المسميات والمضامين ، وهذا القدر من العلم يجب أن يكون إلزاميا يتعلمه كل مسلم ومسلمة(3)[178]).
__________
(1) 176]) معيد النعم ومبيد النقم ص 94.
(2) 177]) السالكون إلى الله ص 15.
(3) 178]) الرسول والعلم للدكتور يوسف القرضاوي ص 88.
(2/78)
________________________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 6:14 pm

التوسل
الاستعانة – الاستغاثة
التوسل: هو طريقة من طرق التضرع إلى الله عز وجل ، وأحد أبواب دعاءه والتوجه اليه سبحانه وتعالى، فالوسيلة هي كل ما جعله الله سببا للتقرب اليه وبابا لقضاء الحوائج منه، قال تعالى ?يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة?(1)[1]).
وأما الاستغاثة : فهي طلب الإغاثة ممن يملكها على وجه الحقيقة وهو الله عزَّ وجلَّ، أو ممن أعطاهم الله بحوله وقوته القدرة عليها، وهم أنبياؤه وأولياؤه.
وأما الاستعانة: فهي طلب العون ممن يملكه على وجه الحقيقة وهو الله تبارك وتعالى أو ممن أعطاهم الله بمنه وكرمه القدرة عليها، وهم أنبياءه وأولياؤه .
فيظهر لنا أن التوسل والاستغاثة والاستعانة شيء واحد ، لأن المتوسل أو المستغاث أو المستعان به على الحقيقة هو الله وأما المتوسل به من العبيد فواسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا ولم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغير ذلك والدليل على هذا حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسل أحدهم إلى الله ببر والديه، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملا ، ففرج الله عنهم ما هم فيه(2)[2]).
__________
(1) سورة المائدة الآية (35).
(2) أخرجه البخاري (215) ومسلم (6884) وأحمد (2/307/308).
(3/1)
________________________________________
وأما التوسل بغير العمل الصالح كالذوات والأشخاص فما هو في الحقيقة إلا توسل بعمله الصالح فمن توسل بشخص ما فذلك لأنه يحبه إذ يقدر صلاحه وولايته وفضله تحسينا للظن به، أو لأنه يعتقد أن هذا الشخص محب لله سبحانه وتعالى، فيكون الله تعالى محبا له أيضا قال جل جلاله ?يبحهم ويحبونه?(1)[3]) ولو تدبرنا الأمر لوجدا أن هذه المحبة وذلك الاعتقاد هما من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب اليه ومسؤول عنه ومثاب عليه ، فمن قال: اللهم إنيأتوسل اليك بمحبتي لنبيك أو قال بنبيك سواء لأنه ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه، ولولا المحب له والإيمان به ما توسل به فهو إذا توسل بعمله الصالح.
ثم إن المسلم عندما يتوسل أو يستغيث بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بالرجل الصالح إنما يتوسل به لما يعلم من كرامته وجاهه عند الله عز وجل ولاعتقاده بانه يمكن أن يكون قد أعطى القدرة على الإمداد والإعانة ونعني ببالجاه المنزلة التي يختص الله بها من يشاء من عباده فالله سبحانه وتعالى متصق بصفة تسمى صفة الاختصاص قال عز وجل?يختص برحمته من يشاء?(2)[4]).
والنبوة والرسالة والولاية الخاصة ليست مكتسبة بل هي محض فضل الهي واجتباء واختصاص رباني يكون بسببها لذلك العبد منزلة عند الله تسمى الجاه ، قال تعالى ?الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب?(3)[5]) وقال سبحانه في إثبات الوجاهة والمكانة لبعض أنبيائه وملائكته عليه السلام كسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ?وكان عند الله وجيها?(4)[6]) أي ذا وجاهة.
__________
(1) سورة المائدة آية 54.
(2) سورة آل عمران الآية 74.
(3) سورة الشورى الآية 13.
(4) سورة الأحزاب الآية 13.
(3/2)
________________________________________
وقال في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ?وجيها في الدنيا والاخرة ومنا المقربين?(1)[7]) وقال عن سيدنا جبريل عليه السلام ?ذي قوة عند ذي العرش مكين?(2)[8]) أي صاحب مكانة.
فالإنسان عندما يتوسل إلى الله تعالى بجاه نبي أو ولي فإن ذلك يعني أنه توسل إلى الله تعالى بفعل من أفعاله خلقه لذلك النبي وسماه جاها، وبصفة من صفاته سماها اختصاصا ، وهذا من التوسل إلى الله بصفاته وأفعاله وهو مجمع على جوازه عند أهل الحق(3)[9]).
__________
(1) سورة آل عمران آية 45.
(2) سورة التكوير الآية 20.
(3) من كتاب الإسعاد.
(3/3)
________________________________________
ونحن إذ نظرنا إلى كل فرد من أفراد المتوسلين والمستغيثين بالأنبياء والصالحين لا نجد في نفس أحد منهم إلا التقرب إلى الله تعالى لقضاء حاجاتهم الدنيوية والأخروية مع علمهم بأنهم كلهم عبيد لله تعالى فقلوبهم موقنة أنه جل جلاله الفعَّال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة لا شريك له ولا رب ولا موجد سواه، ولا نافع ولا ضار إلا هو ، وأما تعظيمهم لغيره من خواص عبيده فإنما يكون بقدر منزلة ذلك العبد عند الله تعالى بحسب ما علموه فها هم يعظمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من سائر الخلق لعلمهم أنه أحب عبيده تعالى إليه وأقربهم لديه ثم يعظمون بعده الأنبياء والمرسلين أكثر من غيرهم لأن درجتهم تلي درجته صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا سائر عباد الله من صحابته صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته وبقية الأولياء والصالحين على اختلاف درجاتهم وما يمتاوزن به عن غيرهم من علم وتقوى وما خدموا به هذه الشريعة المحمدية ونفعوا به الأمة الإسلامية من العلوم والمعارف والفتوحات والذب عن المسلمين والإسلام بعضهم بحد القلم وبعضهم بحد الحسام وما فضلهم الله به من الكرامات وخوارق العادات فهم يعتقدون الاعتقاد الجازم الذي لا يعتريه خلل ولا يشوبه خطأ ولا زلل أنهم كلهم عبيده وأن كل ما هم عليه من مقامات ودرجات إنما هو من فضل الله عليهم فقد أثنى عليهم الله تعالى في كتابه وأثنى عليهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه مبينا أوصافهم الجليلة وهي كلها ترجع إلى صدق عبوديتهم لله تعالى وحسن خدمتهم له عز وجل فعظموهم لذلك واتخذوهم وسائط لقضاء حوائجهم عنده لكونهم وإن شاركوهم في أصل العبودية له تعالى إلا أنهم امتازوا عنهم بما تفضل الله عليهم به م الرسالة والنبوة والولاية وكثرة العلم والعمل والمعرفة والطاعات وسائر الخدمات التي تليق به تعالى.
(3/4)
________________________________________
فيفهم مما مر أن غاية الأمر أن بعض المتوسلين والمستغيثين يتسامحون في التصريح بهذا الأمر وهو الطبب من الله دون واسطعة عملا بالحقيقة والأصل ويكتفون بعلم من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فيادون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأولياء الصالحين ويطلبون منهم العون والإغاثة وهم في قريرة أنفسهم يعلمون حق العلم أنه وحده سبحانه وتعالى هو النافع والضغار ولا يقع في ملكه إلا ما يريد وذلك طمعا في الإجابة لما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من منزلة عند الله وهذا ضرب من أضرب المجاز ولا يستطيع أحد ممن له أدنى مسكة في علم الشريعة واللغة العربية أن ينكر وجود المجاز في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
فقد أسند الله تعالى إلى سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص مجازا فقال جل جلاله حكاية عنه ?وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله?(1)[10]) فما دام قد وجه الإذن الإلهي لعبد محبوب عنده فلا حر إذا في قول الإنسان يا عيسى أحي ميتي واشف مريضي لأن الله تعالى أجاز ذلك بإلهام سيدنا عيسى هذا الكلام وإثباته قرآنا يتلى إلى يوم القيامة مع العلم أن إبراء الأكمه والأبرص وإحياء المتى أمور لا يقدر عليها حقيقة إلا الله وحده ورغم هذا رضي من عبده عيسى عليه السلام قوله وأقره عليه.
ومثل هذا قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لخادمه ربيعة بن كعب الأسلمي سلني فقال أسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك فقال هو ذاك قال أعني على نفسك بكثرة السجود(2)[11]) وسؤال الجنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغاثة وطلب لما لا يقدر عليه إلا الله ولم ينكر عليه الصلاة والسلام سؤاله ولم يقل له لا تسأل غير الله .
__________
(1) 10]) سورة آل عمران الآية 49.
(2) 11]) أخرجه مسلم (1094) وأبو داود (1320) والترمذي (3416) النسائي (1137) وابن ماجه (3879).
(3/5)
________________________________________
ومن المجاز قوله تعالى حكاية عن جبريل عليه السلام ?لأهب لك غلاما زكيا?(1)[12]) فإسناد الوهب اليه مجاز والواهب حقيقة هو الله تعالى وحده.
ومن ذلك أيضا قول الله جل جلاله ?يوما يجعل الولدان شيبا?(2)[13]) فإسناد جعل الولدان شيبا إلى اليوم مجاز والجاعل الحقيقي هو الله تعالى وتبارك .
وقوله تعالى ?إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة?(3)[14]) فقد جعل الحق تعالى في هذا النص ملائكته أولياء للذين آمنوا واستقاموا وقال في نصنص أخرى ينوه أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض أيضا ?إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا?(4)[15]) وقال أيضا: ?ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون?(5)[16]) .
وقال : ?وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير?(6)[17])، ومولاه أي ناصره فأسند الله النصرة للمؤمنين والملائكة كما أسندها إلى نفسه فلا مانع إذا أن يقول قائل: اللهم انصرني بجبريل أو يا جبريل انصرني أو اللهم انصرني وأيدني بصالحي المؤمنين وبملائكتك أو يا أيها الصالحون ويا أيها المئكة انصروني وما هو بذلك إلا مقتد بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: يا عباد الله احبسوا(7)[18]) كما سيأتي معنا في هذا الباب إن شاء الله تعالى .
__________
(1) 12]) سورة مريم الآية19.
(2) 13]) سورة المزمل الآية 17.
(3) 14]) سورة فصلت الآية 30- 31.
(4) 15]) سورة المائدة الآية 55.
(5) 16]) سورة المائدة الآية 56.
(6) 17]) سورة المائدة الآية 56.
(7) 18]) أخرجه الطبراني في اكبير (10518) وأبو يعلى (5269) وذكره البيهقي في مجمع الزوائد (17105).
(3/6)
________________________________________
فالنصوص كلها عامة التعليق دون تخصيص حياة أو موت لأن المؤمنين لم يسلب عنه وصف الإيمان بانتقالهم إلى البرزخ فيكون بين المؤمنين من أهل البرزخ ولاية للمؤمنين في الدنيا ويكون للملائكة ولاية لجميعهم وولاية الملائكة مظهرولاية الله تعالى لعباده المؤمنين .
ومنها أيضا قوله تعالى : ?وإذا تليت عليهم آيته زادتهم إيمانا?(1)[19]) مسندا الزيادة إلى الآيات لأنها سبب في الزيادة والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى وحده.
ومنها قوله تعالى ?وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر?(2)[20]) والنصر حقيقة على الله تعالى وحده.
ومنها قوله ?فالمدبرات أمرا?(3)[21]) مسندا التدبير إلى الملائكة مجازا لأنهم قائمين بإبراز مقادير الله تعالى في السماء والأرض بأمره ومشيئته وبحوله وقوته والمدبر الحقيقي هو الله تعالى.
ومنها قوله تعالى ?سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ?(4)[22]) مسندا الإنبات إلى الأرض والمنبت الحقيق هو الله تعالى.
ومنها ?فأعينوني بقوة?(5)[23]) والمعين الحقيقي هو الله.
ومنها قوله جل وعلا ?إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا?(6)[24]) مسندا التثبيت إلى الملائكة مجازا.
ومنها ?واستعينوا بالصبر والصلاة?(7)[25]).
ومنها ?فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون?(Cool[26]).
وها هو صلى الله عليه وآله وسلم يسمي المر مغيثا فيقول : اللهم اسقنا غيثا مغيثا(9)[27]).
وقالت أم سيدنا إسماعيل مخاطبة سيدنا جبريل: (أغث إن كان عند غوث)(10)[28]).
__________
(1) 19]) سورة الأنفال الآية 2.
(2) 20]) سورة الأنفال الآية 72.
(3) 21]) سورة النازعات الآ]ة5.
(4) 22]) سورة يس الآية 36.
(5) 23]) سورة الكهف الآية 95.
(6) 24]) سورة الأنفال الآية 12.
(7) 25]) سورة البقرة الآية 45.
(Cool 26]) سورة النحل الآية 43.
(9) 27]) أخرجه البخاري اللهخ أغثنا (968) اللهم اسقنا (967).)
(10) 28]) أخرجه البخاري 3365.
(3/7)
________________________________________
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه لحسان بن ثابت رضي الله عنه عندما كان يقول الشعر في المسجد النبوي ويهجو به المشركين في إحدى روايات الحديث قل وروح القدس يؤيدك(1)[29]) وفي رواية قل وروح القدس معك(2)[30]) فنسب التأييد والمعية التي فيها الغوث والعون إلى سيدنا جبريل عليه السلام.
ويقول الشيخ ابن تيمية في فتاويه في الجزء الأول منها بعد تعريفه الاستغاثة وكلامه عنها (إن جعل الله ذلك أي الغوث على يدي غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز.
وها هو الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا يتكلم عن الطلب من غير الله منوها أنه في الحقيقة طلب من الله وأنه من العبد مجاز وشرح بذلك حديث »وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله(3)[31]).
فيقول : إنما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا سأتل فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فيفهم منه الاستعانة المطلقة أما الاستعانة بالأسباب فيقصد بها الاستعانة بالله بواسطة السبب.
وقال الشيخ محمد علوي المالكي عن هذا الحديث: هذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقا من أي وجه وبأي طريق إلا بالله ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج عن الملة وهو بهذا ينفي الأخذ بالأسباب والاستعانة بها ويهدم كثيرا من النصوص الواردة في هذا الباب.
والحق:
__________
(1) 29]) أخرجه مسلم (6345).
(2) 30]) أخرجه البخاري (6153) ومسلم (6337) وأحمد (4/286) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (1794).
(3) 31]) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (2516) وأحمد (1/293).
(3/Cool
________________________________________
إن هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله كما يفيد ظاهر لفظه وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن كون ما جرى من الخير على يد الأسباب فهو من الله والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهي من الله وبالله فالمعنى: وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ولا بد لك من ذلك – فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب جل جلاله ولا تكن ممن يعلمون ظاهر من هذه الاتباطات والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض وهم عن الذي ربط بينها غافلون.
وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام في تتمة الحديث نفسه عقيب هذه الجملة الشريفة: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فأثبت لهم كما ترى نفعا وضرا بما كتبه الله للعبد أو عليه. فهذا منه صلى الله عليه وآله وسلم توضيح لمراده.
والحديث ليس فيه أصلا لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله وإنما هو كقوله: صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي»(1)[32]) فهل في هذا الحديث أن مصاحبة غير المسلم حرام؟! وهل يفهم منه أن إطعام غير التقي حرام؟! وقد رخص الله في كتابه بإطعام الأسير الكافر بل مدح ذلك بقوله: ?ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا?(2)[33]) .
الأدلة من القرآن الكريم
__________
(1) 32]) أخرجه أبو داود (4832) والترمذي وقال حديث حسن (2395) وأحمد (3/38) والدارمي (1985) والبغوي (3484) والحاكم (4/128) وصححه ووافقه الذهبي وحسنه ابن حبان (554) والطيالسي (2213) وأخرجه أيضا أبو يعلى (1315).
(2) 33]) سورة الإنسان الآية (Cool.
(3/9)
________________________________________
قال تعالى : ?يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة?(1)[34]): لفظ الوسيلة عام في الآية كما نرى فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات لأنه لا فرق بينهما كما سيمر معنا وهو شامل أيضا للتوسل بالأعمال الصالحة.
وقال تعالى: ?أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب?(2)[35]) وقال سيدنا ابن عباس ومجاهد: هم عيسى عليه السلام وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم، يبتغون أي يطالبون إلى ربهم الوسيلة أي القربة، وقيل الدرجة: أي يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا وقيل: الوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى وقوله: ?أيهم أقرب? معناه ينظرون أيهم أقرب إلى الله تعالى فيتوسلون به.
وقال الزجاج أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح ونحوه في تفسير الخازن.
وقال تعالى: ?فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه?: يقص الله جل وعلا علينا في هذه الآية قصة الرجل القبطي الذي استغاث بسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام، وهو من شيعته فأغاثه ن ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم جاؤوا بالتوحيد الخالص لله تعالى وعدم الإشراك به، فلو كانت الاستغاثة الرجل به نوعا من الشرك لم يجز لسيدنا موسى أن يغيثه وحاشا الأنبياء أن يقروا الناس على ما فيه مخالفة المولى عز وجل.
وقال تعالى: ?فتلقى آدم من ربه كلمات?(3)[36]) قال ابن عباس هي: ?ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين?(4)[37]) وذكر الألوسي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنها (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
__________
(1) 34]) سورة المائدة الآية: 35.
(2) 35]) سورة الإسراء الآية 56.
(3) 36]) سورة البقرة الآية 37.
(4) 37]) سورة الأعراف الآية23.
(3/10)
________________________________________
وقيل : رأى مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع به .
وقال تعالى: ?وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين?(1)[38]) قال الحافظ ابن كثير في التاريخ: قال ابن جرير عن هذا التابوت: وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم.
قال ابن كثير: وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه، وكان فيه طمست من ذهب كانت يغسل فيه صدور الأنبياء(2)[39]).
وقال ابن كثير في التفسير: كان فيه عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة وثياب هارون ومنهم من قال: العصا والنعلان.
وقال القرطبي: والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة وسلبوا التابوت منهم(3)[40]).
وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلا بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم غير ذلك والله سبحانه وتعالى راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت ولم ينكر عليهم ذلك الفعل.
__________
(1) 38]) سورة البقرة الآية 248.
(2) 39]) البداية والنهاية (ج2/ صCool.
(3) 40]) تفسير القرطبي (ج3/ص247).
(3/11)
________________________________________
وقال تعالى: ?ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين?(1)[41]) روى أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستفتحون الله يدعون على الذين كفروا يقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلا نصرتنا فينصرون فلما جاءهم ما عرفوا يريد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشكوا فيه كفروا به ولهذا الأثر طرق كثيرة.
وفي تفسير النيسابوري ما نصه: قوله يستفتحون على الذين كفروا وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالني المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
وقال في تفسير الكشاف وفي تفسير الخازن ما نصه: وكانوا يعني اليهود من قبل أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستفتحون أي يستنصرون به على الذين كفروا يعني مشركي العرب وذلك أنهم كانوا إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان بني يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما جاءهم ما عرفوا أي الذي عرفوه يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه من غير بني إسرائيل كفروا به أي جحدوا وأنكروا بغيا وحسدا ونحوه في تفسير البغوي والنسفي.
__________
(1) 41]) سورة البقرة الآية 89.
(3/12)
________________________________________
وفي روح المعاني للآلوسي: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه قاله ابن عباس وقتادة والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين كما روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا:اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به كنى عن الكتاب المتقدم بما عرفوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له ووجه الدلالة من هذه الآية ظاهر فإن الله سبحانه أقر استفتاح اليهود بالرسول ولم ينكره عليهم وإنما ذمهم على الكفر والجحود بعد إذ شاهدوا بركة الاستفتاح بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال الله تعالى ?إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين?(1)[42]):
في هذا النص بيان أن الصحابة رضوان الله عليهم استغاثوا بالله سبحانه فاستجاب لهم فأغاثهم وأمدهم بألف من الملائكة عليهم السلام والملائكة من جنود الله تعالى يغيث بهم من يشاء من عباده والذي يغيث بالملائكة هو الله تعالى وقدرته قابلة أن يغيث بها من شاء من عباده وأن يغيث عباده بعضهم ببعض لأن الخلق جميعا سواء من حيث الإمكان والحدوث وجواز تعلق صفات الله تعالى بهم.
ومن الذي أوجب على الله تعالى أن يمد الملائكة ويمد بهم فقط ولا يمد بالأنبياء والأولياء الصالحين والجميع حولهم وقوتهم بالله سبحانه وتعالى والتفريق بين الملائكة والأنبياء والأولياء من قبيل التفريق بين المتماثلين وهو مخالف لما عليه المحققون.
__________
(1) 42]) سورة الأنفال الآية9.
(3/13)
________________________________________
وقال تعالى ?ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما?(1)[43]) .
قال الزمخشري في الكشاف: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت جاؤوك تائبين من النفاق مستنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص وبالغوا في الاعتذار اليك من إيذائك برد قضائك حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ومستغفرا لوجدوا الله توابا أي لتاب عليهم ولم يقل واستغفرت لهم وعد عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
فهذه الآية وإن نزلت بسبب المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت فهي عامة تشمل كل عاص ومقصر، لأن ظلم النفس المذكور فيها يشمل كل معصية ثم إنها أي الآية تدل على الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حالتي حياته ووفات9ه لأن كلا من المجيء والاستغفار وقع في سياق الشرط فيدل على العموم ، الاستشفاع في حال الحياة ظاهر ليس فيه خلاف.
وورد في تفسير ابن كثير: عند قوله تعالى: ?ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ..?(2)[44]) ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ?ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاوؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما? وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم انشد يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
__________
(1) 43]) سورة النساء الآية 64.
(2) 44]) سورة النساء الآية 64.
(3/14)
________________________________________
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال: «الحق بالأعربي فبشره أن الله قد غفر له»(1)[45]).
وقد جاء في تفسير القرطبي ما نصه: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك روى أبو صالح عن علي قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ووعيت عن الله فوعينا منك وكان فيما أنزل الله عليك ?ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاوؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما? وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك(2)[46]).
فالآية دليل على جواز التوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في سائر الأحوال لأنه في قبره الشريف حي يرزق تعرض عليه أعمال أمته فيدعو لهم ويستغفر ويلحق به في جواز التوسل كل ما تثبت له هذه المزية كالشهداء والعلماء العاملين والأولياء المتقين ونحوهم والله أعلم.
هذا وقد روى هذه القصة غير من مضى من الأئمة:
الإمام النووي في كتابه الإيضاح(3)[47]).
وابن قدامة في كتابه المغني(4)[48]).
وأبو الفرج بن قدامة في كتابه الشرح الكبير(5)[49]).
والشيخ منصور البهوتي في كتابه المعروف بكشفا القناع من أشهر كتب المذهب الحنبلي(6)[50]) ولم يذكر واحد منهم أن هذا الفعل إشراك بالله تعالى فيكون إقرارا منهم بالتوسل.
الأدلة
من الأحاديث الشريفة وآثار الصحابة
ونبدأ بذكر الأدلة على التوسل والاستغاثة بالأحياء:
__________
(1) 45]) تفسير ابن كثير (ج1/ص643).
(2) 46]) تفسير القرطبي (ج5/ص265).
(3) 47]) الباب السادس (ص498).
(4) 48]) (ج3/556).
(5) 49]) (ج3/495).
(6) 50]) (ج5/30).
(3/15)
________________________________________
عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه: أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ادع الله لي أن يعافيني فقال: إن شئت صبرت وهو خير لك قال فادعه وفي رواية : ليس لي قائد وقد شق علي فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في قضاء حاجتي لتقضى لي اللهم شفعه في وزاد البيهقي فقام وقد أبصر وفي رواية اللهم شفعه في وشفعني في نفسي(1)[51])، فقوله: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك.. توسل وقوله : يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في قضاء حاجتي.. استغاثة فها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرض ان يدعو له هو بنفسه بل أمره أن يتوسل إلى الله به بل ويناديه حال غيابه عنه قائلا: يا محمد وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر بما فيه طعن في العقيدة أو يرضى به أصلا وهذا توسل ظاهر واستغاثة صريحة بذاته وجاهه صلى الله عليه وآله وسلم عليه وقد اعتمدها علماء المحدثون والحفاظ في كتب السنة في صلاة الحاجة حاثين الأمة عليها.
__________
(1) 51]) أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/138) والنسائي في عمل اليوم والليلة (658) والترمذي (3578) وابن ماجه (1385) وقال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح وعبد بن حميد (379) وابن خزيمة (1219) والحاكم (1/313) وصححه ووافقه الذهبي وفي رواية (فرجع وقد كشف له عن بصره) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (660).
(3/16)
________________________________________
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك»(1)[52]).
وهذا حث ظاهر منه للصحابة على التوسل إلى الله تعالى بجاه ومنزلة السائلين عنده والسائلين جمع يشمل الأموات والأحياء ومن كان حاضرا ومن كان غائبا وفي الحديث دليل التوسل بالعمل الصالح وهو ممشى الرجل إلى المسجد لوجه الله فالشرع لم يفرق بين التوسل بالذوات الفاضلة وبين التوسل بالعمل الصالح بل لقائل أن يقول: كيف لا يجوز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أشرف خلق الله ويجوز التوسل بصلاة العبد وصيامه وصدقته وكلا الأمرين خلق الله.
__________
(1) 52]) أخرجه ابن ماجه (778) وأحمد (3/21) والطبراني في الدعاء (2/990) وابن السني في عمل اليوم والليلة ص(40) والبيهقي في الدعوات الكبير ص(47) وأخرجه ابن أبي شيبة (10/211 -212) وقد حسنه جمع من الحفاظ منهم الحافظ ابن حجر كما في أمالي الأذكار (1/72) والحافظ العراقي كما في تخريج أحاديث الإحياء (1/291) والحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في الترغيب والترهيب (3/273) والحافظ الدمياطي كما في المتجر الرابع ص (471 -472) وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (1/99) رواه ابن خزيمة في صحيحه في طريق فضيل بن مرزوق فهو صحيح عنده.
(3/17)
________________________________________
وعن سيدنا علي كرم الله وجهه: ان سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله عنهما قال: اللهم بحقي وحق الأنبياء من قبلي اغفر لأمي بعد أمي(1)[53]).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا . قال: فيسقون وفي الحديث إثبات التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم وبيان جواز التوسل بغيره كالصالحين من آل البيت وغيرهم كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(2)[54]).
ومن الشبه التي قد ترد على هذا الحديث أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه توسل بالعباس لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان قد توفي والجواب أن يقال: هل قال لكم عمر أو العباس إن هذا التوسل لأن الرسول كان قد توفي كلا لا قال عمر ذلك ولا أشار إليه ولا قال العباس ذلك ولا أشار إليه، وهنا مسائل لابد من ذكرها:
ترك الشيء لا يدل على منعه كما تقرر في الأصول فترك عمر للتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا دلالة فيه أصلا على منع التوسل وقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا من المباحات فهل دل تركه لها على حرمتها؟ لم يقل ذلك أحد من العلماء ثم إن صاحب الوسيلة لا يتصرف بنفسه في قضاء حاجة المتوسل حتى يحول موته دون ذلك وإنما هو يسعى بالشافعة عند الله تعالى في قضاء حاجة المتوسل فهل ورد نص بتجرد الأنبياء والصالحين بموتهم مما لهم عند الله من المنزلة والجاه على أنه سيمر معنا إن شاء الله تعالى الكلام عن الروح وقوة تصرفها بعد مفارقة البدن.
أراد عمر ان يبين التوسل بالمفضول مع وجود الأفضل لوجود علي وعثمان رضي الله عنهما.
__________
(1) 53]) رواه الطبراني في الأوسط (1/152) وأبو نعيم في الحلية (3/121) والهيثمي في مجمع الزوائد (9/257).
(2) 54]) أخرجه البخاري (1010).
(3/18)
________________________________________
توسل عمر بالعباس في الحقيقة توسل بالنبي لأن عمر توسل به لمكانته من النبي وكونه عمه فها هو يقول عم نبينا ولم يقل بالعباس بن عبدالمطلب.
أراد عمر بفعله أن يبين جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الصلاح ممن ترجى بركته.
وعن شريح بن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين قال: لا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الأبدال بالشام هم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب(1)[55]).
وفي رواية: أربعون رجلا مثل خليل الرحمن(2)[56]).
ومعنى المثلية في قوله مثل خليل الرحمن أنهم على طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سلامة الصدر والرحمة لجميع المسلمين .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كنت لابد سائلا فأسأل الصالحين(3)[57]) فهذا حث ظاهر منه صلى الله عليه وآله وسلم على سؤال الصالحين.
وقال عليه الصلاة والسلام (إن الله خلقا خلقهم لحوائج الناس يفعزع إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله)(4)[58]).
وعن سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله ابسوا علي ، يا عباد الله احبسوا علي، فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم)(5)[59]).
__________
(1) 55]) أخرجه أحمد (1/112) وفي (مجمع الزوائد 10/1667).
(2) 56]) ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10/63) وقال إسناده حسن.
(3) 57]) أخرجه أحمد (4/324) في المسند وأبو داود (1646) والنسائي (2586).
(4) 58]) رواه الطبراني في الكبير (3234) وذكره السيوطي في الجامع الصغير (2350 ورمز لحسنه.)
(5) 59]) أخرجه الطبراني في الكبير (10518) وأبو يعلى (5269) والهيثمي في مجمع الزوائد (17105).
(3/19)
________________________________________
وفي رواية: »إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد أحدم غوثا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله عبادا لا نراهم.
وفي رواية: »إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظ يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني، وفي رواية أعينوا(1)[60]).
وذكر الإمام الطبراني في الكبير، والإمام النووي في الأذكار بعد روايتهما للحديث بأنهما جربا ذلك بأنفسهما ، وهو ظاهر جلي لا يحتمل التأويل ولا التبديل ففي هذا الموقف الذي ينادي فيه الإنسان (ياالله) بفطرته ، حيث لا يرى حوله من يآنسه أو يقاسمه همه رغم هذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول «يا عباد الله حثا على الأخذ بالأسباب فهل بعد الحق إلا الضلال المبين».
عن الحارث بن حسان البكري رضي الله عنه قال: خرجت أنا والعلاء ابن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. الحديث وفيه فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، فقال: أي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: وما وافد عاد؟.....الخ(2)[61]) .
فها هو رضي الله عنه الله عنه يستعيذ بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورغم هذا اقره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل من المعقول أن يقره على الإشراك بالله.
وعن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم فيقال: هل فيكم من صحب محمدا فيستنصرون به فينصرون ثم يقال: هل فيكم من صحب محمدا فيقال: لا فيقال: فمن صحب أصحابه؟ فلو سمعوا به من وراء البحر لأتوه»(3)[62]).
__________
(1) 60]) أخرجه الطبراني في الكبير 17.
(2) 61]) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال الإسناد حسن الفتح (8/579).
(3) 62]) أخرجه أبو يعلى (2182).
(3/20)
________________________________________
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم(1)[63]).
وهذا دليل على الاستغاثة بالحصابة والتوسل بهم إلى الله طلبا للنصر.
وعن عبدالله بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يتمثل بشعر أي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وفي لفظ قال: ربما ذكرت قول الشاعر وانا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل(2)[64])
فتمثله رضي الله عنه بهذا البيت من قول أبي طالب دون غيره دليل على توسله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نص لا يحتمل غير هذا الفهم، ومثل سيدنا ابن عمر لا يصدر عنه ما يشك في قبوله شرعا.
وعن سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في حديث الشفاعة: «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نفصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم»(3)[65]).
وهذا الحديث ظاهر في أن الناس يتوسلون بسيد الأنام عند اشتداد الأمر عليهم ويستغيثون به، ولو كان التوسل والاستغاثة كفرا لما جاز لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لهم عند الله ، ومعلوم أن الشفاعة يوم القيامة لا تنال الكافرين بل لو كان فيهما شيء من الإشراك بالله لبينه لأصحابه عندما أخبرهم بهذا الحديث فلما لم يكن كفرا كان أمره مستحبا ومندوبا إليه في الدنيا والآخرة.
__________
(1) 63]) أخرجه البخاري (2739).
(2) 64]) أخرجه البخاري (1008).
(3) 65]) هذا الحديث متواتر ، وممن رواه البخاري ومسلم (194).
(3/21)
________________________________________
وعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقص على أصحابه حادثة السيدة هاجر هي وابنها بعد أن تركها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام في مكة أنها كلما سمعت صوتا عند الطفل قالت: (إن كنت ذا غوث فأغث)(1)[66]) والمخاطب هو جبريل عليه السلام فغمز الأرض بعقبه فنبعت زمزم التي ما زالت وستبقى إلى يوم القيامة مفضلة على جميع أنواع المياه لبركتها وفائدتها فهل من المعقول أن يكرم الله السيدة هاجر بماء زمزم إن كان في كلمتها شيء من الكفر ثم إن كان فيها كفر فلماذا لم ينبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عليها وهو يحدثهم أيسكت صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر فيه إخراج أصحابه عن عقيدتهم؟!
وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم النسيان لما يسمعه من حديثه الشريف وهو يريد أن يزول عنه ذلك فقال رضي الله عنه : يا رسول الله : إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه فأحب أن لا أنسى فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ابسط ردائك فبسطه فغرف يديه فيه ثم قال: ضمه فضمه قال ابو هريرة فما نسيت حديثا بعد وفي رواية فما نسيت شيئا قط»(2)[67]).
__________
(1) 66]) اخرجه البخاري (3365).
(2) 67]) أخرجه البخاري (3648) والترمذي (3835).
(3/22)
________________________________________
وعدم النسيان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله وحده ورغم هذا لم ينكر عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأجابه إلى مطلبه فهذا توسل منه رضي الله عنه بذات سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومكانته عند الله لا بدعائه فحسب لأنه لم يرد أنه دعا له وإنما اغترف له من الهواء وألقاه في ثوبه وأمره بضمه إلى صدره وهذا دليل منه رضي الله عنه على جواز سؤال مثل هذه الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله من غير الله تعالى، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل له لا تسألني وسل من هو أقرب إليك مني بل أجابه إلى مطلبه وقضيت حاجته باللحظة التي ضم فيها الرداء إلى صدره.
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن عمر عس(1)[68]) ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحجدا يضحك ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة ولم ير سائلا يسأل فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن الناس سألو فلم يعطوا فقطعوا السؤال والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن ياغوثاه لأمة محمد فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمة(2)[69]).
وهذا ظاهر في جواز إطلاق لفظ التوسل والاستغاثة.
__________
(1) 68]) تجول في البلد ليلا لينظر في احوالها.
(2) 69])البداية والنهاية (7/97) وقال عنه : أثر جيد الإسناد
(3/23)
________________________________________
وعن قتادة رضي الله عنه أنه أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فقال: لا حتى استأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأمره فقال: لا ثم وضع راحته على حدقته ثم غمزها فعادت كما كانت فكانت أصح عينيه(1)[70])، فهذا توسل منه بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبرأ من مرضه.
ومثل هذا الفعل مما يختص به الله عز وجل إلا أن يكرم به أحد عباده ويأذن له بفعله .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(2)[71]) فهذا دليل جواز استعانة العباد بعضهم ببعض بل والحث على ذلك وإكرام المعين لغيره بمعونة الله الكبرى.
الأدلة على التوسل والاستغاثة
بالأموات
لابد لنا قبل الخوض في ذكر الأدلة على التوسل والاستغاثة بالأموات من الإجابة على أسئلة ثلاثة قد تتبادر إلى أذهان كثير من الناس وهي:
هل الموتى أحياء في قبورهم فنتوسل بهم؟
وهل يسمعون توسلنا وهم في القبور؟
وهل يستطيعون إثاثتنا ونفعنا وهم قد انتقلوا إلى الحياة البرزخية؟
الجواب عن الأسئلة الثلاثة (نعم) إنهم أحياء في قبورهم يسمعون توسلنا ويقضون حوائجنا والأدلة على ذلك كثيرة:
منها قوله تعالى ?ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عن ربهم يرزقون?(3)[72]).
وقوله تعالى ?ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون?(4)[73]).
__________
(1) 70]) أخرجه أبو يعلى (1549) وأبو نعيم في دلائل النبوة (416) وابن حجر في أسد الغابة (4/390) والإصابة (8/138) وابن هشام في اللسيرة (2/82) مرسلا والطبراني في الكبير (19 رقم 12) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (/297 -298) (6/113) وابن كثير في الشمائل ص (568) والحاكم (3/295) وابن كثير في السيرة (3/66 -67).
(2) 71]) أخرجه مسلم (6793) وأبو داود (4946).
(3) 72]) سورة آل عمران الآية (169).
(4) 73]) سورة البقرة الآية (154).
(3/24)
________________________________________
فدلت الآيتان على حياة الذين يقتلون في سبيل الله والقتل في سبيل الله عام يشمل الشهادة في الحروب وفي غيرها كما دلت الأحاديث والآثار على ذلك ثم إذا كان هذا حال الشهداء فماذا يكون حال الأنبياء عامة وحال نبينا خاصة وقد جمع الله له بين الشهادة والنبوة؟ لا شك انهم أدنى بهذه المزية منه.
ومنها قوله تعالى ?وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون?(1)[74]) فقد قال الحافظ ابن كثير رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية:
(... وقد ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ).
ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون»(2)[75]).
__________
(1) 74]) سورة التوبة الآية (105).
(2) 75]) أخرجه أبو يعلى (3425) رمز السيوطي لحسنه، وأخرجه أيضا البيهقي في حياة الأنبياء (ص)3 وصححه والبزار في مسنده (233) (256) وابن عساكر في تاريخ دمشق (4/285) وابن عدي في الكامل (9/2) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/38) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (8 برقم 13812) وذكره الحافظ في المطالب العالية (3452) وصححه المناوي إسناده صحيح ويشهد له حديث سيدنا أنس رضي الله عنه قال رسلو الله صلى الله عليه وآله وسلم مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر أخرجه مسلم (6107) والنسائي (631) وأحمد (3/148) وأبو نعيم في الحلية (6/253) وأبو يعلى (3325) وابن حبان (50) وابن أبي شيبة (14/307 ، 308) والسيوطي في الدر المنثور (4/150) .
(3/25)
________________________________________
ومنها حديث أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يقولون بليت فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»(1)[76]).
ومنها حديث الإسراء المتواتر الذي ورد من طريق بضع وأربعين صحابيا(2)[77]) وفيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم بهم جماعة وأن سيدنا آدم وغيره من الأنبياء دعوا لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن سيدنا موسى عليه السلام طلب منه العودة إلى ربه ليطلب منه تخفيف الصلاة عنا حتى خففها الله من خمسين صلاة إلى خمس صلوات في اليوم والليلة فهذا كله دليل حياتهم في دار البرزخ أي القبر بل وحريتهم في الانتقال من مكان إلى آخر ودعاء سيدنا آدم وإرشاد سيدنا موسى لأمر تخفيف عدد الصلوات دليل نفعهم لنا وهم في الحياة البرزخية .
ومنها حديث سيدنا أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: »إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم(3)[78]).
__________
(1) 76]) أخرجه أبو داود (1047) والنسائي (1373) وابن ماجه (1085) وأحمد (4/Cool والدارمي (1535) وابن خزيمة (1733) وابن أبي شيبة (2/516) والبيهقي (3/248) والحاكم (1/278) وصححه ووافقه الذهبي والطبراني في الكبير (589).
(2) 77]) أخرجه البخاري (349) ومسلم (413) والدارمي في الرد على الجهمية وابن منده في افيمان (714) وأبو عوانة (1/133 - 135) والآجري في الشريعة ص (481 - 482).
(3) 78]) أخرجه البخاي (1338) ومسلم (7145) وأبو داود (7145) وأبو داود (3231) والنسائي (2048) وأحمد (3/126) وعبد بن حميد (1180) والبيهقي في إثبات عذاب البقبر (13) والآجري في الشريعة ص (365) وأحمد في السنة (1355) والبيهقي في السنن (4/80 والبغوي (1522) وابن حبان (3120) .)
(3/26)
________________________________________
ومنها حديث سيدنا أبي طلحة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قام على القليب قليب بدر وفيه قتلى المشركين فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان ابن فلان قال: إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟! فقال سيدنا عمر يا رسول الله: ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟! فقال رسول الله صل والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما اقول منهم(1)[79]) وهذا قسم منه صلى الله عليه و


عدل سابقا من قبل ابراهيم فرج الله في السبت نوفمبر 07, 2009 6:24 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 6:17 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 6:55 pm

المولد
قال الله تعالى ?وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين?(1)[1]) وقال صلى الله عليه وآله وسلم «إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا»(2)[2]) وقال أيضا : «إنما أنا رحمة مهداة»(3)[3]) فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمة العظمى وقد أذن الله لنا بالفرح والسرور بمولد تلك الرحمة قال تعالى ?قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا?(4)[4]) فقد قال السيوطي في تفسير هذه الآية ناقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما : «فضل الله العلم ورحمته محمد صلى الله عليه وآله وسلم »(5)[5]).
وقال تعالى أيضا : ?وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك?(6)[6]) يظهر من ذلك أن الحكمة في قصص أنباء الرسل عليهم السلام تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا شك اننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صلى الله عليه وآله وسلم.
وإن المولد الشريف يحث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى : ?إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما?(7)[7]) وما كان يبعث على المطلوب شرعا فهو مطلوب شرعا.
__________
(1) سورة الأنبياء الاية (107).
(2) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (2583) ورمز لصحته.
(3) أخرجه الحاكم في مستدركه (1/100).
(4) سورة يونس الآية (58).
(5) الدر المنثور (2/308) .
(6) سورة هود الآية (120).
(7) سورة الأحزاب الآية (56).
(5/1)
________________________________________
وقال تعالى ?قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا ولآخرنا وارزقنا وأنت خير الرازقين?(1)[8]) فنزول المائدة اعتبر عيدا لأهل الأرض للأولين والآخرين ليظهروا فرحهم فما أحرانا أن نفرح بمولده صلى الله عليه وآله وسلم وهو الرحمة العظمى للعالمين قال تعالى ?وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين?(2)[9])، إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وقد انتفع به الكافر به صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء أنه يخفف عن ابي لهب كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم(3)[10]) وقال إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزري رحمه الله تعالى في كتابه (عرف التعريف بالمولد الشريف) : قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين بإعتاقي ثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبإرضاعها له فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه يخفف عنه العذاب كل ليلة اثنين بسبب فرحه بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي سر بمولده ويبذل ما تصل اليه قدرته في محبته صلى الله عليه وآله وسلم إنه سيكون له أجر عظيم عند الله عز وجل ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي :
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... بتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورا ومات موحدا
__________
(1) سورة المائدة الآية (114).
(2) سورة الأنبياء (107).
(3) 10]) أخرجه البخاري (3/363) والسهيلي في الروض الأنف (5/192) وفتح الباري (1/124).
(5/2)
________________________________________
وإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل علي»(1)[11]) وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو سماع شمائله الشريفة .
وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها.
وقد أصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه القاعدة بنفسه كما صح في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم : لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله نجى فيه نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومون شكرا لله على هذه النعمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم «نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه»(2)[12]).
__________
(1) 11]) أخرجه مسلم (2738) وأبو داود (2425) والترمذي (749) والنسائي (2382) وفي الكبرى تحفة الأشراف (9/12118) وابن ماجه (1713) وأحمد (5/296) وابن خزيمة (2087) وابن حبان (3642) والبيهقي (4/286) وابن أبي شيبة (3/78) والبغوي (1789) .
(2) 12]) أخرجه البخاري (3943) ومسلم (2651) (2444) وابن ماجه (1734) وأحمد (1/340) والبيهقي (4/989) والطبراني في الكبير (12442) وابن خزيمة (2084) وابن أبي شيبة (3/56) وعبدالرزاق (7843) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (5450) والدارمي (1708) والبغوي (1782) والطحاوي (2/75) والحميدي (515).
(5/3)
________________________________________
(وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه بعد النبوة) مع انه قد ورد أن جده عبدالمطلب عق عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار للشكر على إيجاده رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه كذلك(1)[13]).
ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة وعد مزاياه وفيه ولد آدم تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه افضل النبيين وأشرف المرسلين.
ويكون الفرح والسرور أحيانا في ذكرى الإحياء للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية كما يؤخذ تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي من أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له: (أتدري أين صليت ؟ قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى)(2)[14]).
وإن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف الذي ذكره أبو نعيم عند ترجمته قال: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح).
وإن معرفة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام وزيادة في المحبة إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل خُلُقاً وخَلْقاً علما وعملا حالا واعتقادا ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وآله وسلم وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعا فما كان يستدعيهما مطلوب كذلك.
__________
(1) 13]) الحاوي للفتاوى (1/292).
(2) 14]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/356).
(5/4)
________________________________________
وإن الاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وذلك مشروع عندنا في الإسلام فأنت ترى ان أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهورة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة يحيى المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع.
وكل ما ذكرناه سابقا من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها أما إذا اشتمل المولد على شيء مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد الشريف صلى الله عليه وآله وسلم فهذا لا شك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات لكن تحريمه حينئذ يكون عارضيا لا ذاتيا كما لا يخفى على من تامل ذلك.
أول من أحدث المولد:
وأول من أحدث ذلك صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ابن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد .. قال ابن كثير في تاريخه : كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهما شجاعا عاقلا عادلا رحمه الله وأكرم مثواه(1)[15]).
أقوال العلماء في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ... فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصد وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2)[16]).
وقد قال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة.
__________
(1) 15]) الحاوي للفتاوى (1/2929.
(2) 16]) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي (1/83 -84) وذكره ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم
(5/5)
________________________________________
ومن ثم قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي رحمهما الله تعالى : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكرا لله على ما من به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.
وقال السخاوي: لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(1)[17]).
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام(2)[18]).
وقال السيوطي رحمه الله تعالى : هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف(3)[19]).
وقال أيضا: يستحب لنا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وآله وسلم والاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات(4)[20]).
وقال أيضا: ما من بيت أو محل أو مسجد قرئ فيه مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا حفت الملائكة أهل ذلك المكان وعمهم الله تعالى بالرحمة والرضوان(5)[21]).
__________
(1) 17]) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي (1/83 - 84).
(2) 18]) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي (1/83 - 84) .
(3) 19]) الحاوي للفتاوى (1/292).
(4) 20]) الحاوي للفتاوى (1/196).
(5) 21]) الوسائل في شرح المسائل للسيوطي.
(5/6)
________________________________________
وقال ابن الحاج رحمه الله تعالى: فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم(1)[22]) .
وقال ابن الحاج رحمه الله تعالى: ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد(2)[23]).
وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى : إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة(3)[24]).
__________
(1) 22]) المدخل (1/361).
(2) 23]) الدرر السنية ص (190).
(3) 24]) شرح المواهب اللدنية للزرقاني.
(5/7)
________________________________________
وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى : أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشورا فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى فيستفاد منه الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم وعلى هذا فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من التلاوة والإطعام وإنشاد شيء من المدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به وما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى(1)[25]).
وقال ابن عابدين في شرحه على مولد ابن حجر: اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وآله وسلم: وقال أيضا: فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات.
__________
(1) 25]) الفتاوى الكبرى (1/196).
(5/Cool
________________________________________
وقال الشيخ حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر رحمه الله تعالى : إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله تعالى وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم وصلة الأرحام والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة(1)[26]) .
وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى : وإكراما لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها..(2)[27]) .
وقال المبشر الطرازي(3)[28]) رحمه الله تعالى : إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجبا أساسيا لمواجهة ما استجد من الاحتفالات الضارة في هذه الأيام.
قصة عتق ثويبة
يذكر العلماء في كتب الحديث والسيرة قصة عتق أبي لهب لجاريته ثويبة لما اخبرته بولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن العباس بن عبدالمطلب رأى أبا لهب في النوم بعد وفاته فسأله عن حاله فقال: لم ألق خيرا بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وإنه ليخفف علي في كل يوم اثنين(4)[29]).
قلت: هذا الخبر رواه جملة من أئمة الحديث والسير مثل الإمام عبدالرزاق الصنعاني والإمام البخاري والحافظ ابن حجر والحافظ البيهقي وابن هشام والسهيلي والحافظ البغوي وابن الديبع والأشخر والعامري وسأبين ذلك بالتفصيل:
__________
(1) 26]) فتاوى شرعية (1/131).
(2) 27]) على مائدة الفكر الإسلامي ص (295).
(3) 28]) شيخ الإسلام السابق في تركستان.
(4) 29]) أخرجه البخاري (5101) في النكاح والسهيلي في الروض الأنف (5/192) فتح الباري (1/124) .
(5/9)
________________________________________
فأما الإمام عبدالرزاق الصنعاني فقد رواه في المصنف (7/478) وأما الإمام البخاري فقد رواه في صحيه بإسناده إلى عروة بن الزبير مرسلا في كتاب النكاح باب?وأمهاتكم اللاتي ارضعنكم? وأما ابن حجر فقد ذكره في الفتح وقال : إنه رواه الإسماعيلي من طريق الذهلي عن أبي اليمان ورواه عبدالزاق عن معمر وقال: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة لكنه مخالف لظاهر القرآن قال الله تعالى : ?وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا? وأجيب أولا بأن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به وثانيا على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخصوصا من ذلك بدليل قصة أبي طالب أنه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح وقال البيهقي : ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات.
(5/10)
________________________________________
وأما عياض فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض قلت: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه؟ وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه، وقال ابن المنير في الحاشية: هنا قضيتان: أحدهما محال وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح وهذا مفقود من الكافر والثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا.
قلت وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراما لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك والله أعلم(1)[30]) .
وأما الحافظ عبدالرحمن بن الديبع الشيباني صاحب الأصول فقد رواه في سيرته وقال معلقا: قلت: فتخفيف العذاب عنه إنما هو كرامة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما خفف عن أبي طالب لا لأجل العتق لقوله تعالى ?وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون(2)[31])?(3)[32]).
وأما الحافظ البغوي فقد رواه في شرح السنة (9/76).
وأما العامري فقد رواه في بهجة المحافل وقال شارحه الأشخر قيل: هذا خاص به إكراما له صلى الله عليه وآله وسلم كما خفف عن أبي طالب بسببه وقيل لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرا(4)[33]).
__________
(1) 30]) فتح الباري (9/145).
(2) 31]) سورة هود الآية (16).
(3) 32]) حدائق الأنوار في السيرة (1/134).
(4) 33]) شرح البهجة (1/41).
(5/11)
________________________________________
وأما السهيلي فقد رواه في الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام وقال بعد نقل الخبر: فنفعه ذلك وهو في النار كما نفع أخاه أبا طالب أن هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف أي لا يجده في ميزانه ، ولا يدخل به جنة(1)[34]).
وحاصل البحث أن هذه القصة مشهورة في كتب الأحاديث وفي كتب السير ونقلها حفاظ معتبرون معتمدون ويكفي في توثيقها كون البخاري نقلها في صحيحه المتفق على جلالته ومكانته وكل ما فيه من المسند صحيح الثبوت بلا خلاف حتى المعلقات والمرسلات فإنها لا تخرج عن دائرة المقبول ولا تصل إلى المردود وهذا يعرفه أهل العلم المشتغلون بالحديث والمصطلح .
ثم إن هذه المسألة من المناقب والفضائل والكرامات التي يذكرها العلماء في كتب الخصائص والسير ويتساهلون في نقلها ولا يشترطون فيها الصحيح بالمعنى المصطلح عليه ولو ذهبنا إلى اشتراط هذا الشرط لما أمكننا ذكر كثير من حوادث سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة وبعد البعثة مع أنك تجد كتب الحفاظ الذين عليهم العمدة وعلى صنيعهم المعول والذين منهم عرفنا ما يجوز ومالا يجوز ذكره من الحديث الضعيف نجد كتبهم مملوءة بالمقطوعات والمراسيل وما أخذ عن الكهان وأشبهاهم في خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن ذلك مما يجوز ذكره في هذا المقام.
__________
(1) 34]) الروض الأنف (5/192).
(5/12)
________________________________________
أما قول من قال: إن هذا الخير يعارض قوله تعالى ?وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا? فهذا قول مردود بما قاله العلماء ونقلناه عنهم سابقا وتحرير الكلام في هذا المقام هو أن الآية تدل على أن أعمال الكفار لا ينظر اليها وليس فيها أنهم سواء في العذاب وأنه لا يخفف عن بعضهم العذاب كما هو مقرر عند العلماء وكذالك الإجماع الذي حكاه عياض فإنه في عموم الكفار وليس فيه أن الله تعالى لا يخفف العذاب عن بعضهم لأجل عمل عملوه ولهذا جعل الله تعالى جهنم دركات والمنافقون في الدرك الأسفل منها.
ثم إن هذا الإجماع يرده النص الصحيح ولا يصح إجماع مع مخالفة النص كما هو معلوم للطلبة وذلك أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمه العباس حين سأله عن عمه أبي طالب وما هو جزاؤه إذ كان يحوطه ويغضب له فقال: إنه لفي ضحضاح من النار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل(1)[35]).
فها هو أبو طالب قد نفعه دفاعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل ذلك من غمرات النار إلى ضحضاح منها .
فالتخفيف عن أبي لهب من هذا الباب أيضا لا منكر فيه والحديث يدل على أن الآية المذكورة فيمن لم يكن لهم عمل يوجب التخفيف وكذلك الإجماع وفي حديث أبي طالب المذكور دلالة على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتصرف الآن وقبل يوم القيامة في أمور الآخرة ويشفع لمن تعلق به ودافع عنه.
وأما قول من قال: إن هذا الخبر رؤيا منام لا يثبت بها حكم فإن هذا القائل هداه الله للصواب لا يفرق بين الأحكام الشرعية وغيرها أما الأحكام الشرعية فإن الخلاف واقع بين الفقهاء هل يجوز أخذ الأحكام وتصحيح الأخبار برؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام أم لا ؟
__________
(1) 35]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب ذكر النار حديث (42).
(5/13)
________________________________________
وأما غيرها فإن الاعتماد على الرؤيا في هذا الباب لا شيء فيه مطلقا وقد اعتمد عليها الحفاظ وذكروا ما جاء في رؤيا أهل الجاهلية قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنذرة بظهوره وأنه سيقضي على الشرك وما هم عليه من فساد وكتب السنة مملوءة بهذا وفي مقدمتها كتاب دلائل النبوة وعدوها من الإرهاصات التي لا مانع من الاستدراك في شأنها بالرؤيا ولولا ذلك لما ذكروها.
فقول القائل في شأن رؤيا العباس: إنها ليست بحجة ولا يثبت بها حكم ولا خبر خروج عن عمل الأمة من الحفاظ وغيرهم والمراد به التهويل لا غير وما هكذا يكون شأن الباحث عن الحق والأمر لله.
وأما من قال: إن الرائي والمخبر هو العباس في حال الكفر والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم فإن هذا القول مردود لا رائحة للعلم فيه وهو باطل ذلك لأنه لم يقل أحد أن الرؤيا من باب الشهادات مطلقا وإنما هي بشارة لا غير فلا يشترط فيها دين ولا إيمان بل ذكر الله تعالى في القرآن معجزة يوسف عليه السلام عن رؤيا ملك مصر وهو وثني لا يعرف دينا سماويا مطلقا ومع ذلك جعل الله تعالى رؤيته المنامية من دلائل نبوة يوسف عليه السلام وفضله وقرنها بقصته ولو كان ذلك لا يدل على شيء لما ذكرها الله تعالى لأنها رؤيا مشرك وثني لا فائدة فيها لا في التأييد ولا في الإنكار.
(5/14)
________________________________________
ولهذا ذكر العلماء أن الكافر يرى الله تعالى في المنام ويرى في ذلك ما فيه إنذار له وتوبيخ وتقريع والعجب كل العجب من قول القائل: إن العباس رأى ذلك في حال كفره والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم فإن هذا القول يدل على عدم المعرفة بعلم الحديث إذ المقرر في المصطلح أن الصحابي أو غيره إذا تحمل الحديث في حال كفره ثم روى ذلك بعد إسلامه أخذ ذلك عنه وعمل به وانظر أمثلة ذلك في كتب المصطلح لتعرف بعد صاحب هذا عن العلم وإنما الهوى هو الذي حمل المعترض على الدخول فيما لا يتقنه(1)[36]).
القيام في نهاية المولد:
مفهوم خاطئ : يظن بعض من يحضر المولد النبوي ويقوم مع القائمين أن الناس يقومون معتقدين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف حقيقة وأن البخور والطيب الذي يوضع هو له فهذه الظنون باطلة لا أصل لها.
نعم نحن نعتقد أنه صلى الله عليه وآله وسلم حي حياة برزخية كاملة لائقة بمقامه وإن روحه جوالة في ملكوت الله سبحانه وتعالى ويمكن أن تحضر مجالس الخير وكذلك أرواح الأولياء والصالحين من أتباعه وقد قال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت(2)[37]).
وإن القيام في المولد ليس سنة ولا واجبا وإنما هي حركة جرت عادة الناس بها واستحسن ذلك من استحسنه من أهل العلم يقول البرزنجي مؤلف أحد الموالد النبوية ما نصه: وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمة ذوو رواية وروية فطوبى لمن كان تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم غاية مرامه ومرماه.
ويقول أيضا:
وقد سن أهل العلم والفضل والتقى ... قياما على الأقدام مع حسن إمعان
بتشخيص ذات المصطفى وهو حاضر ... بأي مقام فيه يذكر بل دان
__________
(1) 36]) مفاهيم يجب أن تصحح ص (315) وما بعدها.
(2) 37]) الروح لابن القيم ص (144).
(5/15)
________________________________________
فأنت تراه يقول: وقد سن أهل العلم ولم يقل سن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الخلفاء الراشدون ولم يقل: سنة مطلقة بل قال: وقد سن أهل العلم وبعدها يقول: بتشخيص ذات المصطفى أي أن هذا القيام لتصور شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذهن وهذا التصور شيء محمود ومطلوب بل لابد من أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين ليكمل اتباعه له صلى الله عليه وآله وسلم وتزيد محبته فيه صلى الله عليه وآله وسلم ويكون هواه تبعا لما جاء به فالناس يقومون احتراما وتقديرا لهذا التصور الواقع في نفوسهم عن شخصية ذلك الرسول العظيم مستشعرين جلال الموقف وعظمة المقام وهو أمر عادي كما تقدم ولذلك فإن من لم يقم لا شيء عليه ولا يكون آثما شرعا.
فالقيام كما قدمنا أمر استحسنه العلماء شرقا وغربا والقصد فيه تعظيم صاحب المولد وجرى به العمل في سائر البلاد وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن كما مر في حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
وقال الشيخ علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي: وقد وجد القيام عند ذكر اسمه صلى الله عليه وآله وسلم من عالم الأمة ومقتدى الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكي اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره فأنشد قول البوصيري في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم:
قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب ... على ورق من خط أحسن من كتب
وأن تنهض الأشراف عند سماعه ... قياما صفوفا او جثيا على الركب
فعند ذلك قام السبكي رحمه الله وجميع من في المجلس فحصل أنس كبير بذلك المجلس ويكفي مثل ذلك في الاقتداء(1)[38]).
كيفية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:
__________
(1) 38]) السيرة الحلبية (1/83 - 84) والسيرة النبوية لزيني دحلان ص (51).
(5/16)
________________________________________
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لابد من الالتزام وإلزام الناس بها بل إن كل ما يدعو إلى الخير ويجمع الناس على الطاعة ويرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي ولذلك فلو اجتمعنا على شيء من المدائح التي فيها ذكر الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وفضله وجهاده وخصائصه ولم نقرأ قصة المولد النبوي التي تعارف الناس على قراءتها واصطلحوا عليها حتى ظن بعضهم أن المولد النبوي لا يتم إلا بها ثم استمعنا إلى بعض المواعظ والإرشادات وقراءة القرآن الكريم فإن ذلك داخل تحت الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
شبهات وردت حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:
الشبهة الأولى: قول القائل : إن الاحتفال بالمولد لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة محرمة يجب الإنكار عليها.
(5/17)
________________________________________
فالجواب على ذلك: أنه ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة محرمة ولو كان الأمر كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله: نعمت البدعة هذه(1)[39]) ، وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب وللوسائل حكم المقاصد فكل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة وليشتمل على منكر فهو من الدين ومن ثم قيد العلماء حديث «كل بدعة ضلالة»(2)[40])، بالبدعة السيئة ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء(3)[41]).
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا، فهو البدعة الضالة وما احدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو المحمود.
__________
(1) 39]) أخرجه البخاري (2010) ومالك (1/114 - 115).
(2) 40]) أخرجه أحمد (4/126 - 127) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وقال حسن صحيح وابن ماجه (43) والدارمي (95) والبغوي (102) والحاكم (1/95 - 96) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي (6/541) والطحاوي في مشكل الاثار (2/69) والآجري في الشريعة ًص (46) وابن عاصم (279 .
(3) 41]) أخرجه مسلم (2348) والنسائي (2553) وأحمد (4/357) مختصرا والترمذي (2675) وابن ماجه (203) .
(5/18)
________________________________________
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى : البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة ويدل على ذلك أيضا قول سيدنا عمر رضي الله عنه السابق: نعمت البدعة هذه(1)[42]).
الشبهة الثانية: قول القائل : إن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الأول وهو نفس الشهر الذي توفي فيه فلماذا يكون الفرح بولادته ولا يكون الحزن بوفاته؟..
والجواب على ذلك: كما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى : أن ولادته عليه الصلاة والسلام أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار الولادة ولم يأمر عند الموت بذبح ولا بغيره فدلت قواعد الشرعية على أنه يحسن في هذا الشهرإظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وآله وسلم دون إظهار الحزن.
الشبهة الثالثة: قول القائل: إن الاحتفال بمولده نوع من الإطراء والتقديس له صلى الله عليه وآله وسلم مما يؤدي إلى رفع مقامه عن كونه بشرا وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبدالله ورسوله»(2)[43]).
__________
(1) 42]) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/22)).
(2) 43]) أخرجه أحمد (1/153).
(5/19)
________________________________________
فالجواب: أن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الإطراء المنهي عنه هو المشابه لإطراء النصارى بأن المسيح هو ابن الله حاشاه تعالى من ذلك أما إطراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاحتفال بمولده فلا يعدو عن ذكر فضائله النبوية وأخلاقه المحمدية وقد مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم اناس من الصحابة وأثنوا عليه في حياته وبعد مماته ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أحد منهم ذلك بل وربما أيدهم فهذا كعب بن زهير لما قال أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصيدته المشهورة : (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) واتمها نجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلع عليه عباءته وألبسه إياها جزاء لصنيعه وهذا عبدالله بن رواحة يقول مادحا النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
وكذلك استقبال أهل المدينة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منشدين : طلع البدر علينا... فهل كان مدح هؤلاء الصحابة وغيرهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثنائهم عليه أمرا مخالفا للشرع؟ وإذا كان كذلك فهل يسكت عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة؟!
كبار علماء الأمة ومصنفاتهم في المولد النبوي الشريف:
(5/20)
________________________________________
الحافظ محمد بن ابي بكر بن عبدالله القيسي الشافعي المعروف بالحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي المولود سنة (777هـ) والمتوفى سنة (842هـ) قال عنه الحافظ ابن فهد في لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ: هو إمام مؤرخ له الذهن الصافي السليم تولى مشيخة اهل دار الحديث بالأشرفية بدمشق وترجم الحافظ جمال الدين عبدالهادي الحنبلي في كتابه (الرياض اليانعة) لابن ناصر الدين وقال معظما للشيخ ابن تيمية محبا له مبالغا في محبته قد صنف في المولد النبوي الشريف أجزاء عديدة ذكرها صاحب كشف الظنون ص (319) ومنها جامع الآثار في مولد النبي المختار ومنها اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق.
الحافظ العراقي : وهو الإمام الكبير عبدالرحيم بن حسين بن عبدالرحمن المصري الشهير بالحافظ العراقي المولود سنة (725هـ) المتوفى سنة (808هـ) برع في الحديث والإسناد والحفظ وهو العلامة الحجة صنف مولدا شريفا سماه (المورد الهني في المولد السني) ذكره ضمن مؤلفاته.
الحافظ السخاوي: وهو محمد بن عبدالرحمن القاهري المعروف بالسخاوي المولود سنة (831هـ) المتوفى سنة (902هـ) بالمدينة المنورة وترجم له الشوكاني في كتابه البدر الطالع وقال عنه: من الأئمة الكبار وقال عنه ابن فهد: لم أر في الحفاظ المتأخرين مثله وقال عنه الشوكاني لو لم يكن له من التصنيف إلا كتاب (الضوء اللامع) لكان دليلا على إمامته وقال صاحب كشف الظنون : للحافظ السخاوي جزء في المولد الشريف.
الحافظ ملا علي القاري بن سلطان بن محمد الهروي: المتوفى سنة (1014هـ) صاحب شرح المشكاة ترجم له الشوكاني في (البدر الطالع) وقال: أحد مشاهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والإفهام وقد صنف في مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كتابا قال صاحب اكشف الظنون اسمه (المورد الروي في المولد النبوي).
(5/21)
________________________________________
الحافظ ابن كثير: وهو عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التفسير ققال الذهبي في المختص : الإمام المحدث البارع ثقة متقن محدث متفنن وترجم له العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) فقال: اشتغل بالحديث ومتونه ورجاله وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن بسببه كثرت تصانيفه في البلاد صنف الإمام ابن كثير مولدا نبويا طبع أخيرا بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد.
الحافظ ابن الديبع: وجيه الدين بن عبدالرحمن بن علي بن محمد الشيباني اليمني الزبيدي الشافعي والديبع بلغة السودان: هو لقب جده الأعلى ولد في محرم سنة (866هـ) وتوفي يوم الجمعة ثامن رجل الفرد سنة (944هـ) وكان أحد أئمة الزمان حدث بالبخاري أكثر من مائة مرة وصنف مولدا مشهورا حققه الشيخ محمد علوي المالكي رحمه الله.
---
(5/22)
________________________________________
التبرك
معاني البركة :
للبركة معان شتى تختلف باختلاف سياقها من الآية أو الحديث أو الأثر أو الموضوع ومن معانيها الزيادة والنماء وهما يشملان المحسوسات والمعنويات جميعا والحقيقة أن البركة سر إلهي وفيض زاده الله تعالى ونمى به أعمال البر بملازمة القربات الكريمة فكانت البركة بهذا ثمرة من ثمرات العمل الصالح يحقق الله بها الآمال ويدفع السوء ويفتح بها مغالق الخير من فضله فالبركة بهذا المعنى لون من الرحمة والفضل الرباني والخير الشامل والفائدة واللطف الخفي الذي يحبو به الله أعمال أوليائه وأحبابه الأبرار ثم إن الله تعالى بارك القرآن في ذاته فقال?كتاب أنزلناه إليك مبارك?(1)[1]) وبارك المنازل فقال?وقل رب أنزلني منزلا مباركا?(2)[2]) وبارك اسمه الكريم فقال?تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام?(3)[3]) وبارك الله الأسرة النبوية من سيدنا إبراهيم فقال: ?رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت?(4)[4]) وتبارك في نفسه تعالى فقال: ?تبارك الله رب العالمين?(5)[5]) وبركاته كثيرة جدا في جميع ما خلق سبحانه وتعالى.
ولما كان (التبرك بالشيء) هو طلب البركة بذلك الشيء من الله تعالى، (والبركة) هي الزيادة والنماء كان معنى التبرك بآثار الصالحين طلب الزيادة من الخير من الله عز وجل بجاههم ومنزلتهم عنده.
ولقد تكلم كثير من فقهاء المذاهب الأربعة في كتبهم الفقهية عن التبرك في مناسبات عديدة وأقروه بشرط أن لا يتجاوز حدود الشريعة الإسلامية واستعمل هؤلاء الفقهاء أنفسهم التبرك تأسيا بسلفهم الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وعنا بجاههم.
__________
(1) سورة ص الآية (29).
(2) سورة المؤمنين الآية (29).
(3) سورة الرحمن الآية (78).
(4) سورة هو الآية (73).
(5) سورة العراف الآية (54).
(6/1)
________________________________________
والتبرك في الحقيقة ليس هو إلا توسلا إلى الله سبحانه وتعالى بذلك المتبرك به سواء أكان أثرا أو مكانا أو شخصا أما الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلا بإذنه تعالى.
وأما الآثار والأماكن فلأنها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرفة بشرفها ومكرمة ومعظمة ومحبوبة لأجلها.
التبرك بسور القرآن:
عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيده لبركتها)(1)[6]).
وفي رواية قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرض أحد من اهله نفث عليه بالمعوذات)(2)[7]).
وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (فاسترقوا لها فإن بها نظرة)(3)[8]) أي اطلبوا لها من يرقيها.
وعنها أيضا رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (بها نظرة فاسترقوا لها)(4)[9]) يعني بوجهها صفرة.
التبرك بقبر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقال : نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله)(5)[10]).
__________
(1) أخرجه البخاري (5748) ومسلم (5679) وأبو داود (3902) وابن ماجه (3529) ومالك في كتاب العين رقم (99).
(2) أخرجه مسلم (5678).
(3) أخرجه البخاري (5739).
(4) أخرجه مسلم (5689).
(5) 10]) أخرجه الحاكم في المستدرك (8571) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(6/2)
________________________________________
والحديث فيه التجاء أحد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتمسحه بقبره الشريف . وقال القاضي عياض: رؤي ابن عمر رضي الله عنهما واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه.
وروى القاضي عياض عن أبي قسيط والعتبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامينهم ثم يستقبلون القبلة يدعون.
وقال الملا علي القاري شارح الشفا: رواه ابن سعد عن عبدالرحمن بن عبدالقاري(1)[11]).
وروى ذلك الشيخ ابن تيمية أيضا عن الإمام أحمد أنه رخص في التمسح بالمنبر والرمانة وذكر أن ابن عمر وسعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد من فقهاء المدينة كانوا يفعلون ذلك . أهـ(2)[12])
ولما حضرت الوفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لابنه عبدالله : (انطلق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل : يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل : أمير المؤمنين فإني لست اليوم بأمير المؤمنين وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه قال: فاستأذن وسلم ثم دخل عليها وهي تبكي فقال : يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فلما أقبل قيل: هذا عبدالله بن عمر قد جاء فقال: ارفعوا فأسنده رجل اليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا امير المؤمنين أذنت ، فقال الحمد لله ما كان شيء أهم الي من ذلك فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلم وقل يستأذن عمر فن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين)(3)[13]).
وقال إبراهيم الحربي: يستحب تقبيل حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال صاحب غاية المنتهى الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي ما نصه: (ولا بأس بمس قبر بيد لاسيما من ترجى بركته).
__________
(1) 11]) (ج2/518).
(2) 12]) اقتضاء الصراط المستقيم ص (367).
(3) 13]) أخرجه البخاري (1392).
(6/3)
________________________________________
وقال المرداوي في الإنصاف ما نصه: (يجوز لمس القبر من غير كراهية).
وقال السمهودي في وفاء الوفاء ما نصه: لما قدم بلال رضي الله عنه من الشام لزيارة الني صلى الله عليه وآله وسلم أتى القبر فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه.
وقد ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يضع يده اليمنى على القبر وأن بلالا رضي الله عنه وضع خديه عليه.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل يد الآدمي.
وسئل الإمام أحمد عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبره فلم ير به بأسا(1)[14]).
ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف واجزاء الحديث وقبور الصالحين.
ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري أنه يجوز تقبيل القبر ومسه وقال وعليه عمل العلماء الصالحين(2)[15]).
التبرك بشعره صلى الله عليه وآله وسلم :
ومن حديث أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر وقال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس.
وقد جاء في رواية حفص بلفظ : «فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم بالأيسر فصنع مثل ذلك »
__________
(1) 14]) البداية والنهاية (2/Cool.
(2) 15]) المقالات السنية ص (128 - 129).
(6/4)
________________________________________
ومن حديث أنس رضي الله عنه أيضا قال: لما رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمرة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبو طلحة لأم سليم بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه فقال اقسم بين الناس(1)[16]).
وعن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصبناه من قبل أنس – أو من قبل أهل أنس، فقال: (لأن تكون عندي شعرة منه احب الي من الدنيا وما فيها).
وعن عثمان بن عبدالله بن موهب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث اليها مخضبة قال: فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء(2)[17]).
قال الإمام الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد بينه وكيع في مصنفه فقال: كان جلجلا من فضة صيغ صونا لشعرات النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت عند ام سلمة والجلجل هو شبه الجرس يتخذ من الفضة أو الصفر أو النحاس، وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيه فيوضع فيه – ما يحتاج إلى صيانته(3)[18]).
__________
(1) 16]) أخرجه مسلم (31242) وأبو داود (1982) والترمذي (912) وأحمد (3/111) والحميدي (1220) وابن خزيمة (2928) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (1456) والبغوي (1962) وابن حبان (3879) والبيهقي (5/134) وفي رواية عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره أخرجه البخاري (171).
(2) 17]) أخرجه البخاري (5896) ورواه مسلم (1/83).
(3) 18]) كذا في فتح الباري (1/3539.
(6/5)
________________________________________
وقال الإمام العيني : وبيان ذلك على التحرير: أن أم سلمة رضي الله عنها كان عندها شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمر في شيء مثل الجلجل وكان الناس عند مرضهم يتبركون بها ويستشفون من بركتها ويأخذون من شعره ويجعلونه في قدح من الماء فيشربون الماء الذي فيه الشعر فيحصل لهم الشفاء وكان أهل عثمان أخذوا منها شيئا وجعلوه في قدح من فضة فشربوا الماء الذي فيه فحصل لهم الشفاء ثم ارسولا عثمان بذلك القدح إلى أم سلمة ووضعته في الجلجل فاطلع عثمان في الجلجل فرأى فيه شعرات حمراء.
قوله: (وكان إذا أصاب الإنسان إلى آخره) : كلام عثمان بن عبدالله بن موهب أي كان اهلي كذا فسره الكرماني وقال بعضهم وكان إذا أصاب الإنسان أي منهم والذي قاله الكرماني أصوب يبين به أن الإنسان إذا أصابه عين أو شيء من الأمراض بعث أهله اليها أي إلى أم سلمة مخضبة بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة وهي الإجانة ويجعل فيها ماء وشيئا من الشعر المبارك ويجلس فيها فيحصل له الشفاء ثم يرد الشعر إلى الجلجل(1)[19]).
وعن جعفر بن عبدالله بن الحكم أن خالد بن الوليد قد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال اطلبوها فلم يجدوها فقال اطلبوها فوجدوا فإذا هي قلنسوة خلقة أي ليست بجديدة فقال خالد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر(2)[20]).
__________
(1) 19]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (18/79).
(2) 20]) ذكره الهيثمي في مجمع الزائد (9/349) وابن حجر في المطالب العالية (4/90) وفيه يقول خالد (فما وجهت من جهة الا فتح لي ).
(6/6)
________________________________________
وفي سير أعلام النبلاء(1)[21]) للذهبي ما نصه: قال عبدالله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ويغمسها في الماء البرد ويشربه ويستشفي به ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.
وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن يلمس رمانةمنبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال: لا أرى بذلك بأسا.
وفي البداية والنها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 7:02 pm

الحضرة
* الحضرة: هي حضور القلب مع الله .
* وهي الركن الهام في طريق القوم.
وهذا الركن هو الاجتماع على ذكر الله عز وجل تحت إمارة الشيخ أو وكيله المسمى بالمقدم يبدأ بتلاوة القرآن الحكيم ، ثم تنشد أناشيد من أقوال العارفين بالله المأخوذة بما فيها من القرآن والسنة وأفهام العلماء بالله مثل الشيخ عبدالغني النابلسي وابن الفارض ثم تقوم الجماعة للذكر ويبقون على حالة الذكر حتى يأذن الشيخ أو المقدم بختامها وبعد ذلك يقرأ أحد الإخوة بعض الآيات من القرآن الحكيم ويتم تفسيرها من قبل الشيخ أو وكيله.
وإن الحضرة منقولة ومتوارثة عن كبار الأشياخ العاملين فهي مقررة في كتبهم ومظهر من مظاهر التصوف في سلوك طريقهم عند سيدي أحمد الرفاعي (انظر البرهان المؤيد) والجنيد والجيلاني والشاذلي والشعراني والحاتمي والقشيري وغيرهم رضي الله عنهم.
الأصل فيها ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم?(1)[1]).
والاصطلاح على كيفيتها هو من باب البدعة الحسنة.
وفي كتاب (النصرة النبوية لأهل الطريقة الشاذلية للشيخ مصطفى حبش المدني)(2)[2]):
إن القوم لما كان جل قصدهم ذكر الله في سائر أوقاتهم أوجب لهم اشتغال أنواره في بواطنهم وأجسادهم فجعلوا حلقة الذكر والجهر به دواء لحالهم وسببا لنشاطهم واسرتواحا لقلوبهم وزيادة على السير إلى مقصودهم ولسريان المدد بينهم وجمع الهمة على محبوبهم وردا لداء الكسل والفتور والنوم وسدا لباب الغفلة الموجب للمعاصي وجعلوا لحلقة الذكر الجهري كيفية وشروطا وآدبا.. أهـ باختصار.
وكل ذلك معروف عند من سلك طريق القوم.
وجواز حلق الذكر شرعا بشكل جماعي جهرا وقياما مأخوذ من قوله تعالى ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم?(3)[3]) فالذين تدل على الجماعة وقياما تدل على جواز الذكر واقفا.
__________
(1) سورة آل عمران الآية (191).
(2) ص (173).
(3) سورة آل عمران الآية (191).
(7/1)
________________________________________
وقال تعالى في الذكر الجماعي ?يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا?(1)[4]) .
وأما الأحاديث التي وردت في فضيلة الذكر فكثيرة منها ما يلي:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء فجثا أعرابي على ركبتيه وقال: يا رسول الله حلهم لنا نعرفهم فقال عليه الصلاة والسلام هم المتحابون في الله من قبائل شتى ومن بلاد شتى يجتمعون على ذكر الله»(2)[5]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فقالوا : يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»(3)[6]).
وورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول«إن لله ملائكة سيارين يتطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليها حفوا بها فيقول الله: غشوهم برحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم».
وفي الرواية المطولة: «إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فُضْلاً يتبعون مجالس الذكر، فإن وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء قال: فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويهللونك ويحمدونك وفي رواية البخاري ويمجدونك ويسألونك...»(4)[7]) .
ويستفاد من هذا الحديث أيضا: أن المقصود من الذكر هو ما فسرته الملائكة من التسبيح والتهليل والتحميد وليس المراد العلم كما يظنه بعض المسلمين.
__________
(1) سورة الأحزاب الآية (41 - 42).
(2) أخرجه الطبراني بإسناد حسن وانظر الترغيب والترهيب (2/406 -4/21).
(3) أخرجه أحمد (3/150) والترمذي (3510) وقال حديث حسن غريب وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (2/407 - 408).
(4) أخرجه البخاري (6408) ومسلم (6780) والترمذي (3600) وأحمد (1/251).
(7/2)
________________________________________
وعن سيدنا معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال: آ لله ما أجلسكم إلا ذاك، قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة(1)[8]).
وعن ثابت البناني قال: إن أهل ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم الآثام أمثال الجبال وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم من شيء.
صلى الله عليه وآله وسلم : «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ...»(2)[9]).
وسئل الإمام السيوطي عن حلق الذكر والجهر في المساجد فقال : لا كراهة فيه وجوز ذلك العز بن عبدالسلام والبلقيني وغيرهم كثير(3)[10]) .
__________
(1) أخرجه مسلم (6797) والترمذي (3379) والنسائي (5441) وأحمد (4/92).
(2) أخرجه مسلم (2700) والترمذي (3378) وأحمد (2/447) وأبو يعلى (1252) وعبدالرزاق (20577).
(3) 10]) حقيقة الصوفية.
(7/3)
________________________________________
والحضرة: لفظ اصطلح عليه أهل التصوف ومعنى الحضرة: حضور القلب مع الله تعالى وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حلق الذكر) وسماها أيضا (مجالس الذكر) كما مر معنا ويأتي أناس يسمونها كذا وكذا وهذا لا يهم فلا مشاححة في المصطلحات المهم أن يكون مجلس الذكر أو حلقة الذكر أو الحضرة خالية من المخالفات الشرعية وربنا سبحانه وتعالى قال ?اذكروا الله ذكرا كثيرا? فلم يقيد أحدا بحالة معينة وقال أيضا ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم? وبهذه الآية: جعل الذاكرين في راحة كاملة لم يقيدهم بحالة واحدة وتكلم بلسان الجمع فيمكن أن يذكروا الله جماعة قياما وقعودا وعلى جنوبهم على حسب الهيئة التي تناسب الذاكرين ولم يقيدهم بحالة مخصوصة وبيوم مخصوص وبساعة مخصوصة فإذا فتح ربنا باب الذكر على مصراعيه فلماذا يأتي أحدهم ويقيد باب الذكر بحالة مخصوصة...؟.
فالله وحده أعلم وأرحم(1)[11]).
ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى : والذين يتداعون إلى هذه الحلقات ويحضرونها يحتجون بالعموم الذي يدل عليه قول الله عز وجل: ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم?(2)[12]).
وهو عموم بين لا يخرج عن نطاقه إلا إذا أخرجه نص آخر من طريق الاستثناء والتخصيص.
وكما أنه لم يرد نص بتحديد حالة أو وقت معين له كذلك لم يرد نص يأمر بتجنب حالة مخصوصة أو وقت محدود له(3)[13]).
والخلاصة:
__________
(1) 11]) السلفية للدكتور محمد سعيد البوطي ص 192.
(2) 12]) سورة آل عمران الآية (191).
(3) 13]) كتاب السلفية ص (92).
(7/4)
________________________________________
أن غالب طرق التربية والإرشاد لا تخلو من الحضرة كمظهر من مظاهرها وذلك للنفع الحاصل فيها من ذكر الله عز وجل ومراقبته ونزول الرحمات بذكر الصالحين فيها والإرشاد الحاصل بالسماع والإنشاد والبركة الحاصلة بالحركة فهي مما سنه السادات العارفون ولا دليل لمنكرها لأن الأصل في الأشياء الإباحة حيث لا تعارض أصلا بل هي سبيل لتحريك القلب والتوجه به نحو ربه سبحانه(1)[14]).
---
__________
(1) 14]) كتاب الإبريز (2/180).
(7/5)
________________________________________
الحركة في الذكر
تمهيد:
الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد وعندما برزت الأجساد إلى عالم الوجود أودعت تلك الأرواح فيها.
والروح من طبعها السمو والتعالي عن صفات البشرية بل هي من مرافقات الملأ الأعلى فمن صفت روحه من شوائب الأغيار وطهرت من دنس الأوزار كان قريبا إلى العالم الروحاني الذي لا يغفل فيه عن ربه ولا يلتفت إلا إليه .
ومن انكسفت أنوار روحه وغشتها ظلمات الوهم والشهوات هوى في واد سحيق عميق من أودية البهيمية قال تعالى : ?إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا?(1)[1]).
وحينما يقرأ العبد القرآن أو يذكر الله تستمد الروح من ذلك طاقات فعالة وتكتسب قوة وصفاء فتهتز في الجسم وتضطرب شوقا لمن ألفتهم من يوم ?ألست بربكم?(2)[2]).
وهذا هو سبب تحريك الإنسان رأسه حال الذكر وتلاوة القرآن فكأن الروح تشتاق إلى القرب من حضرة ربها إذا سمعت كلامه أو اسمه فتكاد تلحق بعالمها وأفقها السماوي الروحاني حيث الملأ الأعلى وتتجرد من ظلمة هذا الجسد وتتخلص من عوائقه ولكن الذي يعوقها ضعفها وكدورتها والقيود التي قيدها بها الجسد من شهوات وغيرها.
فكم من رجال ملائكيين بأرواحهم ربانيين بأخلاقهم لا يقدرون على تثبيت أنفسهم أثناء الذكر لشدة اضطراب أرواحهم في أجسادهم وانفعال نفوسهم وربما غابوا عن إدراكهم وسبحت أرواحهم في عالم الملكوت.
قال بعض العارفين: سبب اضطراب الإنسان بالصوت الحسن أن الروح تتذكر لذيذ الخطاب يوم (ألست بربكم) حين أخرجت من صلب آدم وخوطبت بذلك فتحن لما تتذكر ذلك(3)[3]).
__________
(1) سورة الفرقان الآية (44).
(2) سورة الأعراف الآية(172).
(3) تنبيه الفكر إلى حقيقة الذكر ص (51).
(8/1)
________________________________________
ومن الأمور المسلم بها أن الإنسان يتأثر بالكلمة الطيبة ويهتز للصوت الرخي ويطرب للنغمة الحلوة والإيقاع الموزون ويأسره المنظر البهيج ولا يدري كيف تتم هذه الأمور في نفسه؟ وأين محالها في ذاته؟ فإن أراد التعبير عنها باللغة الموضوعة للتخاطب جاء تعبيره ناقصا وتخونه العبارة إذا أراد أن يفصح عما يشعر به إفصاحا واقعيا لأنها أمور لا تنال إلا بالذوق ويقف الحس أمامها مبهوتا حائرا قد لا يستطيع ضبط نفسه عن ذلك التأثير فتصدر عنه أصوات أو حركات دون إرادته وقد ينتقده الآخرون عليها وينفعل بذلك ولكنه لا يملك التحكم بمشاعره وانفعالاته.
وهكذا يستولي حب الذكر على قلب صاحبه استيلاء قويا ويتمكن منه تمكنا لا يستطيع ضبط نفسه عنده وهذا ما عبر عنه العلماء (الوجد والتواجد) فالوجد كما قال الشيخ أمين الكردي في (تنوير القلوب) وارد يرد على القلب من كشف أسرار الذات وأنوارها فيدهش الروح أو يظهر ذلك على الجوارح فيهتز الرأس والبدن قال تعالى ?ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله?(1)[4]).
وورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صعد أحدا يوما ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فاهتز الجبل فرحا وتحرك طربا وزهوا بمن علاه فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجله وقال( اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وقال(إن أحدا جبل يحبنا ونحبه)(2)[5]).
__________
(1) سورة الحديد الآية (16).
(2) أخرجه مطولا ومختصرا مالك (2/889) في الجامع والبخاري (2889) و (2893) و (3367) و (6363) و (7333) ومسلم (1393) وأحمد (3/140 -149) والترمذي (3922) وابن ماجه (3115) وعبدالرزاق (17170).
(8/2)
________________________________________
إن الجبال الرواسي قد طربت واهتزت فرحا برسول الله ومحبة فيه فكيف حال المؤمن الصادق الذي وله بذكر محبوبه واستولى حبه على قلبه؟ وعلينا تحسين الظن بالناس وكل أعلم بنفسه ?بل الإنسان على نفسه بصيرة?(1)[6]) ?يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن(2)[7])?(3)[8]).
* أدلة الحركة في الذكر من القرآن الكريم
يقول الله تعالى ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم?(4)[9]).
قال الآلوسي في تفسيره عند قوله تعالى ?يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم? بعد كلام طويل(5)[10]): وعليه فيحمل ما حكي عن ابن عمر رضي الله عنهما وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم ، أما قال الله تعالى ?يذكرون الله قياما وقعودا? فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها.
ويقول العلامة الكتاني: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام وهو مشروع بنص القرآن الكريم ?يذكرون الله قياما وقعودا? والتمايل والاهتزاز منقول عن الصحابة فقد روى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام ثم تراجع إلى وراء)(6)[11]).
ويقول سبحانه وتعالى ?فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم?(7)[12]).
__________
(1) سورة القيامة الآية (14).
(2) تنبيه الفكر ص (57).
(3) سورة الحجرات الآية (12).
(4) سورة آل عمران الآية (191).
(5) 10]) تفسير الآلوسي الكبير روح المع8اني (4/140).
(6) 11]) التراتيب الإدارية للعلامة عبدالحي الكتاني (2/143).
(7) 12]) سورة النساء الآية (103).
(8/3)
________________________________________
وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: ذكر الله تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره فكأنها تحصر زمانه ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه)(1)[13])... إلى أن قال فذاكر الله تعالى على حالاته مثاب مأجور إن شاء الله(2)[14]).(3)[15])
أدلة الحركة في الذكر من السنة الشريفة:
__________
(1) 13]) أخرجه مسلم (824) وأبو داود (18) وابن ماجه (302) وأحمد (6/70) وابن خمزيمة (207) وأبو يعلى (4699) والبيهقي (1/90) وأبو عوانة (1/217) والبغوي (274) والبخاري (1/407) تعليقا وابن حبان (802) وقال : (قول عائشة يذكر الله على كل أحيانه أرادت به أن الذكر هو غير القرآن ).
(2) 14]) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن (4/310 و 311).
(3) 15]) فالاستدلال بعموم الآية الأولى والثانية التي تنص على جواز ذكر الله تعالى قياما وقعودا وعلى جنوبهم المراد من ذلك أنهم يذكرون الله على كل الأحيان والحالات كما ورد ذلك في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها كان يذكر الله على كل أحيانه وهذا من باب إطلاق النصوص وعموماتها ولم يوجد نص آخر يخصص هذا العموم أو يقيد هذا الإطلاق فيعمل بالمطلق على إطلاقه وبالعام على عمومه حتى يريد نص يخصصه فإذا لم يرد نص يخصصه لا يجوز إخراج فرد من أفراد مدلوله إلا بدليل وإخراج فرد من أفراده بدون دليل تحكم وتهجم على كتاب الله تعالى وتخصيص له بالرأي دون دليل.
(8/4)
________________________________________
عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر (أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا) فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب بالدرع وهو يقول?سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر(1)[16])?(2)[17]) .
الشاهد في جواز قراءة كلام الله سبحانه وتعالى في حالة الوثب وهو الظفر والقفز فجوزا ذكر الله تعالى في هذه الحالة من باب أولى.
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد... إلى أن قالت: وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «دونكم يا بني أرفده» حتى إذا مللت قال: «حسبك » قلت: نعم قال (فاذهبي)(3)[18]).
وفي رواية عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: (كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح فقال صلى الله عليه وآله وسلم (ماذا يقولون؟) فقيل:يقولون : محمد عبد صالح)(4)[19]).
قال ابن حجر العسقلاني عند شرحه: دونكم يا بني أرفدة: يقولون دونكم بالنصب على الظرفية بمعنى الإغراء والمغزى به محذوف وهو لعبهم بالحراب وفيه إذن وتنهيض لهم وتنشيط(5)[20]).
ونقل العلامة الكتاني بعد أن ذكر عددا من أحاديث رقص الحبشة قوله فيها دلالة على أنواع من الرقص:
الأول : اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.
والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام : «دونكم يا بني أرفدة» وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما.
__________
(1) 16]) سورة القمر الآيات (45 -46).
(2) 17]) أخرجه البخاري (3953) وفي تفسير ابن كثير (2/266) وأحمد (1/329).
(3) 18]) أخرجه البخاري (949) ومسلم (2062).
(4) 19]) أخرجه الإمام أحمد (3/152) وابن حبان (5870) وإسناده صحيح.
(5) 20]) فتح الباري (2/444).
(8/5)
________________________________________
والرابع: منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الإنكار والتغيير وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور.
والخامس: وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها(1)[21]).
وقال العلامة الكتاني أيضا : (وحيث لم ينههم بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد والطاعة وإظهار الفرح بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فلذلك اقرهم عليه الصلاة والسلام وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه)(2)[22]).
ونقل العلامة الكتاني من قول القاضي عياض ما نصه (فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقرارهم أن أغراهم نقله المواق(3)[23]) في سنن المهتدين والونشر يسي(4)[24]) في المعيار وأقراه)(5)[25]).
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت(جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعت رأسي على منكبيه انظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرف عن النظر اليهم )(6)[26]).
قال النووي في شرح صحيح مسلم عند شرح: (جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد (هو بفتح الياء وإسكان الزاي وكسر الفاء ومعناه يرقصون وحمله العلماء على التواثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص)(7)[27]).
__________
(1) 21]) التراتيب الإدارية (2/144 و 145) وهو كلام الإمام الغزالي في الإحياء.
(2) 22]) التراتيب الإدارية (2/143).
(3) 23]) المواق: هو محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغربناطي أبو عبدالله المواق فقيه مالكي وكان عالم غرناطة وإمامها وصالحها في وقته . توفى عام (897هـ).
(4) 24]) الونشر يسي هو أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني أبو العباس فقيه مالكي.
(5) 25]) التراتيب الإدارية (2/143).
(6) 26]) أخرجه مسلم في صحيحه (2063).
(7) 27]) شرح صحيح مسلم للنووي (6/486) (425 -426).
(8/6)
________________________________________
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى (والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ولو كان حراما لما نظرت عائشة إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يزفنون)(1)[28]).
عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: «سيروا هذا جمدان ، سبق المفردون» قالوا: وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا»(2)[29])).
وفي رواية (يا رسول الله وما المفردون؟ قال« المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا»(3)[30])).
( والمستهترون بصيغة اسم الفاعل: هم المولعون بالذكر المداومون عليه لا يبالون ما قيل فيهم ولا فعل بهم)(4)[31]).
__________
(1) 28]) إحياء علوم الدين (2/304).
(2) 29]) أخرجه مسلم في صحيحه (6749) وأحمد (2/411) (2/323) كما في صحيح ابن حبان (858) والحاكم (1/495) والبيهقي في شعب الإيمان (1/314) والطبراني في الأوسط (2794).
(3) 30]) أخرجه الترمذي (3596) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (16759).
(4) 31]) وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين لم يفعلوا ذلك وعد فعلهم دليل على عدم جوازه والجواب على ذلك انه قد مر إثبات جواز ذلك بالكتاب والسنة قولا في حديث الحبشة لأنه عليه الصلاة والسلام أغرهم وقال (دونكم يا بني أرفدة) وفعلا في حديث عائشة: (كان يذكر الله على كل أحيانه) وإقرارا في حديث الحبشة وحجل سيدنا علي وجعفر وزيد ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم كانوا منصرفين للجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الإسلام والفتوح ولم يكن وقتهم متسعا لفعل كل مفردات هذه الكليات فيكفي أنهم فعلوا بعضها وأقروا بعضها وجاء ذكر عمومها في القرآن الكريم.
(8/7)
________________________________________
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله في كل أحيانه(1)[32]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال(أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون) وفي رواية (حتى يقال إنه مجنون)(2)[33]) الشاهد فيه أن الذكر لله تعالى إن كان ساكنا لا موجب لقول الناس عنه مجنون لو لم ير بحالة وهيئة تدفع غيره من الغافلين إلى إلقاء تهمة الجنون عليه.
عن سيدنا علي بن أ بي طالب رضي الله عنه : (اختصم علي وجعفر وزيد ابن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل علي وقال لجعفر بن أبي طالب أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد بن حارثة أنت أخونا ومولانا فحجل زيد... الحديث)(3)[34]).
قال العلامة الكتاني (والحجل بحاء فجيم فلام رقص على هيئة مخصوصة)(4)[35]).
وقال ابن حجر العسقلاني عند شرح الحديث: (وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم أي وقف على رجل واحدة وهو الرقص بهيئة مخصوصة)(5)[36]).
وقال فقيه السادة الشافعية بمكة المكرمة العلامة أحمد زيني دحلان رحمه الله تعالى في كتابه المشهور في السيرة النبوية عند ذكره الحديث ما نصه (فرقص يعني جعفر – رضي الله عنه من لذة هذا الخطاب فلم ينكر عليه صلى الله عليه وآله وسلم وجعل ذلك أصلا لرقص الصوفية عندما يجدون لذة المواجيد في مجالس الذكر والسماع)(6)[37]).
__________
(1) 32]) مر تخريجه في الباب نفسه.
(2) 33]) أخرجه أحمد (3/68) وابن حبان (817) والحاكم (1/499) وصححه ووافقه الذهبي كما في كشف الخفاء (1/187) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (16761) وأخرجه ابن عدي في الكامل (3/980) وابن السني (4) وعبد بن حميد (925).
(3) 34]) أخرجه أحمد (1/108) و (1/98).
(4) 35]) التراتيب الإدارية (2/149).
(5) 36]) فتح الباري (7/504).
(6) 37]) السيرة النبوية والآثار المحمدية لزيني دحلان على هامش السيرة الحلبية (2/252).
(8/Cool
________________________________________
وروى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام ثم إلى وراء)(1)[38]).
وعن أبي أراكة يقول: صليت مع علي رضي الله عنه صلاة الفجر فلما انتقل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قدر رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: (والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا اصبحوا فذكروا الله ما دوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم..)(2)[39]).
أقوال العلماء في الحركة في الذكر:
الإمام السيد الكبير أحمد الرفاعي قدس الله سره:
قال رضي الله عنه : القوم سمعوا وطابوا ولكنهم سمعوا أحسن القول فاتبعوه وسمعوا غير الحسن فاجتنبوه تحلقوا وفتحوا مجالس الذكر وتواجدوا وطابت نفوسهم وصعدت أرواحهم لاحت عليهم بوارق الإخلاص حالة ذكرهم وسماعهم وترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر كالحاضر على حال الغائب يهتزون اهتزاز الأغصان التي تحركت بالوارد لا بنفسها يقولون لا إله إلا الله ولا تنشغل قلوبهم بسواه.
يقولون: هو وبه لا بغيره يتباهون إذا غناهم الحادي يسمعون منه التذكار فتعلوا همتهم في الأذكار.
ولك أن تقول يا أخي: الذكر عبادة فما الذي أوجب أن يذكر في حلقته كلام العاشقين وأسماء الصالحين؟
__________
(1) 38]) التراتيب الإدارية (2/141).
(2) 39]) كذا في البداية والنهاية لابن كثير (8/6) وأخرجه أبو نعيم في الحيلة (1/76) وابن عساكر في الكنز (8/219) كما في حياة الصحابة (1/49).
(8/9)
________________________________________
ولكن يقال لك: الصلاة أجل العبادات يتلى فيها كلام الله وفيه الوعد والوعيد ويقال في تحية الصلاة (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ما أشرك المصلي ولا خرج عن بساط عبادته ولا عن حد عبوديته وكذلك الذاكر سمع الحادي يذكر اللقاء فطاب بطلب لقاء ربه.
(من أحب لقاء الله أحب الله لقاه)(1)[40]).
سمع الحادي يذكر الفراق فتأهب للموت وتفرغ من حب الدنيا: (حب الدنيا رأس كل خطيئة)(2)[41]).
سمع الحادي يذكر الصالحين فتقرب بحب أحباب الله إلى الله هذه من الطرق إلى الله التي هي بعدد أنفاس الخلائق:
غنى بهم حادي الأحبة في الدجى ... فأطار منهم أنفسا وقلوبا
فأراد مقطوع الجناح بثينة ... وهمو أرادوا الواحد المطلوبا
سمى القوم الهز بالذكر رقصا!! إذا كان وارد الهزة من الروح فنسبه الرقص للروح لا للجسم وإلا فأين الراقصون؟ وأين الذاركون؟
طلب هؤلاء حق وطلب هؤلاء ضلال؟
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
الراقصون كذابون والذاكرون مذكورون بين الملعون والمحبوب بون(3)[42]) عظيم إذا دخلتم مجالس الذكر فراقبوا المذكور واسمعوا بأذن واعية.
__________
(1) 40]) أخرجه البخاري (6507) ومسلم (6761) والترمذي (2307) والنسائي (1837).
(2) 41]) أخرجه البيهقي في الحدي والسبعين من الشعب ، بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وهو أبي نعيم في مكايد الشيطان له عن مالك بن دينار وقيل إنه من قول جندب البحلي.
(3) 42]) البون: البعد (مختار).
(8/10)
________________________________________
وإذا ذكر الحادي أسماء الصالحين فألزموا أنفسكم اتباعهم لتكونوا معهم (المرء مع من أحب)(1)[43]) أوجبوا عليكم التخلق بأخلاقهم خذوا عنهم الحال والوجد الحق الوجد الحق : وجدان الحق.
فها هو سيد الطائفة قد بين لنا صدق قصد الذاكرين حينما يهتزون في الذكر متبرئا بذلك من كل ما ينسب إليه والى أتباعه من الظنون الكاذبة والدعاوي الباطلة.
الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:
سئل الحافظ ابن حجر المجدث الكبير عن رقص الصوفية وهل له أصل وهل رقص أحد بحضرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه؟
قال: نعم ، إن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه رقص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له : أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة الخطاب ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو في مصطلح الحديث إقرار والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسكت عن حرام أو مكروه.
وأفتى بجواز الرقص عند سؤال أحد الحاضرين في مجلسه فقال: يجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله صلى وكان رقصهم بالوثبات والوجد وإنشاد الشعر جائز بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصل هذه الطرائق من الكتاب والسنة الحاثين على كثرة ذكر الله والاجتماع على محبة الله أما سب المشايخ وتكفيرهم فكفر شرعا بلا خلاف(2)[44]).
الإمام خير الدين الرملي رحمه الله تعالى:
__________
(1) 43]) رواه البخاري (6168) ورواه مسلم (2640) عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكره أبو داود (5127) والترمذي (3535) بروايات مختلفة وزيادات عن أنس وأبي موسى وأبي ذر وصفوان بن عسال.
(2) 44]) السيف القاطع للسيوطي والإلهامات الإلهية للشيخ محمود أبي الشامات.
(8/11)
________________________________________
سئل العلامة خير الدين الرملي عما اعتاده الصوفية من حلق الذكر والجهر في المساجد ونشر القصائد وغير ذلك من عوائدهم فأجاب : إن الأمور بمقاصدها والأعمال بالنبيات(1)[45]).
الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:
جاء في الحاوي للفتاوى ما يلي : مسألة : في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر ثم إن شخصا من الجماعة قام في المجلس ذاكرا واستمر على ذلك الوارد الذي حصل له فهل له ذلك سواء باختيار أم لا؟ وهل لأحد منعه وزجره من ذلك؟
فالجواب: لا إنكار عليه في ذلك ، وقد سئل عن هذا السؤال بعينه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني(2)[46]) فأجاب بأنه لا إنكار عليه في ذلك وليس لمانع التعدي بمنعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير وسئل عنه العلامة برهان الدين الأنباسي فأجاب بمثل ذلك وزاد أن صاحب الحال مغلوب والمنكر محروم ما ذاق لذة التواجد ولا صفا له المشروب إلى أن قال في أخر جوابه: وبالجملة فالسلامة في تسليم حال القوم.
__________
(1) 45]) حقيقة الصوفية ص (108 - 109).
(2) 46]) هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكتاني العسقلاني الأصل ثم البلقيني المصري الشافعي أبو حفص سراج الدين،
(8/12)
________________________________________
واجاب أيضا بمثل ذلك بعض أئمة الحنفية والمالكية كلهم كتبوا على هذا السؤال بالموافقة من غير مخالفة أقول وكيف ينكر الذكر قائما والقيام ذاكرا وقد قال الله تعالى ?الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم?(1)[47]) وقالت عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه)(2)[48]) وإن انضم إلى هذا القيام رقص أو نحوه فلا إنكار عليهم فذلك من لذات الشهود أو المواجيد وقد ورد في الحديث رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له (أشبهت خلقي وخلقي)(3)[49]) وذلك من لذة هذا الخطاب ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان ذلك اصلا في رقص الصوفية لما يدركونه من لذات المواجيد وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من كبار الأئمة منهم شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام(4)[50]) .
العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى (وكل حركة في العالم العلوي أو السفلي فأصلها المحبة...)
فلولا الحب ما دارت الأفلاك وتحركت الكواكب النبيرات ولا هبت الرياح المسخرات ولا مرت السحب الحاملات ولا تحركت الكواكب النبيرات ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات ولا انصدع عن الحب أنواع النبات واضطربت أمواج البحار الزاخرات ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات وما فيها من المخلوقات(5)[51]).
__________
(1) 47]) سورة آل عمران الآية (191).
(2) 48]) تقدم تخرجيه في هذا الباب (178).
(3) 49]) تقدم تخرجيه في هذا الباب (182).
(4) 50]) الحاوي للفتاوى (7/128).
(5) 51]) الجواب الكافي لابن القيم الجوزية ص (38).
(8/13)
________________________________________
وقال أيضا: (والتكلف والتعامل في أوائل الطريق والسلوك لابد منه إذ لا يطالب صاحبه بما يطالب به صاحب الحال ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة)(1)[52]).
الإمام النووي رحمه الله تعالى:
ينص الإمام النووي عمدة المذهب الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) بعد أن ذكر عددا من المحرمات نفى منها الرقص فيقول ما نصه:
(لا الرقص إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث).
فيقول الرملي(2)[53]) في كتاب نهاية المحتاج في شرح المنهاج: (لا الرقص) فلا يحرم ولا يكره لأنه مجرد حركات على استقامة واعوجاج ولإقراره صلى الله عليه وآله وسلم الحبشة في مسجده يوم عيد.
ويقول عند قول النووي: (إلا أن يكون فيه تكسر(3)[54]) كفعل المخنث بكسر النون وهذا أشهر وهو أفصح فيحرم على الرجال والنساء وهو من يتخلق بخلق النساء حركة وهيئة)(4)[55]).
وقال النووي في الروضة (والرقص ليس بحرام)(5)[56]).
__________
(1) 52]) مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجوزية (3/69).
(2) 53]) شمس الدين الرملي (919 – 1004هـ) محمد بن أحمد بن حمزة شمس الدين الرملي فقيه الديار المصرية في عصره ومرجعها في الفتوى يقال له : الشافعي الصغير ومولده ووفاته بالقاهرة ولي إفتاء الشافعية وجمع فتاوى أبيه وصنف شروحا وحواشي كثيرة.
(3) 54]) يفسر التكسر بالتثني : وهو أن المراة من عادتها إذا مشت في بيتها وامام زوجها أن تنثنى يمينا ويسارا لأجل أن تلفت نظر زوجها اليها بحركاتها كما تلفت نظره اليها بجمالها وبلباسها.
(4) 55]) نهاية المحتاج في شرح المنهاج للرملي (8/282، 283).
(5) 56]) روضة الطالبين للإمام النووي (11/229).
(8/14)
________________________________________
وتجدر الإشارة إلى خطأ من وقف عند كلمة: تكسر وأغمض عينيه عما قبلها وبعدها وفسر بانثناء الركبة فلو كان انثناء الركبة محرما لذاته لحرم الرمل في الطواف والهرولة في السعي لأنه يتعذر على الإنسان المشي بدون ثني ركبة فكلمة تكسر استعملها الفقهاء لعدم وجود أي دليل يحرم الرقص مطلقا من كتاب الله أو السنة المطهرة وإنما علة التحريم هي التشبه بالمخنثين والعلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما والفقهاء عرفوا المخنث بأنه من يتخلق بخلق ا لنساء حركة وهيئة كما ذكره الرملي في نهاية المحتاج.
غير أني لم أجد هذا المعنى المتعسف في أمهات اللغة العربية كلسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس وغيرها.
وجاء في المعجم الوسيط: (ويقال لان فيه تخنث وتكسر: تفكك ورأيته متكسرا فاترا) والقاعدة الأًولية تقول: إذا تعارض معنى شرعي ومعنى لغوي قدم المعنى الشرعي ولذا فلا يلتفت إلى هذا الادعاء.
الإمام العلامة محمد السفاريني الحنبلي:
(نقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغش عليه فقال : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ذكره العلامة في الفروع)(1)[57]).
الإمام السيد أبو مدين رضي الله عنه :
يقول رحمه الله تعالى في بعض أبياته:
وقل للذي ينهى عن الوجد أهله ... إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللقا ... نعم ترقص الأشباح يا جاهل المعنى
أما تنظر الطير المقفص يا فتى ... إذا ذكر الأوطان حن إلى المغنى
يفرج بالتغريد ما بفوائده ... فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى
كذلك أرواح المحبين يا فتى ... تهزهزها الأشواق للعالم الأسنى
أنلزمها بالصبر وهي مشوقة ... وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنى
__________
(1) 57]) غذاء الألباب لمحمد السفاريني (1/129).
(8/15)
________________________________________
فيا حادي العشاق قم واشد قائما ... وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا
الإمام الشيخ السنوسي رحمه الله تعالى:
قال الشيخ السنوسي في نصرة الفقير وغيره: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديما وحديثا شرقا وغربا أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ويقومون ويرقصون ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين(1)[58]) أنه أنكر عليهم. وقد رأيت بفاس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب مع توفر العلماء فلم ينكر أحد عليهم وقد بلغني أن شيخنا شيخ الجماعة سيدي التاودي(2)[59]) بن سودة كان يحضر معهم في بعض الأحيان)(3)[60]).
الإمام العلامة الكتاني رحمه الله تعالى:
يقول الإمام الكتاني رحمه الله تعالى في باب رقص الحبشة في المسجد النبوي أمامه عليه الصلاة والسلام ما نصه:
(وقال القاضي عياض(4)[61]): فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقرارهم أن أغراهم ) نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار وأقراه.
__________
(1) 58]) بل لو استقرأنا تراجم العلماء منذ نشأة التصوف إلى الآن لوجدنا أكثرهم أو كلهم قد اتخذ مبدأ التصوف وعمل به والف فيه وكان من أئمته ولا يعتبر من شذ لعدم اطلاعه أو لعناده وجهله.
(2) 59]) هو محمد بن الطالب بن علي بن سودة التاودي (1111 – 1209هـ) المري الفاسي فقيه المالكية في عصره وشيخ الجماعة بفاس ذات شهرته بعد رحلة قام بها إلى مصر والحجاز.
(3) 60]) الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص (282 - 283).
(4) 61]) القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون الحصبي السبتي أبو الفضل عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته كان من أعلم النس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم ولي قضاء سبته ومولده فيها ثم قضاء غرناطة وتوفي بمراكش عام (544هـ).
(8/16)
________________________________________
وقال أيضا: (فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو وحاشاهم من قصد ذلك وإنما قصدهم به الاجتماع على الذكر والإقبال عليه بالقلب والقالب واستغراق الجوارح كلها فيه)(1)[62]).
الإمام ابن ليون التجيي(2)[63]) رحمه الله تعالى:
وقال ابن ليون التجيبي ما نصه : (وأما الرقص في المسجد ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاء حبش من الحبشة يزفنون يوم عيدهم في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعت كفي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم ) قال ابن عيينة فثبت أن الرقص في اصله مباح ولو كان حراما لذاته ما رقصوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )(3)[64]).
الإمام العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى:
قال العلامة المرحوم محمد أمين عابدين في حاشيته الشهيرة (رد المحتار على الدر المختار):
بعد كلام ما نصه : (وخلاصة ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله:
ما في التواجد إن حققت من حرجٍ ... ولا التمايل إن أخلصت من بأس
فقمت تسعى على رجل وحق لمن ... دعاه مولاه أن يسعى على الراسِ
__________
(1) 62]) التراتيب الإدارية (2/141 و143).
(2) 63]) هو سعيد بن أحمد بن ليون التجيبي أبو عثمان فقيه مالكي من علماء الأندلس وأدبائها المتقدمين له اكثر من مئة مصنف توفي نحو عام (750).
(3) 64]) الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص(282).
(8/17)
________________________________________
الرخصة فيما ذكر من الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال فهم لا يستمعون إلا من الإله ولا يشتاقون إلا له إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا وإن وجدوه صاحوا وإن شهدوه استراحوا وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا إذا غلب عليهم الوجد بغلباته وشربوا من موارد إراداته فمنهم من طرقته بوارق الهيبة فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب ومنهم من طبع عليه الحب من مطلع القرب فسكر وغاب هذا ما عن لي في الجواب والله أعلم بالصواب(1)[65]).
وميز العلامة ابن عابدين في رسالته (شفاء العليل) بين الصوفية الصادقين السائرين على قدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين الدخلاء المارقين وندد بالدخلاء على الصوفية واستعرض بدعهم ومنكراتهم في الذكر وحذر منهم ومن الاجتماع بهم ثم قال: (ولا كلام لنا مع الصدق من ساداتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة ردية فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواما يتواجدون ويتمايلون ؟ فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون... إلى ان قال: ولا كلام لنا مع من اقتدى بهم وذاق من مشربهم ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام بل كلامنا مع هؤلاء العوام الفسقة اللئام... (2)[66]).
الشيخ عبدالغني النابلسي رحمه الله تعالى:
قال الشيخ عبدالغني رحمه الله (حديث علي صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر فثبت مطلقا إباحة الاهتزاز بهذا الأثر على ان الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويعقد على أي نوع كان حيث لم يأت بمعصية ولم يقصدها).
الشيخ محمد سعيد البرهاني رحمه الله تعالى:
__________
(1) 65]) حاشية الدر المختار لابن عابدين (3/259).
(2) 66]) مجموعة رسائل ابن عابدين – الرسالة السابقة- شفاء العليل وبل الغليل لخاتمة محققي الحنفية ابن عابدين رحمه الله تعالى ص (172 ، 173).
(8/18)
________________________________________
وقال العلامة المرحوم الشيخ محمد سعيد البرهاني في تعليقاته على الهدية العلائية: (ولا شك أن التواجد هو تكلف الوجد وإظهاره من غير أن يكون له وجد حقيقة ففيه تشبه بأهل الوجد الحقيقي وهو جائز بل مندوب شرعا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم)(1)[67]). وإنما كان المتشبه بالقوم منهم لأن تشبهه بهم يدل على حبه إياهم ورضاه بأحوالهم وأفعالهم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن الرجل إذا رضي هدي الرجل وعمله فله مثل عمله)(2)[68]). وذكر النووي رحمه الله تعالى أن في هذا الحديث فضل حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحب الصالحين والأحياء والأموات إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح... إلى أن قال: والحاصل أن تكلف الكمال من جملة الكمال والتشبه بالأولياء لمن لم يكن منهم امر مطلوب مرغوب فيه على كل حال)(3)[69]).
الخلاصة
وبعد فهذه الأدلة المستوفية والقاطعة الملزمة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قولا وفعلا وتقريرا وأخبار الصحابة وأعمالهم رضي الله عنهم وأقوال السادة العلماء سلفا وخلفا كافية شافية لشرح الصدر بالحركة في الذكر هذا وبالإضافة إلى أن الأمر بالذكر مطلق يشمل جميع الأحوال فمن ذكر الله تعالى قائما أو قاعدا متحركا أو ساكنا ماشيا أو واقفا فقد قام بالمطلوب ومن المعلوم أن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم من مشي تارة وركوب تارة أخرى ودعوة وغزوات والى غير ذلك من أعماله صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر الله فيها ?وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا?(4)[70]).
__________
(1) 67]) أخرجه الطبراني في الأوسط (8323).
(2) 68]) أخرجه الطبراني في الكبير (17/922).
(3) 69]) هامش الهدية العلائية ص (233 و 234) باختصار.
(4) 70]) سورة الحشر الآية (7).
(8/19)
________________________________________
والذي يدعي تحريم الحركة في الذكر أو كراهتها هو المطالب بالدليل لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون غيرها بحكم خاص وعلى كل حال فإن الغاية من حلقات الذكر هي القيام بنوع من أنواع عبادة الله ألا وهي الذكر الذي استفاضت الأوامر الإلهية به وإن الحركة في ذلك ليست شرطا ولكنها وسيلة للنشاط في تلك العبادة وتشبها بأهل الصفاء والوجد مع خلوص النبية:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
والحمد لله رب العالمين
(8/20)
________________________________________
تقبيل اليد
عن سيدنا صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه: أن يهوديينِ قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيِّ نسأله قال: لا تقل نبي فإنه إن يسمعك تقول له نبي كانت له أربع أعين - كناية عن شدة سروره لأن السرور يزيد في حدة البصر والله أعلم - فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألا عن قوله تعالى: ?ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات?(1)[1]) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان - وفي رواية بدون ذي- فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم اليهود خاصة ألا تعتدوا في السبة) فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي قال (فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود)(2)[2]).
__________
(1) سورة الإسراء الآية (101).
(2) أخرجه الترمذي (3144) وأحمد (4/239) وابن ماجه (2705).
(9/1)
________________________________________
وعن سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فحاص الناس حيصة(1)[3]) فكنت فيمن حاص،قال فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ قلنا: ندخل المدينة فنثبت فيها ونذهب ولا يرانا احد قال فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا قال فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن الفرارون فأقبل الينا فقال: (لا بل أنتم العكارون(2)[4]) قال فدنونا فقبلنا يده فقال (أنا فئة المسلمين)(3)[5]).
وعن أم أبان بنت الوارع بن زراع عن جدها زراع رضي الله عنه وكان في وفد عبد القيس قال : لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجله(4)[6]).
وعن ابن جدعان قال ثابت لأنس: أمسست النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدك؟ قال: نعم فقبلها(5)[7]).
__________
(1) يقال: حاص الرجل إذا حاد عن طريقه أو انصرف عن وجهه إلى جهة أخرى.
(2) العكارون: العائدون إلى القتال.
(3) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (972) والترمذي (1716) وقال حديث حسن وابن ماجه (3704) وأحمد (2/23) والحميدي (687) والبيهقي (7/101) مختصرا وابن أبي شيبة (12/536) وأبو يعلى (5597) وابن سعد (4/2/107) .
(4) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (975) وفي التاريخ الكبير (3/447) وفي خلق أفعال العباد (28) وأبو داود (5225) والطبراني في الكبير (5313) وأحمد (2/70) وحكم الحافظ في الفتح على الإسناد بأنه جيد (11/57) .
(5) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 974) وأحمد (3/111).
(9/2)
________________________________________
وعن سيدنا حبان بن واسع عن أشياخ من قومه رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدل الصفوف يوم بدر وفي يده قدح فمر بسواد بن غزية فطعن في بطنه فقال أوجعتني فأقدني فكشف صلى الله عليه وآله وسلم فاعتنقه وقبل بطنه فدعا له بخير(1)[8]).
وعن سيدنا جابر رضي الله عنه أن سيدنا عمر رضي الله عنه قبَّل يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم(2)[9]) .
وعن الشعبي : أن زيد بن ثابت رضي الله عنه صلى على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابها فقال زيد ابن ثابت رضي الله عنه خل عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء فقبَّل زيد بن ثابت يد عبدالله وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(3)[10]) .
وعن ثابت قال: كنت إذا أتيت أنسا رضي الله عنه يخبر بمكاني فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلها فأقول : بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقبل عينيه وأقول: بأبي هاتين العينين اللتين رأتا رسول الله(4)[11]) .
وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لابن أبي أوفى رضي الله عنه ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فناولنيها فقبلتها(5)[12]).
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/427 - 488).
(2) أخرجه الحافظ ابن المقرئ الأصبهاني في جزء تقبيل اليد مخطوط (166/ب).
(3) 10]) أخرجه الحاكم (5808) وابن المقرئ في تقبيل اليد (مخطوط 166/ب).
(4) 11]) ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (2/111).
(5) 12]) أخرجه الحافظ أبو بكر ن المقرئ الأصبهاني في جزء تقبيل اليد (مخطوط 166/ب).
(9/3)
________________________________________
وعن سيدنا الوزاع بن عامر رضي الله عنه قال: قدمنا فقيل ذلك رسول الله صلى الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 7:09 pm


السادة اعضاء منتدانا الغالي نسبتاً لضخامة الكتاب وكبر حجمه لم استطيع من نقله كاملاً في هنا واظن هذا القدر كافي علي ايصال قيمة الكتاب لمن برغب غيه فقد قمت بوضع رابط لتحميل الكتاب كاملاً ولكي يسهل عليكم تصفحة من غير اتصال بالنت يمكنكم انزاله من المواقع الاتي:

حمل من هنا
اضغط هنـــا

وبالتوفيق ونرجاء الدعاء الصالح منكم .
زهرة حلوة


عدل سابقا من قبل ابراهيم فرج الله في السبت نوفمبر 07, 2009 7:32 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 7:23 pm

اذا كان الرابط اعلاه لايعمل يمكن تحميله من الرابط الاتي من بين مجموعة كتب يجب اختياره ومن ثم انزاله :

حمل من هنا

من هنا

وربنا يوفق
زهرة حلوة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
هاني عمار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عدد المساهمات : 943
ذكر النقاط : 1329
تاريخ التسجيل : 07/08/2009
الاقامة : بربر/القدواب




الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   السبت نوفمبر 07, 2009 8:05 pm

شكر
بارك الله فيك اخي ابراهيم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://haniammar.3web.me
ابراهيم فرج الله
مشرف القسم الإسلامي
مشرف القسم الإسلامي


عدد المساهمات : 162
ذكر النقاط : 246
تاريخ التسجيل : 14/07/2009
ملحوظة : الاشراف العام علي القسم الإسلامي .... 0912123240

الاوسمة

مُساهمةموضوع: رد: الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية   الأحد نوفمبر 08, 2009 4:49 pm

بارك الله لنا في ائمتنا اخي عمار ونفعنا الله بعلمهم
واعلم اخي ان المجهود الرائع يكون لاهله اولاَ ... وشكراَ لمرورك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
.:: منتديات جامعة الشيخ عبدالله البدري ::. :: المنـتـــــــدي الإسلامـــــي :: تزكيـــــــة النفــس-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
الأحد يناير 31, 2016 3:57 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» المرجع الكامل في التحكم الصناعي الكهربائي
الجمعة يناير 22, 2016 3:33 pm من طرف مصطفى المعمار

» نتيجة السروح في علم الروح
الإثنين مارس 24, 2014 9:57 pm من طرف عوض صالح

» .:: مكتبة نفيسة جداً في كل التخصصات ::.
الأحد يناير 26, 2014 12:57 am من طرف مجذوب احمد قمر

» زيارة وفد جمعية أصدقاء مرضي السكري
الإثنين ديسمبر 16, 2013 8:18 pm من طرف هاني عمار

» أضخم مكتبة هندسة مدنية في العالم
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:21 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» تحميل فاير فوكس عربي فايرفوكس Download Firefox
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:04 pm من طرف غيداء وبس

» كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
الأحد يوليو 28, 2013 9:43 pm من طرف محمد عبد الرحيم

» انطلاقة موقع الجامعة علي شبكة الانترنت
الأحد يوليو 21, 2013 5:38 am من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» .:: كتاب رؤيا النبي حق الي قيام الساعة ::.
الخميس مارس 21, 2013 1:27 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» جامعة الشيخ عبدالله البدري تهنئ الدكتور عمر عبدالله البدري
الجمعة مارس 15, 2013 3:39 am من طرف هاني عمار

» كتاب التجسيم والمجسمة للشيخ عبدالفتاح اليافعي
الخميس مارس 14, 2013 7:51 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» مجلة المديرين القطرية ( الشيخ عبدالله البدري... السوداني الملهم من الشمال)
الثلاثاء مارس 12, 2013 12:11 pm من طرف أحمدمحمدأحمدعبدالرحيم

» امتحاننا الدور الأول للعام 2012-2013
السبت فبراير 23, 2013 3:13 pm من طرف هاني عمار

» تحميل جوجل ايرث عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:45 pm من طرف غيداء وبس

» تحميل فايرفوكس عربى
الإثنين فبراير 18, 2013 8:30 pm من طرف غيداء وبس

»  برنامج افيرا انتى فايروس مجانى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  جوجل كروم عربى
الخميس يناير 17, 2013 3:40 am من طرف هاني عمار

»  كلمة مولانا الشيخ عبدالله البدري راعي ومؤسس جامع الشيخ عبدالله البدري
الأربعاء يناير 02, 2013 9:13 pm من طرف هاني عمار

» وضع حجر الاساس لمباني كليات الجامعة الجديدة
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 4:31 pm من طرف هاني عمار

المواضيع الأكثر نشاطاً
مشروع تخرجي
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
سجل دخولك بالصلاة علي الحبيب
ضع أي سؤال في الهندسة الكهربائية وسنأتيك بالاجابة ان شاء الله
موسوعة النساء والتوليد
حاج الماحي مادح الحبيب
موسوعة الخلفاء عبر التاريخ الاسلامي
برنامج لتقوية وتنقية صوت الحاسوب الي 10 اضعاف
هنا نتقبل التعازي في وفاة العضو بالمنتدي محمد حامد (ودالابيض)
شاركوني فرحة النجاح!!
المواضيع الأكثر شعبية
ادخل هنا للاطلاع علي جميع الوظائف المعلنة
حمل مجانا برنامج المصحف صوت وصورة للموبايل
الكتاب الشامل في الموقع(تم اعدادة من اكثر من 40 كتاب واكثر من 80 مشاركه )
ملف كامل عن ضواغط التبريد
موقع رائع فى زراعة البطاطس
صيغ C.V مهمة للخريجين
مواقع الوظـــائــف الشــاغـرة
الاحصاء الطبي في الويكيبيديا
كتب تكييف وتبريد بالعربي رووووووووعة
اكبر مكتبة في التصوف الاسلامي علي شبكة الانترنت
copyright 2010
facebook
counter
map
Elexa